شن الطيران “الإسرائيلي” فجر الثلاثاء ثماني غارات على مدرج مطار أبو الظهور العسكري، متسببًا في أضرار طالت بنيته التحتية، في أول استهداف من هذا النوع للموقع منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024م، الموافق جمادى الآخرة 1446هـ.
لم يكن استهداف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي مجرد غارة جديدة على منشأة عسكرية سورية، بل حمل في توقيته وموقعه دلالات سياسية تتجاوز حدود المطار نفسه، بعدما وضع ثلاثة أطراف ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن أمام اختبار جديد: “إسرائيل” وتركيا وسوريا.
وتكتسب الضربة حساسية استثنائية لأن المطار يقع في منطقة ترتبط بالنفوذ التركي في شمال سوريا، في وقت تعمل فيه أنقرة على ترسيخ حضورها العسكري والسياسي داخل البلاد، بينما تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى منع تحول سوريا الجديدة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين حلفائها وشركائها الإقليميين.

مبرر “إسرائيلي”: منع التمدد العسكري التركي
بحسب ما نقله موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أميركيين و”إسرائيليين”، أبلغت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إدارة ترمب بأن الضربة استهدفت منع تعزيز الوجود العسكري التركي في قاعدة أبو الظهور.
هذه الرواية تجعل المطار جزءًا من صراع أوسع على شكل الترتيبات العسكرية في سوريا، وليس مجرد هدف عسكري منفصل.
فالمخاوف “الإسرائيلية”، وفق الرواية التي نقلها الموقع، ترتبط باحتمال تحول المنشأة إلى نقطة ارتكاز للقوات التركية، وهو ما تعتبره تل أبيب تطورًا قد يغير ميزان القوى في شمال سوريا ويمنح أنقرة قدرة أكبر على الحركة العسكرية بالقرب من مناطق ذات حساسية استراتيجية.
وبذلك، تبدو الضربة رسالة مزدوجة؛ فهي من جهة موجهة إلى أي قوة تحاول إنشاء وجود عسكري في الموقع، ومن جهة أخرى تحمل تحذيرًا مباشرًا إلى تركيا من أن إعادة بناء القدرات العسكرية السورية أو استخدام القواعد القديمة قد تواجه برد عسكري إذا رأت “إسرائيل” أنها تمس مصالحها الأمنية.
لكن اختيار أبو الظهور تحديدًا يضيف بعدًا آخر إلى الرسالة، فالمطار ليس منشأة هامشية، وإنما قاعدة تقع في منطقة تربط جغرافيًا بين إدلب وحلب وحماة، وتشكل نقطة اتصال مهمة باتجاه البادية السورية.
غضب في البيت الأبيض.. لكن بلا خطوط حمراء
الضربة لم تمر بهدوء داخل واشنطن، فوفق “أكسيوس”، أثار الهجوم غضب مسؤولين كبار في البيت الأبيض، بعدما وجدت الإدارة الأميركية نفسها أمام تحرك “إسرائيلي” يمكن أن يؤدي إلى رفع مستوى التوتر بين شركاء للولايات المتحدة في وقت تحاول فيه واشنطن خفض التصعيد في المنطقة.
وتزداد حساسية الموقف بالنسبة إلى ترمب بسبب حساباته الخاصة تجاه سوريا وتركيا، حيث تنظر الإدارة الأميركية إلى سياستها الجديدة تجاه حكومة الرئيس أحمد الشرع في دمشق باعتبارها أحد إنجازاتها المهمة في السياسة الخارجية، في الوقت الذي يحافظ فيه ترمب على علاقة وثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ومن ثم فإن أي ضربة تستهدف منشأة يمكن أن تدخل ضمن الحسابات العسكرية التركية في سوريا تضع الإدارة الأميركية أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ واشنطن على تحالفها الوثيق مع “إسرائيل”، وفي الوقت نفسه تمنع حليفًا آخر، هو تركيا، من الانجرار إلى مواجهة عسكرية جديدة؟
وتكشف الأزمة في الوقت ذاته حدود قدرة البيت الأبيض على فرض قيود فعلية على التحركات “الإسرائيلية”.
فحتى مع تصاعد الاستياء داخل الإدارة الأميركية، تشير قراءة “أكسيوس” إلى أن واشنطن نادرًا ما تكون مستعدة لوضع خطوط حمراء واضحة أمام نتنياهو، الأمر الذي يسمح بهامش واسع من الحركة العسكرية “الإسرائيلية”، حتى عندما تتعارض بعض التحركات مع الحسابات الأميركية الأوسع.
أبو الظهور.. قاعدة ولدت من رحم الحرب السورية
لا يمكن فهم دلالة القصف الحالي من دون العودة إلى تاريخ مطار أبو الظهور، الذي تحول خلال سنوات الحرب السورية من قاعدة تابعة لسلاح الجو إلى أحد أبرز رموز الصراع على شمال البلاد.
يقع المطار إلى الشرق من مدينة إدلب بنحو 40 كيلومترًا، بالقرب من بلدة أبو الظهور، ويمتد في منطقة ذات أهمية جغرافية وعسكرية، إذ يقع ضمن المجال الذي تتقاطع فيه طرق ومحاور تربط إدلب بحماة وحلب والبادية السورية.
وتختلف التقديرات بشأن مساحته، إلا أن المصادر التي تناولت تاريخه تشير إلى أنه من أكبر المنشآت الجوية العسكرية في شمال سوريا، ويضم مدارج وحظائر ومنشآت عسكرية متعددة.
وتنبع أهميته من موقعه أكثر مما تنبع من حالته الفنية الحالية؛ فالمطار تعرض خلال سنوات الحرب لأضرار واسعة، ولم يعد إلى الخدمة الكاملة بالصورة التي كان عليها قبل الحرب.
لكن المنشآت العسكرية القديمة لا تفقد قيمتها بالضرورة بمجرد خروجها من الخدمة، إذ يمكن إعادة تأهيلها وتحويلها إلى نقاط تمركز أو إمداد أو مراقبة، وهو ما يفسر حساسية أي تحرك عسكري في محيطها.
ثلاث سنوات من الحصار قبل سقوط القاعدة
كان أبو الظهور من أبرز مواقع المواجهة بين قوات النظام السوري وفصائل المعارضة خلال السنوات الأولى للحرب.
وبعد حصار استمر سنوات، تمكنت فصائل المعارضة من السيطرة على المطار في سبتمبر 2015م، الموافق ذو الحجة 1436هـ، لتسقط بذلك واحدة من أهم القواعد الجوية التابعة للنظام في شمال البلاد.
وكان سقوط القاعدة آنذاك ضربة عسكرية ورمزية كبيرة، بالنظر إلى موقعها وقدرتها على دعم العمليات الجوية في المنطقة.
لكن السيطرة لم تستمر طويلًا على المستوى الاستراتيجي، ففي يناير 2018م، الموافق جمادى الأولى 1439هـ، تمكنت قوات النظام السوري، مدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، من استعادة المطار بعد تقدم عسكري واسع في ريف إدلب الشرقي.
وجاءت العملية بعد السيطرة على عدد من المناطق المحيطة بالمطار، وصولًا إلى المنشأة العسكرية تحت غطاء جوي مكثف.
وبذلك عاد أبو الظهور إلى سيطرة النظام، لكنه ظل منشأة متضررة، قبل أن تتغير خريطة السيطرة على المنطقة مجددًا في السنوات التالية.
من قاعدة للأسد إلى موقع في سوريا ما بعد الأسد
يمثل التحول السياسي والعسكري الذي شهدته سوريا نهاية عام 2024م، الموافق جمادى الآخرة 1446هـ، نقطة فاصلة في تاريخ المطار.
فمع سقوط نظام الأسد، دخلت القواعد الجوية السورية القديمة مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعدما انهارت البنية العسكرية التي كانت تديرها، وأصبحت المنشآت السابقة جزءًا من حسابات القوى الجديدة والإقليمية.
وفي شمال سوريا، تزداد أهمية هذه الحسابات بسبب الحضور التركي الواسع، إذ تمتلك أنقرة نفوذًا عسكريًا وسياسيًا ممتدًا في إدلب وحلب ومناطق أخرى.
ومن هنا تأتي أهمية الضربة الأخيرة: فهي أول استهداف “إسرائيلي” للمطار بعد سقوط نظام الأسد، وتأتي في منطقة لم تعد محكومة بالمعادلة القديمة بين النظام والمعارضة، وإنما أصبحت جزءًا من ترتيبات جديدة تتداخل فيها دمشق وأنقرة وواشنطن وتل أبيب.
أبو الظهور ليس القاعدة السورية الوحيدة في بنك الأهداف
استهداف أبو الظهور يأتي ضمن سياق أوسع من الضربات التي طالت منشآت جوية وعسكرية سورية على مدار سنوات.
وقد ركزت “إسرائيل” بصورة خاصة على القواعد التي ترى أن موقعها أو قدراتها يمكن أن توفر أرضية لنشاط عسكري تعتبره تهديدًا لمصالحها.
ومن أبرز هذه المنشآت:
قاعدة التيفور.. عقدة البادية السورية
تقع قاعدة التيفور الجوية، المعروفة باسم T4، في ريف حمص الشرقي بين حمص وتدمر، وتعد من أكبر القواعد الجوية السورية.
واكتسبت القاعدة أهمية مضاعفة بسبب موقعها في البادية، وقربها من طرق ومناطق استراتيجية وحقول للغاز، فضلًا عن استخدامها خلال سنوات الحرب من جانب القوات السورية، وارتباطها في فترات مختلفة بوجود روسي وإيراني.
ولهذا أصبحت القاعدة هدفًا متكررًا للضربات “الإسرائيلية”، بما في ذلك هجمات خلال عام 2025م، الموافق 1446هـ.

مطار حماة.. قاعدة العمليات في وسط البلاد
كان مطار حماة العسكري من أبرز المطارات القتالية التابعة لسلاح الجو السوري السابق، وموقعه غرب مدينة حماة منحه أهمية كبيرة في إدارة العمليات الجوية باتجاه وسط البلاد وشمالها، كما جعل منه منشأة عسكرية ذات قيمة عملياتية خلال سنوات الحرب.
وتشير تقديرات إلى أن المطار لعب دورًا بارزًا في الطلعات القتالية منذ عام 2016م، الموافق 1437هـ، مستفيدًا من موقعه المركزي نسبيًا.
ولهذا ظل المطار ضمن المنشآت التي تحظى باهتمام عسكري كبير، خصوصًا مع تصاعد عمليات الاستهداف “الإسرائيلية” للمنشآت الجوية السورية.

تدمر.. بوابة البادية
يقع مطار تدمر العسكري في ريف حمص الشرقي بالقرب من المدينة التاريخية، ويتمتع بأهمية تتجاوز وظيفته الجوية المباشرة.
فموقعه في قلب البادية السورية يجعله قريبًا من مناطق غنية بالموارد، ولا سيما الغاز والفوسفات، كما يمنحه قدرة على الوصول إلى مساحات واسعة من وسط وشرق البلاد.
وفي ربيع 2025م، الموافق ربيع الآخر وشوال 1446هـ، دخل المطار ضمن المنشآت الجوية التي تعرضت للاستهداف، في سياق العمليات التي طالت البنية العسكرية السورية.

المزة.. القاعدة الأقرب إلى قلب دمشق
يختلف مطار المزة العسكري عن أبو الظهور وتدمر من حيث الموقع والوظيفة، فالمطار يقع جنوب غربي دمشق، بالقرب من مراكز عسكرية وأمنية شديدة الحساسية، وهو ما منحه أهمية خاصة داخل منظومة حماية العاصمة.
ويضم الموقع مدرجًا طويلًا وحظائر وملاجئ محصنة ومنشآت عسكرية، الأمر الذي جعله من أكثر المنشآت الجوية السورية حساسية خلال سنوات الحرب.
ولهذا تعرض المطار بدوره لضربات “إسرائيلية” متكررة، باعتباره جزءًا من شبكة عسكرية تقع في محيط العاصمة السورية.

الشعيرات.. قاعدة المقاتلات الثقيلة
يقع مطار الشعيرات العسكري على مسافة تقارب 31 كيلومترًا جنوب شرقي حمص، وكان من أهم القواعد الجوية السورية.
ويضم المطار مدرجين وعددًا كبيرًا من الحظائر الإسمنتية، كما ارتبط تشغيله بطائرات حربية من طرازات سوخوي وميغ، إضافة إلى وجود تجهيزات رادارية ودفاعية.
وتمنحه هذه الإمكانات أهمية خاصة ضمن منظومة القواعد الجوية في وسط سوريا، وهو ما جعله أيضًا ضمن المنشآت التي تعرضت للاستهداف.

مطارات أخرى قد تعود إلى دائرة الاهتمام
إلى جانب القواعد التي تعرضت لهجمات بالفعل، توجد منشآت جوية أخرى قد تكتسب أهمية متزايدة مع إعادة تشكيل الخريطة العسكرية السورية.
ويبرز بينها مطار منغ العسكري شمال حلب، الذي يتمتع بموقع حساس بسبب قربه من مناطق إعزاز وتل رفعت وعفرين والحدود التركية.
وتزداد أهمية الموقع بسبب موقعه الجغرافي في منطقة تتقاطع فيها المصالح السورية والتركية، ما يجعله مرشحًا لأن يكون جزءًا من الحسابات العسكرية المستقبلية في الشمال.
كما يبرز مطار القامشلي في محافظة الحسكة، فضلًا عن قاعدة حميميم الجوية على الساحل السوري، باعتبارهما من أهم المنشآت الجوية التي يمكن أن تكون لها أدوار مؤثرة في أي ترتيبات عسكرية مقبلة.
لماذا يمثل أبو الظهور مشكلة أكبر من مجرد مطار؟
تكمن خطورة التطور الأخير في أن القصف لا يجري داخل سوريا القديمة التي كانت تخضع لسيطرة نظام واحد، بل في سوريا جديدة تتشكل فيها مراكز نفوذ متعددة.
فالمطار يقع في منطقة ذات أهمية بالنسبة إلى تركيا، بينما تعتبره “إسرائيل” موقعًا يمكن أن يتحول إلى نقطة عسكرية ذات تأثير على أمنها الإقليمي، في حين تنظر واشنطن إلى استقرار سوريا وعلاقاتها مع أنقرة ودمشق باعتبارها ملفات مترابطة.
وبذلك أصبح مدرج أبو الظهور الصغير نسبيًا جزءًا من معادلة أكبر بكثير من مساحته الجغرافية.
فالضربة “الإسرائيلية” تحمل رسالة إلى دمشق وأنقرة، لكنها في الوقت ذاته وضعت واشنطن أمام واقع جديد: استمرار تل أبيب في تنفيذ عمليات عسكرية داخل سوريا وفق تقديراتها الأمنية الخاصة، حتى عندما تخشى الإدارة الأميركية أن يؤدي ذلك إلى احتكاك مع شركائها الآخرين.
معركة النفوذ فوق مدرج مهجور
قد يبدو مطار أبو الظهور اليوم أقل أهمية مما كان عليه عندما كان قاعدة جوية نشطة، لكن الجغرافيا العسكرية لا تختفي بخروج الطائرات من الخدمة.
فالموقع الذي يربط شمال سوريا بوسطها ويفتح باتجاه البادية، والقريب من مناطق النفوذ التركي، يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ورقة في ترتيبات القوة الجديدة.
ومن هنا تبدو الغارات الثماني أكثر من عملية تدمير لمدرج، إنها محاولة للتأثير في مستقبل منشأة يمكن أن تصبح جزءًا من البنية العسكرية لسوريا الجديدة.
وفي المقابل، فإن الغضب الذي أثارته العملية داخل البيت الأبيض يكشف أن الصراع على القواعد السورية لم يعد شأنًا سوريًا صرفًا، بل أصبح جزءًا من منافسة أوسع بين حلفاء وشركاء واشنطن نفسها.
وبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى تثبيت واقع سياسي جديد في دمشق، تحاول “إسرائيل” ضمان ألا يتحول هذا الواقع إلى مصدر تهديد جديد على حدودها أو إلى مساحة لنفوذ عسكري تركي متزايد.






اترك تعليقاً