في ظل تصاعد التوتر بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، وارتفاع الإنفاق العسكري الأوروبي، بدأت قضية التجنيد الإجباري تعود بقوة إلى النقاش العام في عدد من الدول الغربية، لكن هذه المرة مع بُعد جديد: إخضاع النساء أيضًا للخدمة العسكرية الإلزامية تحت عنوان المساواة بين الجنسين.
الكاتب والباحث الأمريكي تيد غالن كاربنتر، في مقال نشرته مجلة The American Conservative، يرى أن هذا التحول يكشف مفارقة لافتة؛ إذ إن خطاب المساواة الذي ارتبط طويلًا بتوسيع الحقوق والحريات قد يُستخدم الآن لتوسيع دائرة الإلزام العسكري، بحيث لا يعود التجنيد مقتصرًا على الرجال، بل يمتد إلى النساء أيضًا.
الدنمارك تلتحق بالنرويج والسويد
بحسب المقال، تتجه دول أوروبية إلى توسيع مدة الخدمة العسكرية الإلزامية وزيادة أعداد الخاضعين لها، في وقت أصبحت فيه مشاركة النساء في التجنيد جزءًا من هذا التوجه.
وقد طبقت الدنمارك بالفعل تغييرات تشمل تمديد مدة الخدمة وإخضاع النساء للتجنيد، لتلحق بالنرويج والسويد، اللتين سبقتاها إلى اعتماد نظام تجنيد يشمل الجنسين.
ويشير الكاتب إلى أن دولًا أخرى داخل الناتو تراقب التجربة الإسكندنافية وتدرس الاستفادة منها، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية واحتمالات اتساع نطاق المواجهة.
ومن هنا يطرح كاربنتر سؤالًا نقديًا: هل تمثل المساواة هنا توسيعًا للحرية فعلًا، أم أنها تحولت إلى وسيلة لتوسيع نطاق الإلزام العسكري ليشمل الجميع؟
من «المساواة في الحقوق» إلى «المساواة في التجنيد»
يرى الكاتب أن القضية تكشف أحد أوجه المفارقة في الخطاب المعاصر حول المساواة بين الرجال والنساء.
فبدل أن تؤدي المساواة إلى تحرير النساء من القيود، قد تصبح النتيجة، بحسب تعبيره، جعل النساء «ضحايا متساويات» مع الرجال لنظام التجنيد الإجباري.
ويعترض كاربنتر أساسًا على فكرة التجنيد نفسها، سواء فُرضت على الرجال أو النساء، معتبرًا أن إجبار الأفراد على الخدمة العسكرية يتعارض مع مبدأ الحرية الفردية.
ومن هذا المنطلق، يرى أن معالجة التمييز لا ينبغي أن تكون عبر توسيع الإلزام ليشمل النساء، وإنما عبر إنهاء الإلزام أصلًا واعتماد قوة عسكرية طوعية مفتوحة للرجال والنساء المؤهلين على قدم المساواة.
النقاش يصل إلى الولايات المتحدة
ورغم أن النقاش أكثر تقدمًا في أوروبا، فإن المقال يشير إلى أن الولايات المتحدة ليست بعيدة عن هذا المسار.
فقد أوقفت واشنطن التجنيد الإجباري الفعلي في يناير/كانون الثاني 1973، بعد تصاعد الاعتراضات المرتبطة بحرب فيتنام، لكنها أبقت نظام التسجيل في «الخدمة الانتقائية» قائمًا.
وفي عام 1980، أعادت إدارة الرئيس جيمي كارتر إلزام الذكور من المواطنين والمقيمين القانونيين بالتسجيل لدى نظام الخدمة الانتقائية عند بلوغ سن الثامنة عشرة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، تضمّن قانون تفويض الدفاع الوطني توجيهًا لتطوير آلية «تسجيل تلقائي»، وهو ما اعتبره بعض معارضي التجنيد خطوة تقرّب الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى خلال العقود الأخيرة من إمكانية إعادة تفعيل نظام التجنيد.
لكن النساء لا يزلن مستثنيات من التسجيل الإلزامي.
هل استثناء النساء «تمييز»؟
أدى استثناء النساء من التسجيل إلى اعتراضات من جهات حقوقية وسياسية ترى أن النظام القائم يميز بين الجنسين.
ومن أبرز هذه الجهات «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية» (ACLU)، الذي عارض قصر التسجيل على الرجال، وذهب إلى أن هذا النظام لا يضر الرجال وحدهم، بل يحمل رسالة ضمنية بأن النساء غير مؤهلات لأداء الخدمة العسكرية بغض النظر عن قدراتهن الفردية.
وبذلك ينتقل النقاش من سؤال: هل ينبغي وجود التجنيد أصلًا؟ إلى سؤال آخر: إذا كان التجنيد قائمًا، فلماذا يخضع له الرجال وحدهم؟
ويخشى منتقدو هذا المسار أن يؤدي جعل قضية «التمييز بين الجنسين» محور النقاش إلى تجاوز السؤال الأكبر المتعلق بشرعية فرض الخدمة العسكرية الإلزامية نفسها.
محاولات سابقة لجعل التسجيل شاملًا للجنسين
ليست فكرة إخضاع النساء للتسجيل العسكري جديدة في الولايات المتحدة.
ففي عام 2021، وافقت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب على مشروع كان سيجعل التسجيل في الخدمة الانتقائية شاملًا للرجال والنساء.
كما دافع عدد من الكتاب والشخصيات العامة خلال السنوات الماضية عن إعادة التجنيد الشامل.
ففي عام 2013، دعا الكاتب في Washington Post دانا ميلبانك إلى فرض الخدمة العسكرية على جميع الأمريكيين، رجالًا ونساءً، عند بلوغ سن الثامنة عشرة، معتبرًا أن الخدمة يمكن أن تسهم في إعادة بناء الشعور بالمواطنة والمسؤولية العامة.
وفي مارس/آذار 2026، دعا الممثل الأمريكي روب شنايدر بدوره إلى فرض سنتين من الخدمة العسكرية على كل أمريكي يبلغ الثامنة عشرة، وربط موقفه بالحرب الأمريكية الجديدة على إيران وبفكرة أن الحقوق والحريات تفرض في المقابل التزامات تجاه الدولة.
ومع أن هذه المواقف لا تزال، بحسب كاربنتر، أقلية داخل المجتمع الأمريكي، فإنه يرى أن تكرارها في الإعلام ومراكز الأبحاث ودوائر الأمن القومي يجعل تجاهلها أمرًا صعبًا.
الحرب تعيد تشكيل معنى «المواطنة»
المفارقة الأوسع التي يلفت إليها المقال هي أن الحروب والتوترات الدولية تعيد دفع المجتمعات الغربية نحو نقاشات كان يُعتقد أنها حُسمت منذ عقود.
فمع انتهاء الحرب الباردة وتراجع الجيوش الضخمة القائمة على التجنيد، بدا أن الاتجاه العام يسير نحو جيوش مهنية تطوعية.
لكن الحرب في أوكرانيا، والتوتر المتصاعد مع روسيا، وارتفاع ميزانيات الدفاع، أعادت إلى الواجهة الحاجة إلى أعداد أكبر من الجنود والاحتياط.
وعندما لا تكفي أعداد المتطوعين، يصبح التجنيد الإجباري خيارًا مطروحًا مجددًا.
ومع انتشار خطاب المساواة بين الجنسين داخل المؤسسات العسكرية، يصبح من الصعب سياسيًا تبرير تحميل الرجال وحدهم عبء هذا الإلزام.
وهكذا قد يتحول شعار «المساواة» من أداة لفتح أبواب المؤسسات أمام النساء إلى حجة لإجبارهن على دخولها.
هل المساواة تعني توسيع الإكراه؟
يرفض كاربنتر هذه النتيجة، ويعتبر أن الحل المنطقي ليس تعميم الإكراه، بل إنهاؤه.
فإذا كان إجبار الرجل على الخدمة العسكرية انتهاكًا لحريته، فإن فرض الشيء نفسه على المرأة لا يحوّل الممارسة إلى عدالة، بل يوسّع دائرة من يخضعون لها.
ومن هنا يدعو إلى الحفاظ على جيش تطوعي يضم الرجال والنساء المؤهلين على قدم المساواة، بدل تحويل المساواة إلى أساس قانوني لفرض الخدمة على الجميع.
كما يضيف بُعدًا آخر إلى انتقاده، إذ يرى أن الجيوش ينبغي أن تقتصر مهمتها على الدفاع الحقيقي عن البلاد، لا الدخول في حروب وتدخلات خارجية تُقدَّم تحت عنوان الدفاع.
من أوروبا إلى أمريكا.. اتجاه يستحق المراقبة
حتى الآن، لا يمكن القول إن الغرب يتجه بصورة موحدة نحو التجنيد الشامل للنساء.
لكن التغير في أوروبا واضح: النرويج والسويد والدنمارك تبنت بالفعل أشكالًا من التجنيد المحايد جندريًا، فيما تنظر دول أخرى باهتمام إلى هذه التجارب.
وفي الولايات المتحدة، لا يزال التجنيد معطلًا، لكن بقاء نظام الخدمة الانتقائية وتطوير التسجيل التلقائي، إلى جانب الدعوات المتكررة لشمول النساء، يبقي الباب مفتوحًا أمام عودة النقاش بصورة أكثر جدية إذا تصاعدت الحروب أو احتياجات القوات المسلحة.
وتكشف هذه التحولات عن سؤال أكبر من قضية مشاركة النساء في الجيش نفسها:
حين يصل تعريف المساواة بحيث تعني تقاسم الالتزامات العسكرية القسرية بالتساوي، فهل نكون أمام تقدم في الحقوق، أم أمام توسع في سلطة الدولة على حياة الأفراد؟
إنه سؤال يبدو مرشحًا لأن يصبح أكثر حضورًا كلما ازدادت أوروبا والولايات المتحدة استعدادًا لمرحلة أكثر عسكرة واضطرابًا.





اترك تعليقاً