دخل مسلمو جنوب الفلبين مرحلة سياسية جديدة، بعدما توجه الناخبون في إقليم بانغسامورو ذي الأغلبية المسلمة، الاثنين 14 سبتمبر/أيلول 2026 الموافق 3 ربيع الآخر 1448هـ وفق تقويم أم القرى، للمشاركة في أول انتخابات برلمانية منتظمة منذ تأسيس منطقة الحكم الذاتي.
ويمثل الاقتراع محطة تاريخية بالنسبة لمسلمي مورو، بعد عقود من الصراع المسلح والمفاوضات مع الحكومة المركزية في مانيلا، إذ ينتقل الإقليم للمرة الأولى من إدارة انتقالية عُيّن أعضاؤها إلى برلمان يختاره السكان مباشرة عبر صناديق الاقتراع.

نحو 2.4 مليون ناخب
سُجل نحو 2.4 مليون شخص للمشاركة في الانتخابات، لاختيار برلمان مكوّن من 80 عضوًا، سيتولى إدارة منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في مينداناو المسلمة.
ويتوزع البرلمان بين ممثلي الأحزاب والدوائر الجغرافية ومقاعد مخصصة لقطاعات اجتماعية مختلفة، وبعد تشكيله يختار النواب من بينهم رئيس وزراء الإقليم، في نظام برلماني جديد داخل الفلبين.
وبحسب حكومة بانغسامورو، جرت عملية التصويت عبر أكثر من خمسة آلاف مركز اقتراع موزعة على عشرات الدوائر، على أن يتولى الأعضاء المنتخبون مهامهم رسميًا في 30 أكتوبر/تشرين الأول.
عقود من الصراع

ولا يمكن فصل هذه الانتخابات عن التاريخ الطويل لمسلمي مورو في جنوب الفلبين، الذين خاضت حركات منهم تمردًا مسلحًا للمطالبة بالاستقلال أو بالحكم الذاتي الأوسع في مناطقهم ذات الغالبية المسلمة.
وبعد سنوات طويلة من المفاوضات، توصلت الحكومة الفلبينية و«جبهة تحرير مورو الإسلامية» عام 2014م (1435–1436هـ) إلى اتفاق سلام شامل تخلت بموجبه الجبهة عن هدف إقامة دولة مستقلة مقابل إنشاء منطقة تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونها.
وأعقب الاتفاق إقرار «قانون بانغسامورو الأساسي» عام 2018م (1439–1440هـ)، ثم تصويت السكان في استفتاء عام 2019م (1440–1441هـ) على إنشاء «منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في مينداناو المسلمة»، لتحل محل نظام الحكم الذاتي السابق بصلاحيات سياسية واقتصادية أوسع.
ومنذ ذلك الحين، تولت «سلطة بانغسامورو الانتقالية» إدارة المنطقة إلى حين إجراء الانتخابات البرلمانية. وكان من المقرر تنظيمها في وقت أبكر، لكنها تأجلت عدة مرات قبل أن يحدد قانون أُقر في مارس/آذار 2026م (رمضان–شوال 1447هـ) موعد 14 سبتمبر/أيلول 2026م (3 ربيع الآخر 1448هـ) لإجرائها.
المقاتلون السابقون يدخلون السياسة

ويحمل المشهد رمزية خاصة؛ إذ أصبح عدد من القادة الذين أمضوا سنوات في قيادة حركة مقاومة مسلحة جزءًا من المنافسة السياسية الجديدة.
وكان من أبرز المشاهد يوم الاقتراع ظهور رئيس «جبهة تحرير مورو الإسلامية» الحاج مراد إبراهيم وهو يدلي بصوته في مركز انتخابي، بعد أن تحولت الحركة التي قادت عقودًا من المقاومة إلى قوة سياسية تتنافس على حكم الإقليم عبر الانتخابات.
وقالت رويترز إن المنافسة شملت قوى مرتبطة بالجبهة السابقة، إلى جانب أحزاب وفصائل سياسية وعائلات تقليدية نافذة في المنطقة.
انتخابات وسط تحديات أمنية
وجرت الانتخابات وسط إجراءات أمنية مشددة بعد تسجيل حوادث عنف مرتبطة بالاقتراع. ونُشر أكثر من 20 ألف عنصر أمني لتأمين العملية، بحسب أسوشيتد برس، فيما وصفت السلطات عملية التصويت في معظم أنحاء المنطقة بأنها سلمية رغم عدد من الحوادث المعزولة.
وتبقى أمام الحكومة المنتخبة تحديات كبيرة، بحسب الإجراءات المعلنة من بينها استكمال عملية السلام ونزع السلاح، ومعالجة الفقر وضعف التنمية، والحد من النزاعات العائلية والمسلحة التي شهدتها أجزاء من مينداناو على مدى سنوات.
فصل جديد لمسلمي جنوب الفلبين
وتتجاوز أهمية الانتخابات مسألة اختيار 80 نائبًا؛ فهي اختبار لمسار كامل يسعى إلى تحويل صراع استمر عقودًا إلى مؤسسات سياسية مستقرة تمنح مسلمي المنطقة مساحة أوسع لإدارة شؤونهم بأنفسهم.
وبعد أن ظل مطلب الحكم الذاتي محورًا للنزاع بين حركات مورو والحكومة الفلبينية، ينتقل مركز الثقل الآن من ساحات القتال وطاولات المفاوضات إلى البرلمان وصناديق الاقتراع.
وبالنسبة إلى بانغسامورو، فإن نجاح التجربة لن يُقاس بإجراء الانتخابات وحدها، بل بقدرة المؤسسات الجديدة على تثبيت حكمها وتحسين حياة السكان والمحافظة على أهدافها بعد عقود من الصراع والتضحيات.
فهل سيحقق التصويت في البرلمان أحلام الموريين التي قاتلوا لأجلها سنوات طويلة واضطروا لأجلها للتخلي عن حلم دولة مستقلة مقابل تسوية سياسية؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.





اترك تعليقاً