أثارت إقالة اثنين من كبار مسؤولي جهاز الموساد “الإسرائيلي” جدلاً واسعاً داخل المؤسسة الاستخباراتية، بعدما ربطت القيادة الإسرائيلية الخطوة بالفشل في تنفيذ خطة كانت تستهدف تغيير النظام في إيران، بينما تقدم روايات من داخل الجهاز تفسيراً مختلفاً تماماً، يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد السابق ديفيد برنياع في قلب المسؤولية عن الخطة ونتائجها.
وبحسب مصادر سياسية في تل أبيب، فإن قرار رئيس الموساد الحالي رومان غوفمان بإبعاد مسؤولين بارزين أحدث حالة من الاضطراب داخل الجهاز، ودفع عدداً من كبار العاملين فيه إلى التفكير في مغادرة مناصبهم، وسط اعتقاد متزايد بأن الإقالات لا ترتبط حصراً بتقييم مهني للخطة الإيرانية، وإنما بصراع أوسع على النفوذ والمسؤولية السياسية عن إخفاقها.
الإقالات تشعل الخلاف
المسؤولان اللذان طالتهما القرارات هما رئيسة شعبة الاستخبارات في الموساد، التي لم تكن قد أمضت سوى فترة قصيرة في منصبها، ورئيس قسم إيران في الجهاز، المعروف بالحرف «ي».
وكانت الرواية التي جرى تداولها داخل الأوساط “الإسرائيلية” تفيد بأن المسؤولين شاركا بصورة أساسية في إعداد النسخة النهائية من خطة تستهدف تغيير النظام في طهران، وأن فشلها أدى إلى تراجع صورة القيادة “الإسرائيلية” أمام الولايات المتحدة وأجهزة الاستخبارات الأجنبية.
لكن هذه الرواية لم تحظَ بقبول واسع داخل الموساد، إذ يرى مسؤولون أن تحميل الرجلين مسؤولية إخفاق الخطة يتجاهل طبيعة القرار السياسي الذي وقف خلفها، وكذلك الدور المباشر الذي لعبه رئيس الوزراء ورئيس الجهاز السابق في بلورة تصورها وتقديمه إلى الحلفاء الأميركيين.

رواية مضادة: نتنياهو وبرنياع كانا وراء الخطة
مصادر داخل الموساد تقول إن الخطة لم تكن مبادرة منفصلة من المسؤولين اللذين تمت إقالتهما، وإنما ارتبطت بصورة مباشرة بالقيادة العليا للجهاز وبنتنياهو.
ووفق هذه الرواية، فإن برنياع ونائبه كانا من أبرز من صاغوا التصور العملياتي، قبل أن يتبناه نتنياهو ويقدمه إلى عدد من القادة الدوليين، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وكان التصور يقوم، بحسب المصادر، على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بالتزامن مع دعم تحرك بري تقوده مجموعات من الأكراد الإيرانيين، بدعم من أكراد العراق، على أن يوفر الطيران “الإسرائيلي” والأميركي الغطاء الجوي للعملية.
وتشير الرواية إلى أن بعض المسؤولين الأميركيين الذين اطلعوا على الخطة اعتبروها غير واقعية، إلا أن ترمب منح القيادة “الإسرائيلية” فرصة للمضي فيها، بعدما تلقى تأكيدات من نتنياهو بشأن وجود عناصر إيرانية يمكن أن تسهم في عملية تغيير السلطة داخل طهران.
أحمدي نجاد في قلب خطة تغيير النظام
أحد أكثر جوانب الخطة إثارة للجدل كان الاعتماد على الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد باعتباره شخصية يمكن أن تؤدي دوراً في مرحلة ما بعد تغيير النظام.
وتقول المصادر “الإسرائيلية” التي تحدثت عن الخطة إن نتنياهو أبلغ ترمب بأن إسرائيل نجحت في تجنيد أحمدي نجاد، وأنه يمكن أن يمثل أحد عناصر القيادة الإيرانية البديلة بحكم خلفيته السابقة وعلاقاته داخل مؤسسات الدولة والحرس الثوري.
لكن الخطة تعرضت لضربة مبكرة عندما وقع هجوم “إسرائيلي” على موقع إقامة أحمدي نجاد في طهران خلال بداية الحرب، وفق رواية أوردتها تقارير صحافية أميركية.
وبحسب تلك الرواية، كان الهدف من الهجوم تمكين أحمدي نجاد من الخروج من الإقامة الجبرية عبر استهداف الحراس المحيطين به، إلا أن العملية لم تجرِ كما كان مخططاً لها، وأصيب الرئيس الإيراني الأسبق بدلاً من أن يخرج من موقعه.
وتشير الرواية ذاتها إلى أن الحادثة دفعت أحمدي نجاد إلى إعادة النظر في تعاونه مع الخطة، قبل أن تتدهور العلاقة بصورة أكبر، فيما اتجه الجانب “الإسرائيلي” إلى كشف صلته بالمشروع.

لماذا انهارت الخطة “الإسرائيلية”؟
تطرح التطورات التي أعقبت بداية الحرب سؤالاً أساسياً حول مدى واقعية الرهان الإسرائيلي على تغيير النظام الإيراني من خلال الضغط العسكري.
فالموساد، وفق روايات متداولة داخل الجهاز، لم يكن يتعامل مع إسقاط النظام باعتباره نتيجة يمكن تحقيقها بضربة عسكرية واحدة، وإنما باعتباره عملية طويلة تبدأ بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وإظهار عجز القيادة عن حماية مؤسساتها وكبار مسؤوليها، ثم استثمار هذه الهشاشة في مرحلة لاحقة.
لكن الانتقال من إضعاف الدولة الإيرانية إلى إسقاط نظامها السياسي ثبت أنه أكثر تعقيداً من التقديرات الأولية.
وتقول مصادر “إسرائيلية” إن الخطة اصطدمت أيضاً بعوامل سياسية وعسكرية، من بينها عدم تنفيذ بعض عناصرها البرية، وهو ما أضعف التصور الذي بُني عليه المشروع منذ البداية.
غوفمان يعيد ترتيب أوراق الموساد
في المقابل، تقدم رواية أخرى تفسيراً مختلفاً لقرارات الإقالة، إذ تربطها بمحاولة رومان غوفمان إحكام قبضته على جهاز الموساد وإعادة تشكيل القيادة العليا وفق رؤيته الخاصة.
وتشير هذه الرواية إلى أن غوفمان بدأ منذ توليه رئاسة الجهاز بإجراء تغييرات داخلية، شملت نائب رئيس الموساد، وأن القرارات الأخيرة تأتي ضمن عملية أوسع لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل المؤسسة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن المسؤولين اللذين غادرا منصبيهما لم يُطردا بالضرورة بسبب فشل الخطة الإيرانية، بل ربما كان رحيلهما نتيجة خلافات مع النهج الجديد الذي يريد غوفمان فرضه داخل الجهاز.
وتذهب روايات متداولة في أوساط الموساد إلى أن الرجلين كانا يتمتعان بتقدير مهني واسع، وأن خروجهما جاء في إطار تفاهم، وليس كعقوبة مباشرة على فشل عملية تغيير النظام في إيران.
هل يحاول نتنياهو نقل المسؤولية؟
الجدل الداخلي لم يتوقف عند حدود الموساد، بل امتد إلى مكتب نتنياهو، الذي سارع إلى تقديم الإقالات باعتبارها نتيجة مباشرة لفشل الخطة التي جرى التوصل بشأنها مع الإدارة الأميركية.
وترى مصادر داخل الجهاز أن هذا التفسير يخدم هدفاً سياسياً يتجاوز المؤسسة الاستخباراتية، يتمثل في تخفيف الضغط عن رئيس الوزراء، خصوصاً بعدما أصبح واضحاً أن الخطة لم تحقق أهدافها التي رُسمت لها.
وتقول هذه المصادر إن نتنياهو كان صاحب القرار السياسي الأعلى، وإن الموساد يعمل تحت سلطة مكتبه، وبالتالي فإن تحميل مسؤولين استخباراتيين متوسطين أو كبار مسؤولية إخفاق مشروع استراتيجي بهذا الحجم لا يعكس، في رأيهم، التسلسل الحقيقي لصناعة القرار.
صفقة سياسية وراء إعادة توزيع المسؤوليات؟
ذهب المحلل الأمني والاستراتيجي رونين بيرغمان إلى أبعد من ذلك، إذ طرح احتمال أن تكون إعادة ترتيب القيادة داخل الموساد مرتبطة بتفاهم سابق بين غوفمان ونتنياهو.
وبحسب هذا التصور، فإن رئيس الموساد الجديد قد يكون معنياً بإظهار نفسه قائداً حازماً يتعامل بقسوة مع من يعتبرهم مسؤولين عن تضليل الحكومة والحلفاء الأميركيين، في مقابل توفير غطاء سياسي لنتنياهو أمام واشنطن.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة في ظل العلاقة المعقدة بين نتنياهو وترامب، ولا سيما بعدما أصبح الرئيس الأميركي أمام نتيجة مغايرة للتوقعات التي بُنيت عليها الخطة “الإسرائيلية”.

كيف بدأت الخطة “الإسرائيلية” – الأميركية ضد إيران؟
ترجع جذور العملية، وفق المعلومات المتداولة، إلى خطة مشتركة وضعتها “إسرائيل” والولايات المتحدة بصورة تفصيلية، قبل أن تدخل مرحلة التنفيذ في نهاية فبراير/شباط.
وكان التصور يعتمد بدرجة كبيرة على القدرات “الإسرائيلية” في مجال الاغتيالات والعمليات السرية، بالتوازي مع تنفيذ “إسرائيل” الجزء الأكبر من الضربات الجوية.
لكن أحد أهم عناصر الخطة، وفق الروايات “الإسرائيلية”، كان يتطلب تحركاً برياً داخل إيران، وهو ما ارتبط بدور مجموعات كردية مدعومة من الخارج.
ومع تعثر هذا العنصر، فقد المشروع جزءاً أساسياً من بنيته، خصوصاً أن الضربات الجوية وحدها لم تكن كافية لإحداث الانهيار السياسي الذي توقعه مخططو العملية.
فشل الخطة يهز صورة القيادة “الإسرائيلية”
لا يتعلق الخلاف داخل الموساد بتحديد المسؤولين عن الإقالات فقط، بل يمتد إلى تقييم أوسع لأداء القيادة “الإسرائيلية” خلال الحرب.
فإذا كانت الخطة قد صُممت على أساس أن إضعاف إيران عسكرياً سيفتح الطريق أمام تغيير سياسي في طهران، فإن بقاء النظام وقدرته على مواصلة العمل يمثل إخفاقاً في الفرضية الأساسية التي قامت عليها العملية.
كما أن فشل الرهان على عنصر داخلي قادر على قيادة مرحلة ما بعد النظام يضاعف من حجم المشكلة، لأن أي عملية لتغيير السلطة تحتاج إلى بديل سياسي وأمني قادر على ملء الفراغ، وليس مجرد إضعاف المؤسسات القائمة.
نتنياهو وترامب أمام كلفة سياسية متزايدة
وتعكس الأزمة الحالية داخل الموساد في جانب منها محاولة لإعادة توزيع المسؤولية عن مشروع أثبتت التطورات أنه أكثر تعقيداً مما افترضته التقديرات “الإسرائيلية” والأميركية.
وبحسب الروايات التي تتداولها مصادر إسرائيلية، فإن نتنياهو دفع باتجاه الخطة، بينما قدم برنياع تصوراتها العملياتية، ومنح ترامب دعماً سياسياً للمشروع قبل أن تتغير حساباته لاحقاً.
ومن هنا، فإن إبعاد مسؤولين في الموساد وتقديم الخطوة باعتبارها عقاباً على فشل الخطة قد لا ينهي الجدل، بل يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول الجهة التي اتخذت القرارات الأساسية، ومن يتحمل مسؤولية تقدير فرص نجاحها.
معركة داخلية تتجاوز الإقالات
وكشفت وسائل إعلام يهودية أن أزمة الموساد الحالية أكبر من مجرد تغيير في أسماء قيادية، مشيرة إلى أنها تعكس صراعاً على تفسير ما حدث، وعلى الجهة التي يجب أن تتحمل كلفة الفشل.
فبينما تسعى الرواية الرسمية إلى تقديم الإقالات باعتبارها محاسبة لمسؤولين أخفقوا في تنفيذ مشروع بالغ الحساسية، تطرح روايات من داخل الجهاز صورة مختلفة، مفادها أن الخطة كانت نتاج قرار سياسي واستخباراتي أوسع، وأن تحميل مسؤولين اثنين نتائجها قد يكون محاولة لإغلاق ملف أكبر.
ومع استمرار تداعيات الحرب وتزايد الأسئلة حول جدوى الرهان على تغيير النظام في طهران، فإن معركة المسؤولية داخل “إسرائيل” تبدو مرشحة للتصاعد، خصوصاً إذا تحولت الإقالات إلى موجة أوسع من الاستقالات أو بدأت تفاصيل إضافية عن الخطة تظهر إلى العلن.
المصادر : وسائل إعلام يهودية
إقرأ أيضًا :
من الاستخبارات إلى مجالس إدارة كبرى الشركات.. مسار جديد لرؤساء الموساد بعد مغادرة مناصبهم





اترك تعليقاً