من أقدم الصور التي بقيت عالقة في ذاكرتي منذ الطفولة، مشهد جنود الاحتلال الإسرائيلي وهم يحيطون بشبان فلسطينيين عُزَّل فوق تَلَّة، بينما كان الجنود مدججين بالسلاح، ثم ينهالون على الشبان ضربًا بالصخور الصلبة لكسر عظامهم وهم أحياء! بطريقة وحشية لم يستوعبها عقلي الصغير آنذاك.
لم أفهم يومئذ كل ما يجري، لكنني أذكر جيدًا تلك الفجيعة التي أصابتني حين علمت أن بعض أولئك الشبان كانوا من أقاربي؛ عندها لم تعد الصورة خبرًا بعيدًا أو مشهدًا قد يتخطفه النسيان، بل أصبحت ألمًا شخصيًا شديد القرب أستحضره عند كل خبر لتكسير العظام من يهود.
ظل سؤال واحد يلحّ عليّ منذ ذلك الوقت: لماذا تكسير العظام تحديدًا؟ لماذا هذا الإصرار الفظيع والمفجع على تحطيم أذرع شاب أو ساقيه وهو أعزل، واقع بين أيدي جنود يملكون السلاح والقوة والسيطرة الكاملة؟ كان في المشهد شيء يتجاوز مجرد الضرب؛ كأن المقصود لم يكن إنهاء احتجاج أو تفريق شبان، بل ترك أثرٍ دائم في الجسد والذاكرة معًا، رسالة قاسية تقول إن العقوبة لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تبقى محمولة في العظم نفسه.

ثمّة صور لا تحتاج إلى كثير شرح.
يدٌ ملتوية، ضلعٌ مكسور، جسدٌ خرج من الاعتقال يحمل آثار الضرب، وأسير لا يستطيع أن يقف كما كان قبل أن يقع في أيدي جنود الاحتلال.
وحين تتكرر هذه الصور في فلسطين، لا يعود السؤال فقط: لماذا كل هذا العنف؟ بل: لماذا تصبح العظام والمفاصل نفسها هدفًا للعقاب؟
قبل 14 قرنًا
هذا السؤال يعيد إلى الذاكرة واقعة قديمة، تفصلنا عنها أكثر من أربعة عشر قرنًا، وردت في «صحيح البخاري» عن الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
كان عبد الله بن عمر قد خرج إلى ماله في خَيْبَر، فاعتُدي عليه ليلًا، وجاء في الرواية: «فَفُدِعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ».
و«الفَدْع» ليس مجرد جرح عابر؛ فقد شرحه أهل اللغة وشُرّاح الحديث بأنه ميل المفاصل وزوالها عن مواضعها، وانقلاب الكفين والقدمين أو اعوجاج الأطراف نتيجة إصابة المفاصل إصابة شديدة.
وجاء في رواية البخاري: لَمَّا فَدَعَ أهلُ خَيبَرَ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، قامَ عُمَرُ خَطيبًا، فقال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان عامَلَ يَهودَ خَيبَرَ على أموالِهم، وقال: نُقِرُّكُم ما أقَرَّكُمُ اللهُ، وإنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ خَرَجَ إلى مالِه هُناك، فعُديَ عليه مِنَ اللَّيلِ، ففُدِعَت يَداه ورِجلاه، وليسَ لنا هُناك عَدوٌّ غَيرَهم، هم عَدوُّنا وتُهمَتُنا، وقد رَأيتُ إجلاءَهم، فلَمَّا أجمَعَ عُمَرُ على ذلك أتاه أحَدُ بَني أبي الحُقَيقِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أتُخرِجُنا وقد أقَرَّنا مُحَمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وعامَلَنا على الأموالِ وشَرَطَ ذلك لَنا؟! فقال عُمَرُ: أظَنَنتَ أنِّي نَسيتُ قَولَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كيفَ بك إذا أُخرِجتَ مِن خَيبَرَ تَعدو بك قَلوصُك لَيلةً بَعدَ لَيلةٍ؟! فقال: كانَت هذه هُزَيلةً مِن أبي القاسِمِ، قال: كَذَبتَ يا عَدوَّ اللهِ، فأجلاهم عُمَرُ، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم مِنَ الثَّمَرِ؛ مالًا وإبِلًا، وعُروضًا مِن أقتابٍ وحِبالٍ وغَيرِ ذلك.
وقد علم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عداء يهود خيبر، وأن هذا الفعل العدواني لا يصدر إلا منهم في ذلك الزمان. وكانت الواقعة من الأسباب المباشرة التي أعلن بعدها عزمه على إجلائهم، مع استناده أيضًا إلى الشرط السابق الذي كان عليه بقاؤهم في خيبر، وإلى ما أخبر به النبي ﷺ بشأن خروجهم منها.
واللافت أن الرواية نفسها تذكر أن عمر، عندما أجلاهم، لم يستبح أموالهم، بل أعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمار والأمتعة. أي إن الغضب من الاعتداء لم يتحول إلى إلغاء للحقوق المالية. لأن المسلمين تحكمهم شريعة ربانية، مقابل اليهود الذين كانوا يحتكمون لأهوائهم فبرز غدرهم وطغيانهم في تاريخهم معلما بارزًا.
هذه حادثة تاريخية تذكرنا بعدوانية اليهود التي امتدت عبر الأزمنة لتتخذ الشكل نفسه والأسلوب ذاته في معاملة المسلمين.
فحين نعود إلى فلسطين الحديثة، نجد شيئًا مشابهًا جدًا: استخدام الضرب المتعمد للأطراف والعظام أداةً للعقاب تحت الاحتلال الإسرائيلي.
«الضرب» سياسة

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، واجه الاحتلال حركة شعبية واسعة خرجت فيها المظاهرات والإضرابات والعصيان المدني في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي يناير/كانون الثاني 1988 أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين سياسة تقوم على «القوة والبطش والضرب» في التعامل مع الانتفاضة، باعتبار الضرب وسيلة للسيطرة على الاحتجاجات بدل الاعتماد بصورة رئيسية على إطلاق النار.
وسرعان ما امتلأت المستشفيات بفلسطينيين مصابين بكسور وإصابات ناجمة عن الضرب، حتى إن المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية حذر رابين في فبراير/شباط من كثرة الشكاوى، وقال إن الادعاء بأن الانتهاكات مجرد حالات استثنائية لم يعد يعكس الواقع بصورة صحيحة.
وهنا ظهرت العبارة التي ستبقى مرتبطة بتلك المرحلة: «سياسة تكسير العظام». حيث طبق الجنود حينئذ واقعا قرارا عسكريا شرَّعه وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين، ويقضي بتكسير عظام “أطفال الحجارة” في أولى خطواته لردعهم وقمع انتفاضتهم (الانتفاضة الأولى) ضده.
ووقع تكسير الأطراف وأكد ضباط وجنود في جيش الاحتلال حقيقة الأوامر التي تلقوها بهذا الاتجاه. والأخطر أن الأمر وصل إلى المحاكم الإسرائيلية نفسها.
فقد شهد ضباط في جيش الاحتلال أمام محكمة عسكرية بأنهم تلقوا توجيهات من رابين بكسر أطراف راشقي الحجارة؛ ونقل أحدهم عنه قوله: «أريدكم أن تمسكوا براشقي الحجارة وتكسروا أذرعهم وأرجلهم، لا رؤوسهم».
وقد نفى رابين أنه أصدر أمرًا حرفيًا بـ«كسر العظام»، لكنه أقر بأنه أمر الجنود بضرب المتظاهرين لإخضاعهم. وبين النفي السياسي وشهادات الضباط، بقيت الحقيقة مكتوبة على أجساد الفلسطينيين، وهكذا لم يعد الجسد الفلسطيني مجرد هدف لإيقاف احتجاج، بل صار الألم نفسه وسيلةً لزرع الخوف وإفهام شعب كامل أن ثمن مقاومة الاحتلال قد يُحمَل في العظام لسنوات.
ففي يناير/كانون الثاني 1988، أُخذ فلسطينيون من قريتَي حُوّارة وبيتا قرب نابلس وهم مقيدون، وصدر أمر بضربهم وكسر أذرعهم وأرجلهم. وبعد سنوات، أدانت محكمة عسكرية إسرائيلية العقيد يهودا مئير لأنه أمر جنوده بكسر أطراف فلسطينيين كانوا في قبضتهم، ووصفت الأوامر بأنها غير قانونية بصورة واضحة.
لم تكن «تكسير العظام»، إذن، مجرد عبارة دعائية وُلدت في الشارع الفلسطيني. كانت هناك عظام كُسرت فعلًا. وأطراف حُطمت. وأسرى مقيّدون جرى ضربهم عمدًا على الذراعين والساقين.
بعد قرابة أربعة عقود.. العظام ما تزال تُكسر
وهنا يصبح النظر إلى الصور القادمة من فلسطين اليوم أكثر إيلامًا.
فبعد نحو ثمانية وثلاثين عامًا من الانتفاضة الأولى، لا تزال تقارير حقوقية تصف كسور العظام بوصفها نتيجة متكررة للاعتداء على الفلسطينيين في مراكز الاعتقال الإسرائيلية.
في يناير/كانون الثاني 2026، نشرت منظمة «بِتْسِيلِم» الإسرائيلية تقريرًا جديدًا استنادًا إلى شهادات معتقلين فلسطينيين أُفرج عنهم، وقالت إن العنف في السجون يشمل الضرب بالهراوات والصعق الكهربائي وإطلاق المقذوفات المطاطية والهجوم بالكلاب، وإن الاعتداءات خلّفت إصابات من بينها كسور في العظام ونزيف داخلي وفقدان للوعي والبصر والسمع.
وليس الحديث عن شهادات فلسطينية وحدها. فاللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة وثقت أن بعض المعتقلين تعرضوا للضرب خلال التحقيق إلى درجة الإصابة بالكسور، وأن الرعاية الطبية اللازمة لم تكن تُقدم لهم في العديد من الحالات. كما تحدثت عن حالات انتهت ببتر أطراف نتيجة القيود وظروف الاعتقال وسوء الرعاية.
وفي يوليو/تموز 2026، خرج الفلسطيني رِزْق شَكارنة، البالغ من العمر 47 عامًا، بعد ثمانية أيام من الاعتقال وهو غير قادر على الوقوف والحركة بصورة طبيعية. وأظهرت الفحوص الطبية، بحسب ما نُقل عن حالته، كسورًا في الأضلاع وكدمات وإصابات في الرأس بعد ما قال إنه تعرض له من ضرب شديد أثناء الاحتجاز.
وقبل ذلك وثقت «هيومن رايتس ووتش» حالة مسعف فلسطيني من غزة قال إنه تعرض للضرب حتى كُسرت أضلاعه، ثم لم يحصل على العلاج في معتقل «سْدِيه تَيْمان».
بل إن تقريرًا لمنظمة «أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل» استند إلى فحوص وتشريحات لجثامين فلسطينيين ماتوا في الحجز، وتحدث عن إصابات شملت كسورًا متعددة في الأضلاع ونزيفًا وإصابات داخلية، وسط مطالبات بتحقيق مستقل في أسباب الوفيات.
لماذا العظام؟
ثمة معنى قاسٍ في استهداف الأطراف تحديدًا. فالقتل ينهي حياة الإنسان، أما تحطيم جسده فيتركه حيًا وهو يحمل العقوبة معه.
اليد التي كُسرت هي اليد التي يعمل بها. والساق التي حُطمت هي التي يمشي بها إلى أرضه ومسجده وبيته. والضلع المكسور يجعل النفس والحركة والنوم ألمًا متصلًا.
إنه عنف لا يريد فقط إيقاف الجسد في لحظة، بل أن يجعل الجسد نفسه ذاكرة للعقاب.
ولهذا كانت صور الانتفاضة الأولى مؤثرة إلى هذا الحد: لم يكن المشاهد يرى مواجهة عسكرية بين جيشين؛ كان يرى جنودًا مسلحين يحيطون بفلسطيني، ثم يضربون أطرافه، وكأن الرسالة ليست فقط «توقف»، بل: تذكّر بجسدك مَن يملك القوة.
واليوم، حين تعود الكسور في شهادات المعتقلين، لا يمكن النظر إليها باعتبارها تفصيلًا طبيًا صغيرًا في ملف أوسع.
العظم المكسور وثيقة. والجسد المصاب شهادة.
هل التاريخ يعيد نفسه؟
حين نرجع لعصر النبوة والصحابة رضي الله عنهم نجد هذا ما فعله اليهود قديمًا ولا يزالون يفعلونه اليوم.
وإن كان التاريخ أعقد من ذلك، إلا أن التحذير من اليهود كان تماما الوصية التي يجب أخذها بعين الاعتبار، قال الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا..}.
أمامنا واقعة قديمة في خيبر كان جوهرها الاعتداء على رجل حتى فُدعت مفاصله، ثم أمامنا في التاريخ الفلسطيني الحديث سياسة معلنة للضرب ارتبطت بتكسير العظام، ثم أمامنا في الحاضر تقارير متكررة عن فلسطينيين يخرجون من المعتقلات بكسور في الأضلاع والأطراف وإصابات شديدة.
والجامع هنا هو منطق القوة حين تستهدف جسد المسلم.
منطقٌ يرى أن إذلال الخصم لا يكتمل بكبحه، بل بتحطيمه.
ما بين خيبر وفلسطين
ربما كان أكثر ما يهز الإنسان حين يقرأ رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما اليوم هو تلك العبارة القصيرة: «فَفُدِعَتْ يَداهُ ورِجْلاهُ».
كلمات قليلة، لكنها تجعل المرء يتخيل جسدًا أُفسدت مفاصله في ظلمة الليل.
ثم تمر القرون، وتصل إلينا من فلسطين شهادات عن الأضلاع المكسورة، والأكتاف المخلوعة، والأجساد التي تضرب وهي مقيدة.
والعبرة من كل ذلك أن نفهم الاحتلال حين يتجرد المسلم أمامه من حرمته، وأن ندرك إلى أي حد يمكن أن يصبح إيلام الجسد أداةً لإخضاع شعب كامل.
الفلسطيني لا يحتاج إلى أسطورة كي يثبت ما يقع عليه.
التاريخ الحديث نفسه موثق، والمحاكم والتقارير والشهادات والصور تكفي.
وحين ترى عظمًا فلسطينيًا مكسورًا اليوم، فلا تنظر إليه على أنه مجرد إصابة ستُجبَر بعد أسابيع.
فهناك أشياء لا يجبرها الجبس. هناك كرامة إنسان ضُرب وهو عاجز. وأسرة تنتظر عودته. وشعب يحفظ في أجساد أبنائه ذاكرة عقود من الاحتلال.
قد يلتئم العظم. لكن ما ينبغي ألا يلتئم في وعينا هو الاعتياد على رؤيته مكسورًا.
وأن لا نهمل وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم في تحديد خطورة أعدائنا وأساليبهم وأهدافهم الخبيثة، والاستعداد المسؤول لها.





اترك تعليقاً