لم تعد الكعكة المزينة بالكريمة في كثير من مجتمعاتنا حلوى تُقدَّم بين أنواع أخرى من الطعام، بل تحولت بالتدريج إلى رمز شبه ثابت للاحتفال نفسه.
تخرّج؟ هناك كيكة.
نجاح دراسي؟ كيكة.
وظيفة جديدة؟ كيكة.
إتمام دورة أو حفظ كتاب أو إنجاز مشروع؟ كيكة تحمل اسم صاحبه وعبارة المناسبة.
عودة من سفر أو افتتاح مكان جديد أو تحقيق هدف شخصي؟ المشهد يتكرر: كعكة مزينة، وربما شموع وبالونات، ثم صورة تذكارية تُنشر على وسائل التواصل.
قد يبدو الأمر تفصيلًا صغيرًا لا يستحق الوقوف عنده، فماذا في قطعة حلوى حتى تُحمَّل كل هذه الدلالات؟
لكن القضية من زاوية ثقافية ليست: هل يجوز أكل “الكيكة”؟ ولا: هل كل عادة وافدة مرفوضة؟ وإنما السؤال الأعمق: كيف أصبح نموذج واحد مستورد هو الطريقة التي يتخيل بها الملايين شكل الفرح والاحتفال؟ وماذا يحدث لخصوصية المجتمعات حين تبدأ باستيراد ليس المنتجات فقط، وإنما الرموز والطقوس والصور التي تعبّر بها عن مشاعرها؟
الكعكة أقدم من «حفلات الكيك»

كعكة زفاف الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت عام 1840، وهي مثال على تطور الكعك الأوروبي المغطى بطبقة السكر البيضاء والمزخرف، قبل ظهور أشكال كريمة التزيين الحديثة وانتشارها الواسع.
عرف الإنسان أشكالًا مختلفة من الكعك والخبز المحلّى منذ العصور القديمة، ولذلك من الخطأ القول إن الكعكة الحديثة ظهرت فجأة في زمن محدد.
كما أن استعمال الأطعمة الخاصة في المناسبات ليس حكرًا على حضارة بعينها؛ فالمجتمعات البشرية كلها تقريبًا ربطت الطعام بالأفراح والمواسم والمناسبات.
لكن الكعكة الحديثة المزينة التي نعرفها اليوم هي نتاج تطور أوروبي طويل.
فقد عرف الأوروبيون تغطية الكعك بالسكر وبياض البيض منذ القرن السابع عشر، ثم تطورت تقنيات تغطية الكعك وتزيينه مع تحسن صناعة السكر. وفي القرن التاسع عشر، أتاح انتشار السكر المطحون تجاريًا، وتطور الأفران، ومواد رفع العجين، صناعة الكعكات متعددة الطبقات والمزينة بصورة أقرب كثيرًا إلى شكلها الحديث. وتذكر مراجع تاريخ الطعام أن الكعك متعدد الطبقات توسع بصورة كبيرة بعد نحو عام 1870 مع توفر الأدوات والتقنيات اللازمة.
إذن فـ«الكيكة بالكريمة» التي نضعها اليوم وسط الطاولة ليست امتدادًا لطعام بشري قديم فحسب؛ بل شكلها وطريقة تزيينها ووظيفتها الرمزية الحالية نتاج ثقافة احتفالية أوروبية حديثة تطورت لاحقًا داخل الثقافة الاستهلاكية الأمريكية.

مشهد لمحل معجنات أوروبي من نحو القرن السابع عشر، ويُظهر شكل المخبوزات والحلويات قبل أن تصبح الكعكة الحديثة ذات الطبقات والكريمة هي الصورة السائدة.
وماذا عن الأصل الديني؟
تتكرر أحيانًا رواية تقول إن كيكة الاحتفال والشموع تعود مباشرة إلى طقوس وثنية يونانية، وخاصة عبادة الإلهة أرتميس. وإن كان الأمر يحتاج إلى شيء من الدقة. فثمة بالفعل شواهد تاريخية على تقديم كعكات مستديرة في الشعائر المرتبطة بأرتميس في اليونان القديمة، وربط بعض الباحثين بينها وبين الضوء والقمر. وإن كانت لا توجد سلسلة تاريخية موثقة تثبت أن عادة وضع الشموع على كيكة عيد الميلاد الحديثة انتقلت مباشرة من تلك الطقوس اليونانية.
لكن يبقى الأصل الأقرب والأوضح للطقس الحديث، أي كيكة تحمل شموعًا مرتبطة بعمر الشخص، فيظهر في ألمانيا، وخاصة في احتفالات الأطفال المعروفة باسم Kinderfest. وتذكر مصادر سميثسونيان (هي مؤسسة أمريكية كبرى للمتاحف والبحث والتعليم، تأسست عام 1846 في واشنطن) أن التقاليد الألمانية تضمنت كعكة تعلوها شموع، وأن الطفل كان يتمنى أمنية ثم يحاول إطفاء الشموع بنفخة واحدة.
وكانت بعض هذه الممارسات محاطة آنذاك بمعتقدات شعبية وروحية؛ إذ ارتبطت الشموع في بعض الروايات بالحماية، كما كان يُعتقد أن دخانها يحمل أمنية الطفل إلى السماء. ومع ذلك، فهذا لا يجعل «الكيكة» في ذاتها شعيرة دينية، ومع ذلك لا يمكننا تاريخيًا اختزال تاريخ الكيكة كله في أصل وثني واحد. ويبقى الأهم بالنسبة إلى موضوعنا هو ما وقع بعد ذلك.
من ألمانيا إلى أمريكا.. ثم إلى العالم
حمل المهاجرون الألمان تقليد كعكة الميلاد والشموع معهم إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، ثم انتشرت العادة تدريجيًا خارج الجماعات الألمانية.
وبين عامي 1900 و1920 تقريبًا أصبحت الكعكات ذات الشموع مألوفة لدى الطبقات الوسطى في الولايات المتحدة وبريطانيا، وفي عشرينيات القرن الماضي دخلت الشموع وأدواتها مرحلة الإنتاج التجاري الواسع.


ثم جاءت قوة الإعلام. فالأفلام والرسوم المتحركة وبطاقات التهنئة والإعلانات وشركات الأغذية صنعت صورة تكاد تتكرر بلا نهاية: شخص في المنتصف، وأمامه كعكة مزينة، وحوله المحتفلون.
وتشير نشيونال جيوغرافيك إلى دور الإعلام والثقافة الاستهلاكية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في نقل هذا النموذج عالميًا عبر السياحة ومنتجات الأطفال والعلامات التجارية والثقافة الشعبية الأمريكية. وبحلول خمسينيات القرن العشرين، كانت هذه العادة قد انتقلت حتى إلى مجتمعات بعيدة ثقافيًا مثل اليابان.
وهنا حدث أمر أكثر أهمية من انتقال وصفة طعام: لقد انتقلت صورة جاهزة لما ينبغي أن يبدو عليه الاحتفال.
ثم خرجت الكيكة من عيد الميلاد
لم تبق الكعكة محصورة في أعياد الميلاد. فبمرور الوقت أصبحت «كعكة المناسبة» جزءًا من حفلات الزواج، والذكريات السنوية، والترقيات الوظيفية، والاحتفالات المؤسسية، وغيرها من محطات الحياة. ويشير سميثسونيان اليوم إلى أن الكعك بات يُستخدم للاحتفال بمناسبات متنوعة، من الزواج وأعياد الميلاد إلى الترقيات في العمل.
وهذه هي النقطة التي تهمنا عند النظر إلى مجتمعات المسلمين اليوم. فلم نأخذ مجرد كعكة حلوة أعجبتنا، وإنما أخذنا تدريجيًا منظومة احتفالية كاملة، ثم وسعنا نطاق استعمالها لتدخل في كل شيء تقريبًا.
ومن ثم أصبحت الفتاة حين تتخرج تتخيل كيكة التخرج، والطالب حين ينجح يتوقع كيكة النجاح، وصاحب المشروع عند افتتاحه يرى الطاولة المزينة والكيكة المكتوب عليها اسم المشروع جزءًا طبيعيًا من الحدث.
لماذا؟ لأن الصورة أصبحت تسبق التجربة.
إنستغرام وتيك توك.. حين أصبح الاحتفال يُصمَّم للصورة
جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذا النموذج قوة هائلة. فالكيكة الحديثة منتج مثالي لثقافة الصورة: جميلة، ملونة، يمكن كتابة الاسم والإنجاز والعمر والعبارة عليها، ويمكن وضعها وسط المشهد ليعرف من يشاهد الصورة فورًا ما المناسبة.
ولهذا فهي لا تؤدي وظيفة غذائية فقط، بل أصبحت لافتة بصرية.
ويشير سميثسونيان إلى استمرار ثقافة الكعك في القرن الحادي والعشرين عبر اتجاهات تيك توك ومشاركة التجربة اجتماعيًا.
وهنا حدث تحول يستحق التأمل. في السابق كان الإنسان يقيم الاحتفال، ثم ربما يحتفظ بصورة له.
أما اليوم فكثير من الاحتفالات أصبحت تُرتَّب أصلًا بما يناسب التصوير: الخلفية، البالونات، الألوان، الطاولة، الكيكة، ثم وقفة صاحب المناسبة.
فيتحول السؤال من: كيف نفرح؟ إلى: كيف ينبغي أن تبدو صورة فرحنا؟
ومع التكرار الملاييني على المنصات يتحول المشهد من موضة إلى «عرف»، ثم إلى شيء يكاد يشعر الإنسان أن المناسبة ناقصة إن لم يفعله.
وهكذا تعمل القوة الثقافية المعاصرة: ليس دائمًا بأوامر مباشرة، وإنما بالتكرار حتى يصبح النموذج مألوفًا، ثم طبيعيًا، ثم متوقعًا.
حين تستورد الشعوب طريقة فرحها
ليس من الإنصاف أن نقول إن كل ما يأتي من ثقافة أخرى سيئ. فالحضارات لم تعش يومًا داخل جدران مغلقة. المسلمون عبر تاريخهم أخذوا من الشعوب وأعطوها، واقتبسوا أطعمة وصناعات وملابس وأدوات ثم أعادوا تشكيلها داخل بيئتهم.
لكن المشكلة ليست في التأثر. بل المشكلة في فقدان القدرة على إعادة الصياغة.
فالحضارة الحية قد تأخذ المنتج ثم تمنحه معناها الخاص. أما الحضارة المستهلكة فتأخذ المنتج، وطريقة استعماله، والرمز المرتبط به، والصورة التي يجب التقاطها معه، والكلمات التي تقال حوله.
وهنا يمكن الحديث عن نوع من المسح الحضاري الهادئ.
ليس المسح الذي يمنع الناس بالقوة من ممارسة عاداتهم، وإنما المسح الذي يجعل العادات المحلية تتراجع تلقائيًا أمام نموذج عالمي واحد أكثر حضورًا في الإعلام والسوق.
فتختفي عشرات الأشكال المحلية للتعبير عن الفرح، ويجلس الجميع أمام الطاولة ذاتها تقريبًا.
هذه الظاهرة ليست خاصة بالمسلمين؛ فدراسات العولمة الغذائية نفسها تناقش خطر أن تؤدي الثقافة الاستهلاكية العالمية إلى تجانس ثقافي تتراجع أمامه الممارسات الغذائية والاجتماعية المحلية.
وماذا نخسر نحن؟
للمجتمعات المسلمة تاريخ طويل من التنوع في التعبير عن الأفراح. لم يكن لكل بلد الصورة نفسها، ولم تكن كل أسرة تحتفل بالطريقة نفسها.
هناك الولائم، وإطعام الأقارب والجيران، وصنع الحلويات المحلية، وتقديم الهدايا، والزيارات، والاجتماع الأسري، وإكرام من كان لهم فضل، والصدقة، وإظهار الحمد والشكر لله عند تحقق النعمة.
ولا نقول إن هذه كلها «شعائر إسلامية» محددة ورد الشرع بإقامة حفل نجاح على هيئتها؛ فهذا غير دقيق. لكن هناك روحًا إسلامية واضحة في التعامل مع النعمة: شكر المنعم، والتواضع، ومشاركة الخير، وإدخال السرور على الآخرين، وعدم تحويل كل إنجاز إلى مناسبة لاستعراض الذات.
كما كانت لدى شعوب المسلمين عشرات الحلويات والأطعمة الخاصة بالمناسبات، تختلف من المغرب إلى الشام والخليج وتركستان والهند وشرق آسيا وأفريقيا. وهذا التنوع في ذاته ثروة حضارية.
لكن العولمة لا تقول لك: «اترك حلوى بلدك».
يكفي أن تملأ هاتفك كل يوم بصورة الاحتفال نفسها، حتى يبدأ الجيل الجديد تلقائيًا في الاعتقاد أن هذه هي الهيئة الأصلية للفرح، وما سواها أقل أناقة أو أقل حداثة.
وهذه أخطر مراحل التأثير الثقافي: عندما لا يعود الإنسان يشعر أنه يقلد أحدًا.
حتى النجاح صار منتجًا استهلاكيًا
هناك جانب آخر للمسألة. فقد كان النجاح في الأصل قيمة: علم اكتسبته، عمل أتقنته، مرحلة تجاوزتها. لكن الاقتصاد الاستهلاكي بارع في تحويل القيم إلى مناسبات شراء.
لكل حدث زينته الخاصة. كيكة مخصصة. بالونات مخصصة. عبارات جاهزة. هدايا. تغليف. جلسة تصوير. ملابس للمناسبة. ثم يحتاج الإنجاز التالي إلى مجموعة جديدة. وهكذا تتضخم الهوامش حتى تطغى أحيانًا على الأصل.
يمكن أن يصبح الاهتمام بكيفية تصوير التخرج أكبر من الحديث عما تعلمه الخريج، والاحتفاء بإنهاء مشروع أكبر من السؤال عما أنتجه هذا المشروع. وهنا يصبح الإنسان مستهلكًا حتى في أفراحه.
هل الحل أن نحارب الكيكة؟
ليس هذا القصد فتحويل القضية إلى معركة مع نوع من الحلوى يفقد النقد الثقافي معناه.
من أراد أن يأكل الكعك أو يقدمه لضيوفه فلا تكمن المشكلة الحضارية في قطعة السكر والكريمة أمامه.
إنما السؤال هنا: هل بقيت الكيكة اختيارًا من بين عشرات الخيارات، أم أصبحت هي الصورة التي لا نستطيع تصور الاحتفال بدونها؟
هناك فرق كبير بين أن يعجب مجتمع بطعام أجنبي فيضيفه إلى مطبخه، وبين أن تصبح طقوسه الاجتماعية كلها نسخًا متكررة مما تعرضه عليه ثقافة أخرى.
والنقد المطلوب إذًا ليس نقد الطعام، بل استعادة الوعي.
أن نتعلم من جديد صناعة أشكال فرحنا بأنفسنا.
يمكن للأسرة عند نجاح ابنها أن تقيم مأدبة صغيرة وتشكر من وقف معه. ويمكن للناجح أن يخصص شيئًا من فرحته لصدقة. ويمكن توزيع حلوى من البيئة المحلية. ويمكن تقديم هدية نافعة. ويمكن جمع الأسرة والأصدقاء بطريقة لا تحتاج إلى مسرح تصوير كامل.
ويمكن ابتكار تقاليد جديدة أيضًا؛ فالهوية الحضارية لا تعني تجميد الحياة عند ممارسات الأجداد، وإنما تعني أن نحن الذين نصنع الشكل الجديد، انطلاقًا من قيمنا وذائقتنا، لا أن يصل إلينا كاملًا في صندوق جاهز من ثقافة أخرى.











من يصنع شكل فرحنا؟
ليست قوة الحضارات في جيوشها واقتصادها وحدهما.
الحضارة القوية هي التي تجعل الآخرين يأكلون مثلها، ويلبسون مثلها، ويزينون بيوتهم مثلها، ويصممون حفلاتهم مثلها، ويعبرون عن الحب مثلها، ويصورون النجاح بالطريقة التي صورتها هي.
وحين يحدث ذلك لا يشعر الإنسان عادة أنه تعرض لأي ضغط. إنه فقط يقول: «هكذا يحتفل الناس».
لكن السؤال الذي يستحق أن يسأله المسلم المعاصر هو: من هم «الناس» الذين حددوا لنا كيف ينبغي أن يبدو الفرح؟
ولماذا إذا نجح أبناؤنا أو تخرجوا أو أتموا إنجازًا، حضرت إلى أذهاننا الصورة العالمية الجاهزة قبل أن تحضر عادات بيوتنا ومجتمعاتنا؟
المشكلة ليست أن يأكل المسلم كيكة. المشكلة أن يفقد القدرة على تخيل الفرح خارج الصورة التي صنعتها له ثقافة أخرى.
والاستقلال الحضاري لا يعني أن نغلق أبوابنا أمام العالم، وإنما أن نستعيد حقنا في الاختيار: نأخذ ما ينفعنا، ونترك ما لا نحتاجه، ونطوّع ما نأخذه لقيمنا، ونحفظ ما لدينا من تنوع وذاكرة.
فالأمم لا تفقد هويتها دفعة واحدة. قد يبدأ الأمر أحيانًا بتفاصيل صغيرة جدًا؛ بطريقة لباس، أو كلمة، أو طعام، أو شكل احتفال. ثم تتراكم التفاصيل، حتى يأتي جيل يعرف جيدًا كيف يحتفل العالم، لكنه لا يعرف كيف كان أهله يعبّرون عن الفرح قبل أن تصبح كل المناسبات متشابهة.
والأشد خطرًا أن تتسلل هذه الظواهر إلى الأوساط العلمية والثقافية والنخب التي يُفترض أن تكون أقدر من غيرها على قراءة دلالات التفاصيل الصغيرة وآثارها البعيدة؛ لأن تقليد العوام قد يبقى عادة عابرة، أما حين تتبناه الطبقات التي تصوغ الوعي وتقدّم النموذج فإنه يتحول إلى ترسيخ لهزيمة ثقافية أعمق، تُطبع معها الأجيال على استهلاك رموز غيرها بوصفها الشكل الطبيعي والراقي للحياة.
وكان الأولى بهذه الفئات أن تكون أكثر حساسية تجاه مثل هذه التحولات، وأن تدرك أن مشروع الانبعاث الإسلامي لا يُبنى بالشعارات الكبرى وحدها، بل كذلك باستعادة الثقة في اللغة والذوق والعادات والرموز وأنماط الاجتماع والفرح. فالتفاصيل الدقيقة ليست هامشًا في معركة الهوية، بل هي مما يصنع الوجدان الجمعي على المدى الطويل.
وما لم نستعد اعتزازًا كاملًا بمظاهر حضارتنا، ونملك القدرة على إنتاج صورنا وعاداتنا من داخل قيمنا وذاكرتنا، فسيظل التابع تابعًا؛ لأن من يكتفي باستعارة رموز غيره يصعب عليه أن يصنع السيادة الثقافية لنفسه.
فهل سنشهد وعيًا يليق بتكاليف المرحلة المقبلة، يعتني بدقائق العزة وموجبات انبعاثها، ويدرك أن استعادة السيادة تبدأ من التفاصيل كما تبدأ من القضايا الكبرى، أم سنظل أسرى منهجية التبرير والتهوين والتماهي المبتذل، حتى نفقد القدرة على التمييز بين الانفتاح الواعي والاستلاب، وبين الأخذ من الحضارات والذوبان فيها؟






اترك تعليقاً