حين تتغير الأسماء بتغير المواقف.. كيف يصنع الإعلام «المقاوم» و«الميليشيا»؟

المليشيات

ليست الكلمات المستخدمة في نشرات الأخبار مجرد أوعية محايدة تنقل الوقائع. فكلمة واحدة قد تجعل القارئ ينظر إلى جماعة مسلحة بوصفها قوة مقاومة، أو ميليشيا تخدم أجندة خارجة، أو فصيلًا سياسيًا مسلحًا، أو جماعة موالية لقوة أجنبية. ولهذا فإن أخطر أنواع الانحياز الإعلامي قد لا يوجد في المعلومات التي تُحذف من الخبر، بل في الكلمات التي يختارها المحرر لوصف أطرافه.

والعراق يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. ففي سنوات سابقة، استخدمت الجزيرة مصطلح «الميليشيات الطائفية» في الحديث عن الجماعات الشيعية المسلحة في العراق. ففي سبتمبر/أيلول 2014 نشرت تقريرًا بعنوان: «الحصانة السياسية تحمي المليشيات الطائفية بالعراق»، وتحدثت فيه عن الفصائل المسلحة وعن دور عناصر منها في الاحتقان الطائفي الذي شهده العراق منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي. وفي أبريل/نيسان 2015 طرحت في برنامج «الاتجاه المعاكس» سؤالًا بعنوان: «من الأكثر خطرا على العراق: المليشيات الطائفية أم الدولة؟»، في إشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية وفصائل الحشد الشعبي الشيعية.

لكن بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل إلى الخطاب الإخباري اسم جديد هو «المقاومة الإسلامية في العراق». وهو الاسم الذي تبنته مجموعة من الفصائل العراقية المسلحة عند إعلان عملياتها ضد القوات الأمريكية وما يسمى “إسرائيل”. ومع الوقت بدأ المصطلح يظهر بصورة مباشرة في العناوين: «المقاومة الإسلامية في العراق تعلن قصف هدف في حيفا»، و«المقاومة الإسلامية في العراق تهاجم هدفًا عسكريًا في إسرائيل»، وغيرها.

لا ننكر أن الجزيرة تشرح في موادها التعريفية أن “المقاومة الإسلامية في العراق” هي “تحالف فصائل عراقية مسلحة مدعومة من إيران”، وتستخدم في بعض الأخبار عبارات أكثر تحفظًا مثل «ما تسمى المقاومة الإسلامية في العراق». وبالتالي فالمشكلة ليست في نقل الاسم بذاته، فهذا أمر طبيعي في العمل الصحفي، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الاسم الذاتي للجماعة إلى الوصف الإخباري الغالب الذي يتلقاه الجمهور من دون تذكير مستمر بطبيعة التشكيل وتاريخه وارتباطاته.

وتزداد المفارقة عندما ننظر إلى مكونات هذه المظلة. فالجزيرة نفسها تذكر ضمن «المقاومة الإسلامية في العراق» كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، إلى جانب تشكيلات شيعية أخرى، وتوضح أن عددًا منها تلقى دعمًا إيرانيًا، وأن بعضها قاتل في سوريا إلى جانب قوات النظام النصيري المخلوع. أي أننا لا نتحدث عن ظاهرة ظهرت من العدم بعد حرب غزة، بل عن فصائل ذات تاريخ طويل سابق على الاسم الجديد، تعمل في إطار مشروع محور إيران لولاية الفقيه.

image 113
image 114

وهنا يأتي السؤال الإعلامي الأهم: عندما كانت هذه الجماعات أو بيئتها المسلحة تُناقش في سياق القتال الطائفي في العراق أو الحرب السورية، كان وصف «الميليشيات الطائفية» حاضرًا بقوة. وعندما أصبحت تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الاحتلال الإسرائيلي والقواعد الأمريكية، أصبح اسم «المقاومة الإسلامية» أكثر حضورًا.

فهل تغيرت طبيعة الفصائل جذريًا، أم تغيرت الزاوية التي ينظر الإعلام من خلالها إليها؟

هذه ليست مشكلة الجزيرة وحدها. الإعلام العربي والدولي مليء بالأمثلة على إعادة تسمية الفاعلين بحسب الموقع السياسي. الجماعة المسلحة قد تكون «متمردين» لدى وسيلة و«ثوارًا» لدى أخرى، و«مقاومة» في بلد و«وكلاء» في بلد آخر، و«قوات شعبية» عندما تتوافق مع اتجاه سياسي معين و«ميليشيات» عندما تتعارض معه. وفي أحيان كثيرة لا تتغير البندقية ولا القيادة ولا مصادر التمويل؛ الذي يتغير هو القاموس.

وللمصطلحات هنا أثر بالغ. فكلمة «مقاومة» ليست مجرد تعريف تنظيمي؛ إنها تحمل في الوعي العربي معنى إيجابيًا مرتبطًا بالدفاع عن الأرض ومواجهة الاحتلال. أما كلمة «ميليشيا» فتحمل دلالة سلبية مرتبطة بالسلاح المرتبط بلفوضى. وعبارة «ميليشيا طائفية» تضيف حكمًا آخر متعلقًا بالهوية والانتهاكات. ولهذا فإن الانتقال بين هذه الكلمات لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا لغويًا صغيرًا.

المهنية الإعلامية لا تفرض على الصحفي أن يمنع الجماعة من استخدام الاسم الذي اختارته لنفسها، لكنها تفرض عليه أن ينسب الاسم إليها بوضوح. هناك فرق كبير بين أن تقول: «المقاومة الإسلامية في العراق هاجمت قاعدة»، وبين أن تقول: «فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران، تعمل تحت اسم “المقاومة الإسلامية في العراق”، أعلنت مهاجمة قاعدة». الجملة الثانية تمنح القارئ الاسم الذي تستخدمه الجماعة، لكنها لا تسمح للاسم الدعائي بأن يحل محل التعريف الصحفي.

كما ينبغي أن تبقى المعايير واحدة. فإذا كانت علاقة الفصيل بإيران مهمة عند الحديث عنه في العراق وسوريا، فلا ينبغي أن تختفي من تعريفه عندما يهاجم الاحتلال الإسرائيلي. وإذا كانت انتهاكاته السابقة جزءًا من تاريخه، فلا ينبغي أن يمحوها تغير الجبهة التي يقاتل عليها. وفي المقابل، إذا نفذ فعلًا عسكريًا ضد قوة احتلال أو قاعدة أجنبية، يمكن وصف الفعل نفسه بدقة من دون تحويل ذلك آليًا إلى شهادة أخلاقية شاملة لكل تاريخ الفصيل.

الإعلام الذي يغير المصطلحات مع تغير التحالفات يخاطر بأن يتحول من ناقل للواقع إلى مشارك في إعادة تشكيل الذاكرة. وما كان بالأمس «ميليشيا طائفية» لا يصبح تلقائيًا اليوم «مقاومة إسلامية» بمعناها الأخلاقي لمجرد أن الهدف العسكري تغير. كما أن إطلاق وصف سلبي على جماعة لا يعفي الصحفي من الاعتراف بما تفعله فعليًا إذا تغير سلوكها أو دورها.

المعيار الأدق هو أن يسمي الإعلام الأشياء بطريقة ثابتة، وأن يفصل بين الاسم الذي تختاره الجماعة لنفسها وبين الوصف الذي يقدمه هو للقارئ. فالمصداقية لا تُقاس فقط بصحة الخبر، وإنما أيضًا بثبات المعايير التي يُصاغ بها الخبر.

وفي النهاية، قد يكون أخطر سؤال ينبغي أن يطرحه القارئ عندما يلاحظ تبدل قاموس وسيلة إعلامية هو: هل الذي تغير هو الجماعة فعلًا، أم أن الذي تغير هو موقف الوسيلة منها؟

فحين تتبدل الكلمات أسرع من الوقائع، يصبح من الضروري ألا نقرأ الخبر وحده، بل أن نقرأ أيضًا اللغة التي صُنع بها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *