منذ تأسيس السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاق أوسلو، ظلّت أجهزتها الأمنية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الساحة الفلسطينية، خصوصًا بسبب علاقتها الأمنية مع “إسرائيل”، القوة القائمة بالاحتلال في الضفة الغربية.
وتقول السلطة الفلسطينية إن أجهزتها الأمنية تعمل على حفظ الأمن والنظام العام وحماية المجتمع الفلسطيني، فيما يرى منتقدوها أن التنسيق الأمني مع “إسرائيل”، إلى جانب ملاحقة واعتقال فلسطينيين على خلفيات سياسية وأمنية، جعل بعض وظائف الأجهزة الأمنية تصب عمليًا في مصلحة الاحتلال.
وبين الروايتين، يبرز سؤال جوهري:
هل تعمل أجهزة السلطة لحماية الفلسطينيين، أم أن الحفاظ على التعاون الأمني مع “إسرائيل” أصبح أولوية تتقدم أحيانًا على حماية الفلسطيني وحقوقه؟
التنسيق الأمني.. كيف بدأ؟
نشأ التعاون الأمني الفلسطيني ـ “الإسرائيلي” في إطار ترتيبات اتفاق أوسلو، وتطور لاحقًا ليصبح جزءًا أساسيًا من العلاقة بين السلطة الفلسطينية و” إسرائيل”.
وتشمل آليات التعاون الأمني، بحسب دراسات حول بنية الأجهزة الفلسطينية، تبادل المعلومات والتنسيق بشأن بعض العمليات الأمنية، ومنع الهجمات، والتعامل مع حوادث دخول “إسرائيليين “إلى مناطق خاضعة للسلطة، إضافة إلى ترتيبات لتفادي الاحتكاك خلال العمليات العسكرية.
ومنذ سنوات، يمثل هذا الملف أحد أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع الفلسطيني؛ إذ يرى منتقدو السلطة أن التنسيق مع “إسرائيل “يعني تعاون أجهزة فلسطينية مع دولة تحتل الأراضي التي يفترض أن تعمل السلطة على إنهاء احتلالها.
التنسيق الأمني.. مصلحة فلسطينية أم “إسرائيلية”؟
ازدادت أهمية هذا السؤال مع استمرار التعاون الأمني رغم تصاعد العمليات العسكرية “الإسرائيلية “في الضفة الغربية.
وفي 4 شوّال 1447 هـ (23 مارس/2026 م )، صدر تقرير للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تناول الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، بما فيها الانتهاكات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.
وفي المقابل، استمر التعاون الأمني بين السلطة “وإسرائيل”، ما دفع منتقدي السلطة إلى التساؤل عن حدود هذا التعاون، خصوصًا عندما تجري عمليات “إسرائيلية” داخل مناطق الضفة أو بالقرب من مناطق تخضع إداريًا وأمنيًا للسلطة.
وهنا تظهر المفارقة:
كيف يمكن لجهاز أمني فلسطيني أن ينسق مع جيش دولة تحتل الأرض الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يقدّم نفسه باعتباره جهازًا لحماية الفلسطينيين؟
الاعتقالات.. الوجه الآخر للمنظومة الأمنية
لا يتوقف الجدل عند التنسيق مع “إسرائيل”، بل يمتد إلى الاعتقالات التي تنفذها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية داخل الضفة الغربية.
وتتهم منظمات حقوقية السلطة الفلسطينية منذ سنوات باعتقال معارضين ونشطاء وصحفيين، إضافة إلى اتهامات تتعلق بسوء المعاملة والتعذيب أثناء الاحتجاز.
وقد وثقت هيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة حالات اعتقال تعسفي وسوء معاملة وتعذيب في مراكز احتجاز تابعة للسلطة الفلسطينية، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.
وهذه القضية لا تتعلق فقط بالخلاف السياسي، وإنما بمسألة جوهرية تتعلق بحق الفلسطيني في التعبير والمعارضة والاحتجاج دون أن يتحول نشاطه السياسي إلى سبب للاعتقال.
التعذيب وسوء المعاملة.. اتهامات حقوقية متكررة
القلق بشأن أوضاع المعتقلين الفلسطينيين لدى أجهزة السلطة ليس جديدًا.
فقد سبق للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أن أثارت مخاوف بشأن الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز التابعة للسلطة.
وفي 4 شوّال 1447 هـ (23 مارس/آذار 2026م )، حذّر مقرر أممي من استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في سياق أوسع يشمل الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون.
كما وثقت تقارير حقوقية سابقة حالات احتجاز طالت منتقدين للسلطة ومعارضين سياسيين.
ملاحقة المقاومة.. أين ينتهي الأمن وتبدأ السياسة؟
يُعد ملف ملاحقة الفصائل والمجموعات المسلحة الفلسطينية من أكثر الملفات حساسية.
ففي الضفة الغربية، تنظر السلطة إلى وجود مجموعات مسلحة خارج إطار أجهزتها الرسمية باعتباره تهديدًا للنظام العام واحتكار الدولة للسلاح.
لكن الحقيقة أعمق من ذالك ، معتبرين أن ملاحقة عناصر المقاومة الفلسطينية في ظل استمرار الاحتلال قد تؤدي عمليًا إلى تحقيق هدف إسرائيلي يتمثل في منع تنامي المقاومة المسلحة في الضفة.
فالسلطة تقول إنها تريد منع الفوضى وحماية المجتمع، بينما عملياتها الأمنية تتجاوز محاربة الجريمة إلى ملاحقة الخصوم السياسيين والمقاومين.
جنين.. عندما تحولت المواجهة إلى صدام فلسطيني ـ فلسطيني
كان مخيم جنين أحد أبرز الأمثلة على هذه الإشكالية.
فقد شهد المخيم في أواخر عام 1446هـ (2024م ) مواجهات بين أجهزة السلطة ومسلحين فلسطينيين، في مشهد أثار غضبًا واسعًا داخل الشارع الفلسطيني.
وأصبحت الأسئلة التي طُرحت آنذاك أكثر حدة:
هل الأولوية هي مواجهة الاحتلال، أم فرض السيطرة الأمنية على المخيمات والمدن الفلسطينية؟
إن استخدام القوة ضد المقاومة فلسطينية مسلحة في ظل الاحتلال يخلق مشهدًا بالغ التناقض: فلسطيني يواجه فلسطينيًا، بينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على الأرض.
لكن ماذا عن الاحتلال الإسرائيلي؟
أي تقرير عن السلطة الفلسطينية لا يمكن أن يكون مكتملًا من دون وضع دورها في سياق الاحتلال الإسرائيلي.
فالسلطة لا تملك السيطرة العسكرية الكاملة على الضفة الغربية، بينما تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات اقتحام واعتقال وهدم وفرض قيود على حركة الفلسطينيين.
وفي25 محرّم 1448هـ (10يوليو/2026م)، وثقت الأمم المتحدة استمرار القيود والاعتداءات والتهجير في الضفة الغربية، مشيرة إلى تزايد عمليات التهجير نتيجة اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم.
كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 3200 فلسطيني تعرضوا للتهجير في الضفة الغربية خلال عام 2026 نتيجة اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم، وفق بياناتها في يوليو/تموز.
وفي 24ربيع الأول 1448هـ (7سبتمبر /2026م)، شهدت الضفة الغربية تصعيدًا جديدًا في عنف المستوطنين، مع مقتل فلسطيني يبلغ 19عامًا برصاص القوات “الإسرائيلية” خلال مواجهات أعقبت هجوم مستوطنين على قرية حَجّة، وفق رويترز.
وهذا يعني أن الفلسطيني في الضفة يواجه منظومة معقدة من التحديات: احتلالًا إسرائيليًا وسيطرة عسكرية، واعتداءات مستوطنين، إلى جانب خلافات وإعتقالات وصدامات داخلية فلسطينية.
المفارقة: من يحمي الفلسطيني؟
هنا تصل القضية إلى جوهرها.
إذا كانت السلطة الفلسطينية عاجزة عن منع الاقتحامات “الإسرائيلية” أو حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، لكنها في الوقت ذاته تمتلك القدرة على اعتقال فلسطيني بسبب نشاط سياسي أو أمني، فإن سؤالًا مشروعًا يبرز:
هل أصبحت وظيفة الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضبط المجتمع الفلسطيني أكثر من حمايته من الاحتلال؟
هذا السؤال هو الذي جعل التنسيق الأمني أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.
التنسيق الأمني، عندما يقترن بملاحقة المقاومين والمعارضين، يحوّل الأجهزة الأمنية من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لضبطه.
وماذا تقول السلطة؟
في المقابل، ترفض السلطة الفلسطينية اتهامها بأنها تعمل لمصلحة” إسرائيل”.
وتقول إن “إسرائيل “نفسها تعمل على إضعاف السلطة ومؤسساتها، وتحمّلها مسؤولية استمرار الاحتلال والاستيطان والاعتداءات على الفلسطينيين.
كما تؤكد السلطة أن أجهزتها الأمنية مسؤولة عن حفظ الأمن الداخلي ومنع الفوضى!
إذن.. لمن تعمل أجهزة السلطة الفلسطينية؟
الإجابة ليست أبيض وأسود.
فمن ناحية، هناك تنسيق أمني حقيقي بين السلطة “وإسرائيل”، وهناك اعتراف رسمي فلسطيني بوجود هذا التنسيق في إطار الاتفاقات والترتيبات الأمنية.
ومن ناحية أخرى، توجد تقارير حقوقية وأممية موثقة عن الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة وانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق خاضعة للسلطة.
وفي الوقت نفسه، تواصل” إسرائيل “عملياتها العسكرية والاعتقالات والاقتحامات وعنف المستوطنين في الضفة الغربية.
لذلك «هل السلطة عميلة لإسرائيل؟»
الخاتمة
بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس السلطة الفلسطينية، لا يزال ملف أجهزتها الأمنية واحدًا من أكثر الملفات إثارة للانقسام
فالسلطة تقول إن هدفها بناء مؤسسات دولة قادرة على فرض القانون، بينما نرى أن التنسيق الأمني مع الاحتلال وملاحقة المعارضين والمقاومين جعلا الأجهزة الأمنية تعمل في اتجاه يتعارض مع الأولويات الوطنية الفلسطينية.
وبينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتتواصل عمليات الاقتحام والاعتقال وعنف المستوطنين، يبقى السؤال حاضرًا:
إذا كانت السلطة لا تستطيع حماية الفلسطيني من الاحتلال، لكنها تستطيع اعتقاله عندما يعارضها أو يحمل السلاح خارج إطارها، فأين تقف الأولوية: عند حماية الفلسطيني أم عند حفظ المنظومة الأمنية القائمة؟
وربما لهذا السبب تحديدًا لا يزال السؤال الذي يطرحه الشارع الفلسطيني أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: بين التنسيق الأمني والاعتقالات: لمن تعمل أجهزة السلطة الفلسطينية؟!






اترك تعليقاً