كتاب نعومي كلاين الذي يفضح آليات رأسمالية الكوارث وتأثيرها على المجتمعات
يتناول كتاب “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث” للصحفية الكندية نعومي كلاين، تحليلًا نقديًا للآليات التي تستغل بها النخب الاقتصادية والسياسية الأزمات والكوارث، سواء كانت طبيعية كالأعاصير والتسونامي، أو من صنع الإنسان كالحروب والانقلابات، وذلك بهدف فرض سياسات السوق الحرة المتطرفة. يتحدى الكتاب السردية التقليدية التي تزعم أن تبني سياسات السوق الحرة يتم بقبول طوعي، ويكشف أن هذه السياسات غالبًا ما تُفرض في أوقات الضعف المجتمعي، حيث يكون الناس في حالة صدمة وفزع، مما يحد من قدرتهم على المقاومة والتصدي.
أبرز أفكار الكتاب
- رأسمالية الكوارث: تُظهر كلاين كيف أن الكوارث، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان، لا تُعد مجرد أحداث عرضية، بل تُستغل كفرص لفرض سياسات اقتصادية راديكالية لا يمكن تمريرها في الأوقات العادية.
- صدمة مجتمعية: يعتمد نجاح هذه العقيدة على استغلال حالة الصدمة والخوف والضعف الجماعي لدى الشعوب، مما يقلل من قدرتهم على المقاومة ويفتح الباب أمام الخصخصة وتقليص دور الدولة.
- الارتباط التاريخي: يقدم الكتاب أمثلة تاريخية واسعة، من تشيلي في عهد بينوشيه إلى العراق بعد الغزو وجائحة كورونا، ليؤكد أن هذا النمط يتكرر عالميًا.

صدر الكتاب عام 2007، وحاولت كلاين من خلاله بناء أطروحة واسعة تقول إن الأزمات والكوارث لا تُنتج فقط خسائر وضحايا، وإنما يمكن أن تتحول إلى فرص لإعادة هندسة المجتمعات والاقتصادات وفق سياسات يصعب تمريرها في الظروف الطبيعية.
لا تنطلق كلاين من فكرة أن كل كارثة مفتعلة، ولا تقول إن كل أزمة صُنعت عمدًا من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية، وإنما تركز على مرحلة ما بعد الصدمة: اللحظة التي يكون فيها المجتمع مرتبكًا، والمؤسسات تحت الضغط، والرأي العام منشغلًا بالنجاة، بينما تصبح القرارات الاقتصادية والسياسية الكبرى أكثر قابلية للتمرير.
ومن هنا جاءت تسمية الكتاب: «عقيدة الصدمة».
فالصدمة، في تصور كلاين، ليست مجرد مأساة إنسانية، وإنما يمكن أن تصبح أيضًا بيئة سياسية واقتصادية تسمح بإحداث تغييرات جذرية خلال فترة زمنية قصيرة.
مقصود بـ«عقيدة الصدمة»
الفكرة المركزية في الكتاب يمكن تبسيطها في معادلة:
أزمة كبرى ، ثم ارتباك مجتمعي ، ثم مساحة أوسع لصنع القرار ، ثم سياسات استثنائية ، ثم إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع.
وترى كلاين أن بعض الحكومات والمؤسسات الاقتصادية استفادت تاريخيًا من هذه اللحظات لتمرير سياسات كانت ستواجه مقاومة أكبر لو طُرحت في الظروف العادية.
وتربط المؤلفة بين هذه الظاهرة وبين صعود المدرسة الاقتصادية التي ارتبطت بجامعة شيكاغو، وعلى رأسها الاقتصادي ميلتون فريدمان، الذي دافع عن تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة وخصخصة العديد من القطاعات.
وتبني كلاين جزءًا أساسيًا من كتابها على العلاقة بين الأفكار الاقتصادية والأزمات السياسية، معتبرة أن بعض السياسات لا تحتاج إلى إقناع المجتمع بها بالكامل، إذا أتيح للسلطة تمريرها في لحظة اضطراب شديد.
من العلاج النفسي إلى الاقتصاد السياسي
من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الكتاب أن كلاين تبدأ من مفهوم «الصدمة» في مجال مختلف تمامًا: علم النفس والتجارب المتعلقة بالذاكرة والسلوك.
وتشير إلى تجارب جرى فيها استخدام الصدمات النفسية والجسدية في محاولة لتغيير السلوك أو محو الذاكرة أو إعادة تشكيل الشخصية.
ثم تنتقل من الفرد إلى المجتمع، وهنا تقدم استعارة قوية:
كما يمكن أن يصبح الإنسان أكثر هشاشة وقابلية للتأثير بعد صدمة شديدة، يمكن أن تصبح المجتمعات أكثر استعدادًا لقبول تغييرات جذرية بعد الحروب والكوارث والانهيارات الاقتصادية.
وهذه ليست مجرد فكرة اقتصادية؛ إنها جوهر المنهج الذي تتبعه كلاين طوال الكتاب.
ميلتون فريدمان والمدرسة الاقتصادية
يحتل ميلتون فريدمان مكانة محورية في الكتاب، وترى كلاين أن فريدمان والمدرسة المرتبطة به لم يكونوا مجرد اقتصاديين يطرحون سياسات نظرية، بل أسهموا في تشكيل مشروع فكري عالمي يركز على:
- تحرير الأسواق.
- تقليص تدخل الدولة.
- الخصخصة.
- خفض الإنفاق الحكومي.
- تحرير التجارة.
- تقليص بعض أشكال الدعم والضمانات الاجتماعية.
وتطرح الكاتبة سؤالًا جوهريًا:
كيف تنتقل هذه الأفكار من الكتب والجامعات إلى أرض الواقع؟
وهنا تبدأ رحلتها بين عدد كبير من الدول والأزمات، محاولة تتبع العلاقة بين الفكر الاقتصادي والتحولات السياسية.
تشيلي.. المختبر الأكثر شهرة
تُعد تجربة تشيلي في عهد أوغستو بينوشيه واحدة من أهم المحطات التي تعتمد عليها كلاين.
بعد الانقلاب العسكري عام 1973 على حكومة سلفادور أليندي، دخلت البلاد مرحلة قمع سياسي واسع، وفي الوقت نفسه بدأت سياسات اقتصادية أكثر تحررًا للسوق.
وترى كلاين أن هذه التجربة تمثل نموذجًا مهمًا لما تسميه «رأسمالية الصدمة»، ففي الوقت الذي كانت فيه المعارضة السياسية تتعرض للقمع، كانت سياسات اقتصادية جذرية تُطبق على المجتمع.
وهنا تقدم كلاين أطروحتها الأساسية:
التحول الاقتصادي الكبير كان أكثر سهولة في ظل غياب القدرة على المقاومة السياسية والاجتماعية.
وبذلك تصبح الصدمة السياسية أداة تفتح الطريق أمام صدمة اقتصادية.
الأرجنتين وأمريكا اللاتينية
تتوسع كلاين في دراسة أمريكا اللاتينية، حيث ترى أن الانقلابات العسكرية والقمع السياسي تزامنا في بعض الحالات مع إعادة هيكلة اقتصادية واسعة.
وهنا لا تركز فقط على النتائج الاقتصادية، وإنما على العلاقة بين: القوة العسكرية ، والقمع السياسي ، والإصلاح الاقتصادي.
وتشير إلى أن التجارب التي شهدتها دول مثل الأرجنتين وتشيلي وغيرها ساهمت في تحويل أمريكا اللاتينية إلى واحدة من أهم ساحات اختبار السياسات الاقتصادية الجديدة.
والنقطة الأساسية عند كلاين أن الإصلاح الاقتصادي لا يحدث في فراغ، فإذا كانت هناك مقاومة شعبية ونقابات قوية وحركات سياسية نشطة، تصبح عملية الخصخصة وتحرير الأسعار وتقليص الدعم أكثر صعوبة.
أما عندما تكون هذه القوى قد تعرضت للقمع أو التفكيك، فإن الطريق يصبح أكثر انفتاحًا أمام الإصلاحات.
بريطانيا وثاتشر
لا تحصر كلاين «عقيدة الصدمة» في الأنظمة العسكرية، وتنتقل إلى بريطانيا في عهد مارغريت ثاتشر، لتبحث في كيفية استغلال الأزمات السياسية والاقتصادية في تمرير تحولات كبرى.
وتستخدم حرب فوكلاند بوصفها إحدى الحالات التي تدرس من خلالها العلاقة بين الصراع السياسي الداخلي وبين قدرة الحكومة على تعزيز موقعها وتمرير أجندتها.
لكن هنا تظهر نقطة مهمة في قراءة الكتاب:
كلاين لا تقول إن الحرب نفسها خُلقت أساسًا من أجل الخصخصة أو السياسات الاقتصادية، وإنما تبحث في كيفية استخدام الظروف السياسية الناتجة عنها لتعزيز مشروع سياسي واقتصادي.
وهذا التمييز ضروري لفهم أطروحتها بدقة.
روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
من أقوى فصول الكتاب وأكثرها إثارة للجدل فصل روسيا، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واجهت روسيا أزمة سياسية واقتصادية هائلة، وشهدت انتقالًا سريعًا من اقتصاد مخطط مركزيًا إلى اقتصاد السوق.
وترى كلاين أن هذه الفترة قدمت نموذجًا صارخًا لتطبيق تغييرات اقتصادية واسعة في ظل مجتمع يعاني من اضطراب هائل.
الخصخصة السريعة وإعادة توزيع ملكية الشركات والأصول الحكومية أدت إلى ظهور طبقة من رجال الأعمال ذوي النفوذ الاقتصادي الهائل.
ومن منظور كلاين، فإن المشكلة لم تكن فقط في فكرة التحول إلى اقتصاد السوق، وإنما في السرعة والظروف والطريقة التي جرى بها تنفيذ التحول.
وهذه نقطة تفتح نقاشًا أوسع:
هل الإصلاح الاقتصادي الذي يحدث أثناء الانهيار يكون إصلاحًا فعلًا، أم يمكن أن يتحول إلى عملية لإعادة توزيع الثروة؟
العراق.. نموذج «الصدمة» في القرن الحادي والعشرين
يحتل العراق مكانة محورية في الكتاب، خصوصًا في النسخة التي صدرت بعد الغزو الأميركي عام 2003، وترى كلاين أن العراق يقدم نموذجًا واضحًا للعلاقة بين:
الحرب، وانهيار مؤسسات الدولة، والفراغ، وإعادة البناء وفق نموذج اقتصادي جديد.
وتشير إلى أن الغزو لم يؤد فقط إلى إسقاط النظام السياسي، وإنما إلى تفكيك مؤسسات واسعة من الدولة، ثم فتح المجال أمام إعادة تشكيل الاقتصاد.
ومن أبرز القضايا التي تناقشها:
- الخصخصة.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة.
- عقود الشركات.
- شركات الأمن الخاصة.
- إعادة الإعمار.
- النفط.
- تداخل الحرب مع المصالح التجارية.
وهنا تطور كلاين مفهومًا بالغ الأهمية:
«مجمع الكوارث الصناعي»
أي ظهور شبكة من الشركات والمؤسسات التي يمكن أن تحقق أرباحًا ضخمة من الحرب وإعادة الإعمار والأمن والطوارئ، فالحرب، في هذه الحالة، لا تصبح فقط حدثًا عسكريًا؛ بل تنشئ اقتصادًا كاملًا حولها.
إعصار كاترينا
من أشهر الأمثلة التي استخدمتها كلاين إعصار كاترينا الذي ضرب مدينة نيو أورلينز عام 2005ن فالكارثة الطبيعية دمرت أجزاء واسعة من المدينة، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان.
لكن كلاين تهتم بما حدث بعد الكارثة، وتشير إلى أن إعادة بناء المدينة لم تكن مجرد عملية ترميم للبنية التحتية، وإنما أصبحت فرصة لإعادة النظر في:
- المدارس.
- الإسكان.
- الخدمات العامة.
- ملكية الأراضي.
- دور الدولة.
ومن هنا تظهر الفكرة الأساسية للكتاب مرة أخرى:
الكارثة تنتهي، لكن إعادة البناء قد تغير طبيعة المجتمع الذي كانت الكارثة قد أصابته.
وهذه إحدى أقوى أفكار الكتاب صحفيًا؛ لأنها تنقل الاهتمام من صور الكارثة إلى الصراع الذي يبدأ بعد اختفاء الكاميرات.
«رأسمالية الكوارث»
هنا تصل كلاين إلى مفهومها الأشهر.. رأسمالية الكوارث لا تعني أن الكوارث تُصنع دائمًا لتحقيق الربح.
بل تشير إلى نظام اقتصادي يمكن أن تستفيد فيه بعض الشركات والمؤسسات من الكوارث بعد وقوعها، عبر عقود إعادة الإعمار، والأمن، والطاقة، والخدمات، والخصخصة.
فالشركة التي تحقق أرباحًا من إعادة إعمار مدينة مدمرة ليست بالضرورة هي التي تسببت في تدميرها.
وهنا يجب التمييز بين: صناعة الكارثة، واستغلال نتائج الكارثة.
الحرب على الإرهاب
توسع كلاين مفهومها ليشمل مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وترى أن الخوف العالمي من الإرهاب أدى إلى توسع هائل في صناعات الأمن والمراقبة والدفاع والتعاقدات الحكومية، ومن هنا ظهر قطاع اقتصادي كامل قائم على:
- الأمن الخاص.
- المراقبة.
- التكنولوجيا الأمنية.
- تحليل البيانات.
- إدارة الحدود.
- السجون الخاصة.
- العقود العسكرية.
وتقول كلاين إن الخطر يكمن في تحول الاستثناء إلى قاعدة؛ أي أن الإجراءات التي تُبرر بأنها مؤقتة بسبب الأزمة قد تتحول تدريجيًا إلى جزء دائم من النظام السياسي والاقتصادي.
أخطر سؤال في الكتاب
ربما لا يكون السؤال الأهم في «عقيدة الصدمة»: هل هناك من يصنع الأزمات؟، بل: ماذا يحدث عندما تقع الأزمة؟
وهذا فارق جوهري، لأن الكوارث لا تحتاج بالضرورة إلى مؤامرة حتى يستفيد منها أحد.
زلزال قد يقع بلا تدخل بشري، وحرب قد تبدأ لأسباب متعددة، وأزمة اقتصادية قد تنتج عن أخطاء تراكمية، لكن بمجرد وقوعها، تبدأ معركة أخرى: من سيعيد بناء النظام؟
وهنا ترى كلاين أن هذه اللحظة هي التي يجب أن تكون موضع الرقابة الديمقراطية الأكبر.
قوة الكتاب
قوة كلاين الأساسية ليست في كونها خبيرة اقتصادية تقليدية، وإنما في كونها صحفية تبحث عن القصة خلف الأرقام، فهي لا تكتفي بالسؤال: ماذا حدث للاقتصاد؟، بل تسأل: من اتخذ القرار؟، ومن استفاد؟، ومن خسر؟، ومن كان موجودًا حول طاولة القرار؟، وما الشركات التي حصلت على العقود؟، وما الذي تغير في التشريعات؟، وومن دفع الثمن اجتماعيًا؟
وهذه الطريقة تجعل الكتاب أقرب إلى تحقيق صحفي طويل منه إلى كتاب اقتصادي أكاديمي تقليدي.
ما الذي يميز «عقيدة الصدمة» عن كتب نظرية المؤامرة؟
هذه نقطة مهمة للغاية، فرغم أن الكتاب يتحدث عن شبكات مصالح وقوى اقتصادية واستغلال للأزمات، فإنه يختلف في منهجه عن كثير من الكتب التي تفترض وجود غرفة سرية واحدة تدير العالم.
كلاين لا تحتاج دائمًا إلى افتراض وجود «عقل مركزي» خلف كل حدث، حيث يمكن أن يحدث الاستغلال من خلال تلاقي المصالح: شركة تريد عقدًا، وحكومة تريد تقليل الإنفاق، ومستثمر يريد شراء أصول، وسياسي يريد تمرير إصلاح، وأزمة تعطل قدرة المعارضة على المقاومة.
وهكذا قد تنتج النتيجة النهائية دون أن يكون جميع الأطراف قد اجتمعوا مسبقًا لوضع خطة واحدة، وهذه ربما إحدى أكثر الأفكار نضجًا في الكتاب:
النظام قد ينتج النتيجة نفسها من خلال تفاعل المصالح، حتى دون وجود مؤامرة مركزية.
لذلك، فإن «عقيدة الصدمة» ليس كتابًا عن الكوارث بقدر ما هو كتاب عن من يملك حق إعادة تشكيل العالم بعد الكارثة.
فالأطروحة الأساسية لنعومي كلاين تقوم على أن الصدمة قد تكون لحظة ضعف جماعي، وفي الوقت نفسه لحظة قوة استثنائية لمن يمتلك القدرة على اتخاذ القرار.
ومن تشيلي إلى روسيا، ومن العراق إلى نيو أورلينز، ومن الحروب إلى الكوارث الطبيعية، تحاول كلاين تتبع نمط متكرر: كارثة أو أزمة → مجتمع مرتبك → قرارات استثنائية → تغييرات اقتصادية عميقة → مستفيدون وخاسرون جدد.





اترك تعليقاً