قانون «الوحدة القومية» في الصين.. تشريع جديد يضيّق الخناق على هوية الأويغور

thediplomat 2026 08 06 233037

دخل قانون «تعزيز الوحدة والتقدم الإثني» في الصين حيز التنفيذ في الأول من يوليو/تموز 2026، ليضع إطارًا قانونيًا وطنيًا لسياسات كانت تُطبّق بصورة متفرقة في مناطق الأقليات، وفي مقدمتها شينجيانغ والتبت. وبينما تقدمه بكين باعتباره تشريعًا لتعزيز الوحدة الوطنية والتنمية والتعايش بين المجموعات الإثنية، يرى منتقدوه أنه ينقل سياسة دمج الأقليات من نطاق الإجراءات الحكومية إلى مستوى القانون، بما يجعل إعادة تشكيل الهوية الثقافية واللغوية والدينية جزءًا من منظومة قانونية أوسع.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأويغور في شينجيانغ التي تعرف بتركستان الشرقية، حيث سبقت القانون سنوات من السياسات الأمنية والرقابية التي أثارت انتقادات حقوقية دولية، وشملت الاعتقال التعسفي، والمراقبة واسعة النطاق، والفصل الأسري، والعمل القسري، والقيود على الممارسات الدينية والثقافية. وبذلك يأتي القانون الجديد فوق واقع قائم أصلًا، ليمنح توجهات «الوحدة» و«الاندماج» إطارًا قانونيًا أكثر اتساعًا.

من التعددية الإثنية إلى هوية واحدة

تضم الصين عشرات المجموعات الإثنية المعترف بها رسميًا، وقد تبنت الدولة بعد تأسيس الجمهورية الشعبية نموذجًا يقوم، نظريًا، على الاعتراف بالتعددية الإثنية ومنح الأقليات قدرًا من الحكم الذاتي في مناطقها.

لكن السياسة أخذت خلال العقود الأخيرة منحى أكثر تركيزًا على بناء هوية وطنية مشتركة. ويأتي القانون الجديد في مقدمة هذا التحول، إذ يركز على ما تسميه السلطات «تكوين شعور راسخ بالمجتمع القومي الصيني»، وهو مفهوم يجعل الهوية الوطنية المشتركة هدفًا أساسيًا للسياسات التعليمية والثقافية والاجتماعية.

وتكمن الإشكالية بالنسبة إلى الأويغور في أن الهوية التي يُراد تعزيزها لا تأتي في فراغ؛ فشينجيانغ أو تركستان الشرقية، تمتلك لغة وثقافة وتقاليد دينية وتاريخية مميزة، فيما يرى منتقدو السياسات الصينية أن «الوحدة» يمكن أن تتحول عمليًا إلى إذابة للفوارق التي تميز هذه المجتمعات.

اللغة.. البوابة الأولى لإعادة تشكيل الهوية

يولي القانون الجديد التعليم واللغة أهمية كبيرة. فهو يدفع باتجاه جعل لغة الدولة والكتابة الصينية الموحدة الأساس في التعليم والحياة العامة، بينما تصبح لغات الأقليات، ومنها الأويغورية، في موقع ثانوي مقارنة باللغة الوطنية.

وتنص مواد القانون المتعلقة بالتعليم على دمج مفهوم «المجتمع القومي الصيني» في العملية التعليمية، إلى جانب استخدام المناهج الوطنية واللغة والكتابة المشتركة بوصفهما أساسًا للتدريس. وفي الحياة العامة، يعطي الإطار القانوني الجديد أولوية للغة والكتابة الوطنيتين في الاستخدامات الرسمية والعامة.

وهذا التحول يحمل دلالة تتجاوز مسألة لغة التدريس. فاللغة بالنسبة إلى الأقليات ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما وعاء للذاكرة والتاريخ والأدب والهوية. ولذلك فإن تقليص حضور اللغة الأويغورية في المدرسة والإدارة والفضاء العام يمكن أن يؤدي، على المدى الطويل، إلى إضعاف قدرتها على الانتقال الطبيعي بين الأجيال.

التعليم كأداة للاندماج

لا يقف القانون عند حدود اللغة، بل يجعل المدرسة إحدى الأدوات الرئيسية لبناء الهوية الوطنية الموحدة.

فالتشريع يشجع على الدراسة والعيش المشترك بين الطلاب المنتمين إلى مجموعات إثنية مختلفة، كما يدعم انتقال الطلاب بين المناطق، بما يوسع الاحتكاك بالمجتمع الصيني ذي الأغلبية الهانية.

وتُقدَّم هذه السياسات رسميًا باعتبارها وسيلة لتحقيق الاندماج والتكافؤ والتنمية المشتركة، لكن منتقدين يخشون أن يؤدي ذلك إلى وضع أبناء الأقليات داخل بيئة تعليمية واجتماعية تهيمن عليها اللغة والثقافة والمعايير السائدة لدى أغلبية الهان.

وبالنسبة إلى الأويغور، يأتي ذلك في سياق سبق أن شهد تغييرات واسعة في النظام التعليمي واللغوي، الأمر الذي يجعل القانون الجديد أكثر من مجرد تشريع إداري؛ فهو يضع التعليم نفسه في خدمة مشروع إعادة صياغة الهوية.

الدين تحت مظلة «التصيين»

يمتد القانون كذلك إلى المجال الديني. إذ يلزم المؤسسات والمنظمات الدينية بالمساهمة في تعزيز ما تسميه الدولة «الإحساس بالمجتمع القومي الصيني»، ويربط ممارسة الدين بمفهوم «تصيين الأديان».

ويعني ذلك أن النشاط الديني لا يُنظر إليه باعتباره مجالًا مستقلًا عن المشروع السياسي والثقافي للدولة، بل يُطلب منه أن يتوافق مع القيم التي تحددها السلطة وأن يخدم مفهومها للانسجام والوحدة الوطنية.

وتكتسب هذه النقطة حساسية خاصة في حالة الأويغور، الذين يشكل الإسلام عنصرًا محوريًا في هويتهم الثقافية والاجتماعية. لذلك فإن إخضاع المؤسسات الدينية بصورة أكبر لمتطلبات «الوحدة القومية» قد يوسع نطاق تدخل الدولة في الطريقة التي تُمارس بها الهوية الدينية وتُعبَّر عنها.

العمل والتنقل.. اندماج يتجاوز الثقافة

يستخدم القانون أيضًا التنمية الاقتصادية وحركة السكان كأدوات لتحقيق الاندماج.

فهو يشجع على زيادة التنقل بين المناطق، وإنشاء آليات لتسهيل حركة السكان بين المناطق ذات الأغلبية الإثنية والمناطق الأخرى، إلى جانب توسيع فرص الدراسة والعمل والتنمية المشتركة.

وفي الحالة الأويغورية، تكتسب هذه السياسات بعدًا حساسًا بسبب التقارير السابقة التي وثقت نقل أعداد من العمال الأويغور إلى مناطق أخرى في الصين ضمن برامج وصفتها السلطات بأنها برامج توظيف وتخفيف للفقر، بينما أثارت منظمات حقوقية مخاوف من ارتباط بعضها بالعمل القسري أو الضغط على السكان لتغيير بيئاتهم الاجتماعية والثقافية.

ومن ثم، فإن التركيز على «حركة السكان» داخل القانون الجديد يثير تساؤلات حول ما إذا كان الاندماج الاقتصادي سيؤدي إلى فرص متكافئة فعلًا، أم سيصبح وسيلة إضافية لإضعاف الحواجز اللغوية والثقافية بين الأقليات والأغلبية.

القانون يوسّع نطاق السياسة خارج الصين

من أكثر بنود القانون إثارة للجدل المادة 63، التي تنص على إمكانية تحميل منظمات وأفراد خارج الأراضي الصينية مسؤولية قانونية عن أفعال تعتبرها السلطات مضرّة بالوحدة الإثنية أو مفضية إلى الانقسام الإثني.

وهذا البعد يعني أن التشريع لا ينظر فقط إلى ما يحدث داخل الصين، بل يفتح الباب أمام امتداد تأثيره إلى النشاط الموجود خارج البلاد.

وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأويغور المقيمين في الخارج، والناشطين والباحثين والمنظمات التي تعمل على توثيق أوضاعهم؛ إذ يمكن أن تتسع مساحة ما تعتبره بكين تدخلًا في «الوحدة القومية».

وبذلك، لا يصبح القانون مجرد أداة لتنظيم العلاقات داخل المجتمع الصيني، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة إضافية للضغط على أصوات موجودة خارج الحدود.

ما الذي يتغير بالنسبة إلى الأويغور؟

المفارقة الأساسية أن القانون لا يبدأ من الصفر. فقد شهدت شينجيانغ خلال السنوات الماضية إجراءات أمنية واجتماعية واسعة استهدفت، بحسب تقارير أممية وحقوقية، الأويغور وغيرهم من الشعوب التركية المسلمة.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى القانون الجديد باعتباره انتقالًا من سياسات منفصلة ومحددة جغرافيًا إلى إطار قانوني وطني أشمل. فما كان يُنفذ في شينجيانغ أو التبت ضمن لوائح وحملات إقليمية يصبح الآن جزءًا من فلسفة تشريعية تنطبق على جميع المجموعات الإثنية المعترف بها رسميًا.

ومن هنا تتجاوز القضية مجرد قانون جديد؛ إذ إن السؤال الأعمق يتعلق بمستقبل التعددية الثقافية في الصين: هل ستبقى الأقليات محتفظة بهوياتها ولغاتها وممارساتها الخاصة ضمن الدولة، أم ستتجه السياسات تدريجيًا إلى دمجها في هوية وطنية واحدة تحدد الدولة معالمها؟

«الوحدة» أم إعادة صياغة الهوية؟

تؤكد بكين أن تعزيز الوحدة الإثنية ضروري للاستقرار والتنمية والتحديث، وأن دمج المجتمعات المختلفة في مشروع وطني واحد لا يعني بالضرورة القضاء على تنوعها.

لكن منتقدي السياسة الصينية يرون أن المشكلة تكمن في اختلال العلاقة بين «الوحدة» و«التنوع». فإذا كانت الدولة هي التي تحدد اللغة المهيمنة، والمناهج التعليمية، وشكل الممارسة الدينية، وأنماط التنقل والعمل، والتعبير المقبول عن الهوية، فإن مساحة الاختلاف الثقافي تصبح أضيق حتى وإن ظل الاعتراف الرسمي بالمجموعات الإثنية قائمًا.

وبالنسبة إلى الأويغور، فإن هذا القلق يأتي بعد سنوات من الضغوط على اللغة والدين والثقافة، ولذلك ينظر البعض إلى القانون باعتباره تثبيتًا قانونيًا لمسار بدأ قبل سنوات، لا بداية لمسار جديد.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن أهمية التشريع في كونه قانونًا آخر ينظم العلاقة بين القوميات، بل في كونه يعكس تصورًا متغيرًا لمفهوم الدولة نفسها: فبدل أن تكون الوحدة نتيجة لتعايش هويات متعددة داخل إطار وطني واحد، تصبح الوحدة هدفًا تسعى الدولة إلى تحقيقه عبر إعادة تشكيل تلك الهويات لتصبح أكثر تقاربًا مع تصور رسمي واحد للهوية الصينية.

وهنا يبرز مستقبل الأويغور بوصفه الاختبار الأكثر حساسية لهذا التحول؛ فبقاء اللغة والدين والثقافة لا يتوقف على الاعتراف بها في النصوص القانونية وحده، وإنما على مقدار المساحة التي تتركها الدولة للمجتمع كي يحافظ على خصوصيته ويورثها إلى أجياله.

إن كان القانون الجديد يمثل، من وجهة نظر بكين، وسيلة لبناء مجتمع أكثر وحدة وتماسكًا، فإن منتقديه يرون أن الوحدة التي تُبنى عبر إضعاف الفوارق الثقافية قد تتحول في النهاية من مشروع للتعايش إلى مشروع للامتصاص التدريجي للهوية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *