«حواضر الإسلام عبر التاريخ 10»: الفسطاط.. مدينة عمرو بن العاص التي بدأت عندها حكاية مصر الإسلامية

عمرو بن العاص 2

قبل أن تصبح القاهرة قلب مصر، وقبل أن ترتفع مآذنها فوق المدينة القديمة، كانت هناك مدينة أخرى تحمل راية مصر الإسلامية: الفسطاط.

لم تكن الفسطاط مجرد عاصمة أنشأها الفاتحون بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص بعد دخول مصر، بل كانت نقطة التحول التي انتقلت عندها البلاد من العصر البيزنطي إلى مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والعمراني والاقتصادي.

ومن هذه المدينة خرجت أولى ملامح المجتمع الإسلامي في مصر، ثم ظلت قرونًا مركزًا للسكان والتجارة والصناعة والعلم، حتى بعد أن ظهرت إلى جوارها عواصم أخرى.

وفي موقعها القريب من حصن بابليون وعلى الضفة الشرقية للنيل، بدأت قصة مدينة ستصبح أصلًا مباشرًا للقاهرة التاريخية. وتذكر المصادر التاريخية أن الفسطاط أول مدينة أسسها المسلمون في القاهرة سنة 21هـ/642م، وتضم منطقتها الأثرية بقايا المدينة الأولى وموقع جامع عمرو بن العاص ومراكز صناعية وحرفية كشفت عنها الحفائر.

46318 مدينة الفسطاط
مدينة الفسطاط من أقدم المدن الإسلامية في التاريخ

لماذا اختار عمرو بن العاص هذا المكان؟

بعد فتح مصر، لم تكن المشكلة عسكرية فقط، فقد احتاج المسلمون إلى مركز ثابت لإدارة البلاد وإقامة الجند.

وكانت الإسكندرية مدينة كبرى ذات تاريخ عريق، لكنها كانت مدينة ساحلية مرتبطة بالبحر المتوسط، بينما احتاجت الدولة الجديدة إلى موقع أقرب إلى قلب مصر، وأكثر اتصالًا بالنيل وطرق الوادي.

وهنا وقع الاختيار على المنطقة المجاورة لحصن بابليون.

أسس عمرو بن العاص الفسطاط في 20هـ/641م أو 21هـ/642م بحسب اختلاف التأريخ في المصادر، لتصبح مقر الولاة المسلمين وأول عاصمة إسلامية لمصر. وتذكر وزارة الأوقاف المصرية أن موقعها على الجانب الشرقي للنيل، بالقرب من حصن بابليون، جعلها نقطة تجمع بين شمال الوادي وجنوبه، كما استقرت القبائل العربية حول دار الإمارة والمسجد الجامع، واختصت كل جماعة منها بخطة تنزل فيها.

وهكذا لم تُبنَ الفسطاط باعتبارها ثكنة عسكرية فقط، حيث تحولت سريعًا إلى مدينة حقيقية ذات أحياء وأسواق ومساجد ومساكن ومؤسسات إدارية.

مدينة الفسطاط

الجامع الذي كان قلب المدينة

في وسط الفسطاط ظهر المعلم الذي أصبح رمزًا لميلاد مصر الإسلامية: جامع عمرو بن العاص، الذي أسسه الصحابي الجليل عمرو بن العاص ، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب. يُلقب المسجد بـ “تاج الجوامع” و”الجامع العتيق”، ويُمثل اللبنة الأولى للحضارة الإسلامية في مصر ومنارة دينية وعلمية تاريخية

أنشئ المسجد سنة 21هـ/641م، وكان أول مسجد في مصر وإفريقيا، وأصبح جامع المدينة ومكانًا للصلاة والجهاد والاجتماع والتعليم. وكان بناؤه الأول بسيطًا للغاية، ثم توالت عليه الزيادات والتوسعات خلال العصور الإسلامية المختلفة.

لكن أهمية الجامع لم تكن في عمارته وحدها، فالمسجد الجامع في المدينة الإسلامية المبكرة لم يكن مكانًا للعبادة منفصلًا عن الحياة العامة؛ كان فضاءً للعلم والقضاء والاجتماع، ولذلك أصبح جامع عمرو أحد أهم مراكز الحياة العامة في مصر.

ومن حوله تشكلت المدينة، وكأن الفسطاط بدأت من المسجد ودار الإمارة ثم اتسعت حولهما تدريجيًا.

6.jpg
مسجد عمرو بن العاص

مدينة لم تكن عسكرية فقط

المدينة سرعان ما أصبحت مركزًا اقتصاديًا واسعًا، وكان النيل شريانها الطبيعي، وموقعها جعلها متصلة بطرق مصر الداخلية وبالطرق المؤدية إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر. وتكشف الدراسات الأثرية عن نشاط واسع في صناعة الفخار والزجاج وغيرها من الحرف، كما تكشف بقايا المدينة عن كثافة عمرانية واقتصادية كبيرة.

وتشير اليونسكو إلى أن المنطقة الأثرية للفسطاط كانت مركزًا للحرف، اشتهر بإنتاج الزجاج والسيراميك، وأن الميناء التاريخي للفسطاط كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالنيل والتجارة مع أوروبا.

وهكذا أصبحت الفسطاط واحدة من أهم المدن التجارية في مصر والعالم الإسلامي المبكر، ولم تكن وظيفتها مجرد إدارة البلاد.

19 2023 638266654237861641 786
صناعة الفخار .. اشتهرت بها المدينة حتى الآن

الفسطاط.. مدينة العلماء

كما تحولت المدينة إلى مركز علمي مهم.

ومن أبرز أعلامها الليث بن سعد، أحد كبار علماء مصر في القرن الثاني الهجري، الذي عاش في الفسطاط وتوفي فيها سنة 175هـ/791م، وكان له حضور بارز في الحديث والفقه. ثم جاء الإمام الشافعي إلى مصر، وأقام في الفسطاط، وتوفي سنة 204هـ/820م، وأصبح ضريحه لاحقًا أحد أشهر معالم القاهرة التاريخية.

وهكذا أصبحت الفسطاط جزءًا من شبكة العلم الإسلامي التي ربطت مصر بالمدينة المنورة والعراق والشام وغيرها.

ولم يكن العلماء وحدهم هم الذين مروا بها؛ فقد أصبحت المدينة ملتقى للتجار والحرفيين والجنود والإداريين وأهل الأديان المختلفة، وهو ما جعلها مجتمعًا حضريًا متنوعًا منذ القرون الإسلامية الأولى.

Schafii Mausoleum in Kairo
القبة التي يقع تحتها ضريح الإمام الشافعي

عندما ظهرت عواصم جديدة.. لم تختفِ الفسطاط

لم تفقد الفسطاط أهميتها عندما أسس العباسيون العسكر سنة 132هـ/750م، ولا عندما أنشأ أحمد بن طولون القطائع سنة 254هـ/868م.

كانت العواصم الجديدة تنشأ إلى الشمال منها، لكن الفسطاط ظلت مركزًا اقتصاديًا وسكانيًا مهمًا.

ثم جاء التحول الأكبر سنة 358هـ/969م عندما أسس الفاطميون القاهرة. هنا أصبح المشهد أكثر تعقيدًا: القاهرة كانت مركز السلطة والقصور والحكم، بينما ظلت الفسطاط المدينة الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.

وتؤكد دراسة أكاديمية عن المجتمع الحضري في مصر الفاطمية أن الفسطاط والقاهرة شكلتا معًا مركز الدولة الفاطمية، مع اختلاف واضح في وظائف المدينتين؛ فالقاهرة ارتبطت بمقر الحكم، بينما ظلت الفسطاط مجتمعًا حضريًا واقتصاديًا نابضًا.

وهذه نقطة جوهرية لفهم تاريخ القاهرة: القاهرة لم تلغِ الفسطاط فورًا، وإنما نمت إلى جوارها ثم استوعبتها تدريجيًا.

مأساة النهاية.. عندما أكلت النار المدينة

بعد أكثر من خمسة قرون من الازدهار، وصلت الفسطاط إلى واحدة من أكثر لحظات تاريخها مأساوية.

في 564هـ/1168م، ومع اقتراب الحملة الصليبية بقيادة عموري الأول من مصر، أمر الوزير الفاطمي شاور بإحراق الفسطاط حتى لا يستولي عليها المهاجمون ويستخدموها قاعدة للتقدم نحو القاهرة.

أُجبر السكان على إخلاء المدينة، وانتقلت أعداد كبيرة منهم إلى القاهرة، واستمرت الحرائق نحو 54 يومًا وفق روايات تاريخية نقلها المؤرخون، فأصيبت المدينة بدمار هائل.

لم تكن تلك النار مجرد كارثة عمرانية.. لقد أنهت عمليًا الدور المركزي الذي ظلت الفسطاط تؤديه لقرون.

ومع انتهاء الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية، أخذ مركز الثقل ينتقل بصورة نهائية إلى القاهرة. لكن الفسطاط لم تختفِ تمامًا.

مدينة دفنتها القرون وحفظها التراب

المفارقة أن انهيار الفسطاط ساعد في حفظ جزء مهم من تاريخها.

فقد ظلت مساحات واسعة من موقعها القديم مدفونة تحت طبقات من الأنقاض، لتتحول المنطقة في العصر الحديث إلى واحد من أهم المواقع الأثرية لدراسة المدينة الإسلامية المبكرة.

ويحتوي الموقع الأثري للفسطاط على بقايا المدينة الأولى، حيث كشفت الحفائر عن مساكن ومنشآت وورش حرفية، بينما ما زالت المنطقة تواجه تحديات الحماية والحفاظ عليها.

واليوم، يقف جامع عمرو بن العاص شاهدًا حيًا على المدينة التي لم يعد معظم عمرانها قائمًا، بينما تكشف الحفائر عن عالم كامل كان يومًا يعج بالسكان والتجار والصناع والعلماء.

وهنا تكمن قيمة الفسطاط في سلسلة حواضر الإسلام: فهي ليست المدينة التي بقيت أبنيتها، بل المدينة التي بقي تأثيرها.

فمنها بدأت عاصمة مصر الإسلامية، ومنها خرجت أولى مؤسساتها الإسلامية الكبرى، وفي أسواقها تشكل جزء من اقتصاد مصر، وفي جامعها نشأت طبقات من العلم، وعلى أرضها بدأت السلسلة العمرانية التي انتهت بالقاهرة.

kcYMbxTJFe8G DlY5 nMIxYQhqkh2u LU0oVKCVj3B5vti xCTVV57bd0WqozFRdIGesE2yEObUOPHOF6gS 55a7Gg 5PppWYQo5XS4opWE1EPndx0Ts MIPCRWe
جانب من عمليات الحفائر

هكذا مر قطار “حواضر الإسلام عبر التاريخ” من الفسطاط.. أول عاصمة إسلامية لمصر، ومهد العمران الإسلامي في البلاد، ومركزها السياسي والاقتصادي والعلمي في القرون الأولى، والمدينة التي نشأت حول جامع عمرو بن العاص ثم أصبحت الأساس الذي قامت فوقه لاحقًا القاهرة التاريخية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *