«أبراهام لينكولن» تكشف أزمة الجاهزية الأمريكية.. حين تستنزف الحروب قوة الجيش

Screenshot 2026 08 27 190642

تحولت حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن» من إحدى أبرز أدوات القوة الأمريكية في الحرب على إيران إلى مثال لافت على الثمن الذي تدفعه القوات المسلحة الأمريكية نتيجة طول الانتشار وكثرة الالتزامات العسكرية حول العالم.

فبعد أشهر طويلة في البحر، ظهرت تقارير عن إرهاق شديد بين أفراد طاقم الحاملة، واضطرابات في الإمدادات، وتراجع المعنويات ومخاوف تتعلق بالصحة النفسية، في وقت أثارت فيه مدة انتشار السفينة أسئلة داخل الولايات المتحدة تتجاوز أوضاع بضعة آلاف من البحارة إلى مسألة أكبر: هل باتت واشنطن تستنزف جاهزية جيشها بمعدل أسرع مما تستطيع تعويضه؟

وفي بيان صدر في 14 أغسطس/آب، أقرت البحرية الأمريكية بأن «أبراهام لينكولن» أمضت 266 يومًا في الانتشار، منها 200 يوم في منطقة قتال، ونفذت أكثر من 10 آلاف طلعة، وألقت أكثر من 1.5 مليون رطل من الذخائر. كما اعترفت بتعديل خطط الوجبات عند تعذر وصول إمدادات طازجة، وبمعالجة حالات مرتبطة بالصحة النفسية، وقالت صراحة إن البحارة ومشاة البحرية على متنها «دُفعوا إلى حدودهم القصوى».

file 20260826 50 6qpegk

أشهر في البحر وضغوط تتراكم

لم تكن المشكلة مجرد طول مدة الانتشار، بل استمراره مع وتيرة قتالية عالية وفترات محدودة للغاية للراحة.

وتحدثت عائلات وأفراد مرتبطون بالحاملة عن تدهور المعنويات والضغط النفسي، فيما أفادت «Military Times» بأن اثنين على الأقل من أفراد الطاقم حاولا القفز من السفينة خلال فترة الانتشار الطويلة. وفي المقابل، قالت القيادة العسكرية إن عدد حالات الصحة النفسية المسجلة على متن الحاملة منخفض مقارنة بحاملات أخرى، بينما رفض مسؤولون أميركيون توصيف الأوضاع بأنها انهيار في قدرة الطاقم على العمل.

وأثارت القضية تحركًا في الكونغرس، حيث طالب مشرعون وزارة الدفاع والبحرية بتقديم إجابات حول التخطيط للانتشار الطويل، وتأثيره في الإرهاق والمعنويات والصحة النفسية وجاهزية الطاقم، وما إذا كانت الأزمة تكشف خللًا أوسع في إدارة العمليات البحرية الأمريكية.

لكن الأزمة تكتسب أهميتها الحقيقية حين ينظر إليها باعتبارها مشكلة عسكرية واستراتيجية، لا إنسانية فقط.

فالجاهزية العسكرية ليست موردًا غير محدود. وكل يوم إضافي تقضيه سفينة في العمليات يعني ساعات تشغيل إضافية لمحركاتها وأنظمتها وطائراتها، ومزيدًا من الاستهلاك للذخائر وقطع الغيار، وتأجيلًا محتملًا للصيانة والتدريب والراحة المقررة للطاقم.

الجاهزية.. رصيد يمكن استنزافه

تعتمد الجيوش الحديثة على دورات تشغيل توازن بين الانتشار والقتال من جهة، والصيانة والتدريب والراحة من جهة أخرى. وإذا طال الجزء الأول، فإن الثمن لا يظهر بالضرورة فورًا في ميدان المعركة، وإنما ينتقل إلى المرحلة التالية.

فالسفينة التي تبقى في البحر أكثر مما كان مقررًا لها قد تضطر لاحقًا إلى فترة صيانة أطول، والطاقم الذي يعمل تحت ضغط متواصل يحتاج إلى وقت أكبر لاستعادة جاهزيته، بينما تؤدي إعادة نشر وحدات أخرى لتعويض النقص إلى نقل الضغط من منطقة عسكرية إلى أخرى.

وهذه ليست مشكلة جديدة في البحرية الأمريكية. فقد خلص مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي «GAO» منذ سنوات إلى أن ارتفاع وتيرة العمليات تسبب في إطالة فترات الانتشار وتقليص التدريب وتأجيل أعمال الصيانة، وهو ما انعكس سلبًا على جاهزية السفن وأطقمها.

وفي واحدة من أكثر المؤشرات دلالة، وجد المكتب أن 37% من شهادات الجاهزية القتالية لأطقم الطرادات والمدمرات الأمريكية المتمركزة في اليابان كانت منتهية الصلاحية بحلول يونيو/حزيران 2017، بعدما دفعت كثافة المهام بالسفن إلى العمل دون فترات تدريب كافية.

وفي العام نفسه وقعت حادثتا اصطدام المدمرتين الأمريكيتين «USS Fitzgerald» و«USS John S. McCain» بسفن تجارية، ما أدى إلى مقتل 17 بحارًا. وجاءت الحادثتان وسط جدل واسع آنذاك حول الإرهاق والتدريب والجاهزية في الأسطول الأمريكي.

إغلاق فجوة بفتح أخرى

لإنهاء الانتشار الطويل لـ«أبراهام لينكولن»، أرسلت البحرية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط لتحل محلها.

للوهلة الأولى يبدو الأمر تدويرًا طبيعيًا للقوات: حاملة تغادر وأخرى تصل.

لكن «جورج واشنطن» ليست سفينة احتياطية كانت تنتظر بلا مهمة، بل هي الحاملة الأمريكية المتمركزة بصورة دائمة في اليابان وأحد أبرز أصول واشنطن العسكرية في غرب المحيط الهادئ.

وبنقلها إلى الشرق الأوسط، أصبح غرب المحيط الهادئ مؤقتًا من دون حاملة طائرات أميركية، في منطقة تعتبرها واشنطن نفسها إحدى أهم ساحات المنافسة الاستراتيجية مع الصين. وهكذا تمكنت البحرية من تخفيف الضغط عن «أبراهام لينكولن»، لكنها فعلت ذلك عبر سحب قدرة عسكرية مهمة من مسرح آخر.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: تمديد انتشار حاملة طائرات لا يصنع قدرة عسكرية جديدة، بل يسمح باستخدام القدرة نفسها لفترة أطول الآن مقابل خصم جزء منها من المستقبل، سواء من الصيانة أو التدريب أو الراحة أو الانتشار في مناطق أخرى.

أي أن واشنطن، وفق هذا المنظور، لا تزيد رصيدها العسكري، بل تقترض منه.

مشكلة أقدم من حرب إيران

ولا تبدأ أزمة وتيرة العمليات الأمريكية مع الحرب الحالية.

فمكتب المحاسبة الحكومي سبق أن حذر من أن القوات الأمريكية عانت على مدى سنوات من ارتفاع الطلب على الوحدات العسكرية، وتكرار الانتشار وإطالته، بالتزامن مع صعوبات في الصيانة والتدريب والكوادر.

وفي تقرير سابق، أشار المكتب إلى أن الطلب المرتفع على القوات البحرية أدى إلى زيادة مدة انتشار كثير من السفن من سبعة أشهر إلى تسعة أشهر، وهو مستوى وصفه بأنه أقل قابلية للاستدامة.

كما كشفت تقارير لاحقة أن البحرية لم تتمكن من إنجاز عدد كبير من عمليات صيانة السفن في مواعيدها، ما أدى إلى فقدان آلاف الأيام التي كان يمكن استخدام السفن خلالها في التدريب أو العمليات. وبين عامي 2014 و2019 وحدهما، سجلت السفن أكثر من 33 ألف يوم إضافي في أعمال الصيانة مقارنة بالجداول المقررة.

وتعني هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد حاملات الطائرات أو السفن التي تمتلكها الولايات المتحدة، وإنما بالطريقة التي تستخدم بها هذه القوة، وبعدد الالتزامات التي يُطلب منها تنفيذها في الوقت نفسه.

هل الجيش الأمريكي ضعيف.. أم أن واشنطن تخوض حروبًا أكثر مما ينبغي؟

تطرح أزمة «أبراهام لينكولن» في النهاية سؤالًا أبعد من حالة الحاملة نفسها.

فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر ميزانية دفاعية في العالم، وشبكة قواعد وتحالفات وقدرات بحرية وجوية هائلة، ولذلك فإن الحديث عن الضغط الواقع على قواتها لا يعني أن الجيش الأمريكي بات عاجزًا أو ضعيفًا.

لكن القوة العسكرية، مهما كان حجمها، لها سقف.

وعندما تطلب واشنطن من القوة نفسها المحافظة على وجود واسع في آسيا، وردع الصين، ودعم عملياتها في أوروبا، وتأمين طرق الملاحة، وحماية قواعدها وحلفائها في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه خوض حرب مفتوحة مع إيران، فإن السؤال يصبح: هل تتناسب الموارد العسكرية المتاحة مع حجم الالتزامات التي تختارها القيادة السياسية؟

وقد لخّصت الباحثة الأمريكية مونيكا دافي توفت، في تحليل نشرته «The Conversation»، هذه المعضلة بالقول إن المشكلة ليست بالضرورة أن القوات الأمريكية «مفرطة الاستنزاف» مقارنة بالتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة، وإنما أنها مستنزفة مقارنة بالحروب والالتزامات التي يختار رؤساؤها الدخول فيها.

ومن هذه الزاوية، تصبح «أبراهام لينكولن» أكثر من مجرد حاملة أنهكتها أشهر طويلة في البحر.

فهي نموذج مصغر لمعضلة القوة الأمريكية نفسها: قدرة عسكرية ضخمة تستطيع تحمل ضغط هائل لفترة طويلة، لكن استمرار استخدامها من أزمة إلى أخرى ومن حرب إلى أخرى يعني تراكم فاتورة مؤجلة في الصيانة والذخائر والأفراد والانتشار الاستراتيجي.

لقد تمكنت البحرية الأمريكية من إبقاء «أبراهام لينكولن» في القتال لشهور إضافية، ثم أرسلت «جورج واشنطن» من المحيط الهادئ لتأخذ مكانها. لكن هذه الخطوة تكشف في الوقت ذاته حدود الحل: تستطيع واشنطن نقل قوتها من بحر إلى آخر، إلا أنها لا تستطيع أن تجعل الحاملة الواحدة موجودة في مكانين في الوقت نفسه.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الذي تطرحه أزمة «أبراهام لينكولن»: هل تستطيع الولايات المتحدة مواصلة هذه الحروب؟

بل: ما الذي ستضطر إلى استنزافه أو التخلي عنه في مكان آخر كي تواصلها؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *