يأتي كتاب «حق التضحية بالآخر: أمريكا والإبادات الجماعية» للباحث منير العكش في مقدمة الأعمال العربية التي حاولت إعادة قراءة التاريخ الأميركي من زاوية مختلفة جذريًا عن السردية التقليدية التي تقدم الولايات المتحدة باعتبارها نموذجًا للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. صدر الكتاب عن دار الريس في بيروت عام 2002، ويقع في نحو 200 صفحة، ويتكون من مقدمة وسبعة فصول وملحقين.
أبرز محاور الكتاب
- الثوابت البنائية للخلاصية الأمريكية: يكشف العكش عن خمسة ثوابت مركزية تفسر استمرارية مشاريع الإبادة، منها “المعنى الإسرائيلي لأمريكا” والعقيدة القائلة بالاختيار الإلهي والتفوق العرقي، مما يبرر التوسع اللانهائي وحق “التضحية بالآخر”.
- الإبادة كمنهج بنيوي: يرى العكش أن تأسيس الولايات المتحدة كان مبنياً على سياسات إزالة السكان الأصليين واستبدال ثقافاتهم، مبرزاً أمثلة تاريخية داخل القارة وخارجها تربط هذه السياسات بالخطابين الديني والاقتصادي.
- المنهج والوثائق التاريخية: يعتمد الكتاب على وثائق رسمية، شهادات، ومصادر كونغرسية لبناء حججه، مما يضفي عليه مصداقية تاريخية عميقة ويكشف عن آليات عمل الدولة العظمى في صياغة سياساتها.

الفكرة التي ينطلق منها العكش
لا يمكن فهم الولايات المتحدة الحديثة، في رأي المؤلف ، من دون العودة إلى الطريقة التي تعامل بها المستوطنون الأوروبيون مع السكان الأصليين للقارة.
فالولايات المتحدة، كما يراها العكش، لم تبدأ تاريخها من لحظة إعلان الاستقلال، وإنما من عملية استعمار طويلة ارتبطت بالاستيلاء على الأرض، وتفكيك المجتمعات الأصلية، والحروب، والتهجير، والمجاعة، والأوبئة، والسياسات التي ساهمت في انهيار أعداد هائلة من السكان الأصليين.
وتصف بعض المصادر الكتاب بأنه يقدم معالجة تفصيلية لما تعرض له السكان الأصليون من مجازر، بينما يركز العكش على فكرة أن العنف لم يكن سلسلة حوادث منفصلة، بل جزءًا من مسار تاريخي مرتبط بتكوين الدولة والمجتمع الأميركيين.
كيف تحولت إبادة جماعات بشرية بأكملها إلى جزء من عملية بناء دولة، ثم أصبح تاريخ هذه الدولة يُروى لاحقًا باعتباره قصة حرية وديمقراطية؟
وهنا يحاول العكش نقل القارئ من قراءة تاريخ الولايات المتحدة باعتباره تاريخًا سياسيًا، إلى قراءته باعتباره تاريخًا للصراع على الأرض والسكان والموارد والسلطة.
فالأرض لم تكن فراغًا ينتظر من يعمرها، كما قد توحي بعض السرديات الاستيطانية القديمة، وإنما كانت مأهولة بمجتمعات وقبائل وأمم لها نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ومن هنا يصبح الاستيطان الأوروبي عملية أكثر تعقيدًا من مجرد انتقال سكان جدد إلى قارة جديدة ، إنه إحلال مجتمع محل مجتمع آخر.
«حق التضحية بالآخر».. الفكرة المركزية
العنوان الفرعي للكتاب ربما يلخص مشروعه كله: «حق التضحية بالآخر»، لأن الكاتب لم يهتم فقط بحجم القتل، وإنما بحث عن الفكرة التي سمحت بتبريره.
لقد طرح الكاتب عدة أسئلة محورية لتوصيل فكرته ، وهي: كيف يستطيع مجتمع أن ينظر إلى مجموعة بشرية أخرى باعتبارها أقل قيمة؟، وكيف تتحول الأرض التي يعيش عليها الآخر إلى «أرض متاحة»؟، ووكيف يصبح التخلص من السكان الأصليين، أو طردهم، أو حصرهم في مناطق محددة، أمرًا يمكن تبريره سياسيًا وأخلاقيًا؟
هذه الأسئلة قادت العكش إلى ما اعتبره جوهر التجربة الاستعمارية: نزع الإنسانية عن الآخر يسبق غالبًا نزع الأرض منه.
وحين يصبح الآخر في الوعي السياسي والثقافي «عقبة» أمام التوسع، يصبح التخلص منه أكثر قابلية للتبرير.
الإبادات الثقافية والجنسية: توسيع المفهوم
لا يقتصر مفهوم “الإبادة الجماعية” في كتاب العكش على الإبادة الجسدية المباشرة، بل يتوسع ليشمل أشكالًا أخرى من الإبادة، مثل الإبادات الثقافية والجنسية. هذا التوسع في المفهوم يعكس فهمًا أعمق لكيفية عمل آليات الهيمنة الاستعمارية، التي لا تكتفي بتدمير الأجساد، بل تسعى أيضًا إلى محو الهويات والثقافات الأصلية.
تُظهر دراسة العكش كيف أن السياسات الأمريكية، عبر التاريخ، استهدفت الثقافات غير الأوروبية بهدف طمسها واستبدالها بثقافة المستوطنين. هذا يشمل ليس فقط إزالة اللغات والتقاليد والمعتقدات، بل وأحيانًا حتى التلاعب بالتركيبة الديموغرافية للمجتمعات المستهدفة من خلال سياسات التعقيم القسري أو التمييز الجنسي. هذه الأبعاد غالبًا ما يتم تجاهلها في السرديات التاريخية التقليدية، لكن العكش يعيدها إلى الواجهة كعناصر أساسية في فهم المشروع الأمريكي.
نقد العلاقة بين الاستعمار الأمريكي والإسرائيلي
من أهم الأبعاد التي يطرحها الكتاب هي الربط بين السياسات الاستعمارية الأمريكية والسياسات الإسرائيلية المعاصرة.
يشير العكش إلى أن “المعنى الإسرائيلي لأمريكا” يتجلى في نمط متشابه من الإقصاء الثقافي والعنصري، واستخدام خطاب “الشعب المختار” لتبرير الاستيطان وتهجير السكان الأصليين، وهذا الربط يسلط الضوء على استمرارية آليات الهيمنة الاستعمارية وتجلياتها الحديثة.
التحليل في الكتاب ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل هو محاولة لفهم الجذور الفكرية العميقة التي تربط بين هذين المشروعين، وكيف أن مفاهيم مثل “الأرض الموعودة” و”الدور الإلهي” قد استخدمت لتبرير ممارسات العنف والإبادة.
الثوابت الخمسة للخلاصية الأمريكية
يقدم العكش إطارًا تحليليًا فريدًا يقوم على خمسة “ثوابت” رئيسية، يرى أنها تفسر استمرارية مشاريع الإبادة في الفكر والسلوك الأمريكي، ويرى أن هذه الثوابت ليست مجرد أفكار عابرة، بل هي دعائم بنيوية للمنظومة الأمريكية:
- المعنى الإسرائيلي لأمريكا: يشير هذا الثابت إلى تبني أمريكا لسردية مشابهة لسردية “الشعب المختار” ودوره “الخلاصي” في العالم، مما يمنحها شرعية دينية لأفعالها.
- العقيدة باختيار إلهي وتفوق عرقي/ثقافي: الاعتقاد بأن الأمريكيين مختارون إلهيًا، وأن ثقافتهم وعرقهم متفوقان، يبرر لهم التدخل والسيطرة على الشعوب الأخرى.
- الدور الخلاصي للعالم: يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها صاحبة رسالة عالمية لتحقيق “الديمقراطية” و”الحرية”، حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة أو تدمير ثقافات بأكملها.
- التوسع اللانهائي: الرغبة المستمرة في التوسع الجغرافي والاقتصادي، التي لم تتوقف عند حدود القارة، بل امتدت لتشمل مناطق نفوذ عالمية.
- حق التضحية بالآخر: هذا الثابت هو تتويج للثوابت السابقة، حيث يبرر التضحية بالشعوب الأخرى ومواردهم من أجل تحقيق أهداف “الشعب المختار” و”رسالته الخلاصية”.
الوثائق والشواهد
لا يكتفي العكش بتقديم أطروحات نظرية، بل يدعمها بمنهجية بحثية صارمة تعتمد على مصادر أولية موثوقة، فمن خلال استخدامه للوثائق التاريخية، والمراسلات الحكومية، وتقارير الكونغرس، وشهادات الأفراد، يبني العكش سردًا محكمًا يكشف عن الأبعاد الخفية للسياسات الأمريكية. هذه المواد تسمح له بتوثيق كيفية تحول هذه الثوابت الفكرية إلى سياسات وتشريعات وبرامج اجتماعية ذات تأثير مدمر على الشعوب المستهدفة.
إن اعتماده على هذه المصادر الرسمية يمنح حججه قوة إقناعية كبيرة، حيث لا يمكن دحضها بسهولة بوصفها مجرد آراء شخصية، بل هي تحليل لواقع تاريخي مدعوم بالأدلة، مما يجعل الكتاب أداة قوية لنقد السردية الأمريكية التقليدية.
أهمية الكتاب في المشهد الفكري العربي
يُعد كتاب “أمريكا والإبادات الجماعية” إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث يقدم منظورًا نقديًا للولايات المتحدة يختلف عن السرديات السائدة، حيث يثير الكتاب أسئلة جوهرية حول حدود التوثيق والمقاربات التاريخية والسياسية في فهم تاريخ الولايات المتحدة، ويحرض القراء على فحص الخطاب الرسمي الأمريكي. وقد حظي الكتاب باهتمام كبير في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية، واعتُبر إسهامًا مهمًا في نقد الاستعمار والقوى العظمى من منظور تاريخي نقدي.
إن أسلوب العكش، الذي يتسم بالجدلية والمباشرة، يعتمد لغة حادة عند مناقشة سياسات الاستيطان والدمج القسري، مع استخدام مراجع ووثائق تاريخية لإسناد حججه. هدفه ليس تجريم طرف واحد، بل تقديم عرض تاريخي-تحليلي يضع تاريخ الولايات المتحدة في سياق متخصص ينتقد افتراضات الحرية والديمقراطية كقيم مطلقة.






اترك تعليقاً