غوديرميس: مسلخٌ تحوّل بحربأة قديروف إلى مسرح.. كيف يُعاد تدوير دماء الشيشانيين لحساب “القيصر”؟

IMG 20260715 221029 879

بعد الضغط على زر التسجيل، يركض شباب في مقتبل العمر ببدلاتهم العسكرية المرقطة الجديدة وسط غبار كثيف. يبتسمون للكاميرا، يلوحون بأصوات التكبير، وخلفهم تظهر لافتة ضخمة تلمع تحت أشعة الشمس: “جامعة القوات الخاصة الروسية – غوديرميس”.

تُؤخذ التسجيلات وتُضاف إليها موسيقى حماسية تختلط بطلقات الرصاص الحي وتملأ منصات “تيك توك” وتليغرام، ليكون هذا العمل معرضاً رقمياً يديره رمضان قديروف مولياً إياه عناية فائقة.

المنشأة تبدو للمتفرج كأنها معسكر للأبطال الخارقين؛ طائرات هليكوبتر للتدريب، نفق هوائي للقفز المظلي، وميادين رماية مجهزة بأحدث التقنيات.

ولكن، خلف كواليس هذا العرض الهوليودي تكمن هندسة نفسية ممنهجة. ففي التحليلات التي أجراها “معهد الحوار الاستراتيجي” (ISD) حول الحسابات المقربة من قديروف على تليغرام وتيك توك، تبين أن هذا الخطاب البصري يركز بشكل متعمد على تسويق مفهوم “الرجولة المفرطة والسامة” (Hyper-masculinity). الفيديوهات التي تظهر الشاب الشيشاني وهو يركب سيارات “الباغي” السريعة وسط سحب الغبار، حاملاً أحدث الأسلحة، ليست عفوية؛ بل هي آلية استقطاب تلتف بذكاء على واقع شباب يرزح تحت وطأة التهميش، والفقر، والبطالة الخانقة في الشيشان.

تُباع لهم البدلة العسكرية والبارود كبوابة سريعة للشعور بالقوة والأهمية والرجولة المستعارة، لتعويض واقعهم الاجتماعي المسحوق. أما على الأرض، فإن تلك الابتسامات الحماسية والتكبيرات الصداحة تسقط فور توقف التصوير.

تفكك تقارير مشروع “كافكاز ريالي” (Kavkaz.Realii) التابع لراديو أوروبا الحرة هذه الصورة البراقة، كاشفةً بالشهادات والوثائق أن هذه المقاطع ليست سوى “لقطات ممسرحة” (Staged videos) يتم إعدادها وإخراجها مسبقاً داخل أسوار جامعة غوديرميس.

وتؤكد شهادات المتطوعين والمجندين للشبكة أن المخرجين والمصورين التابعين للآلة الإعلامية لقديروف يعاملون ساحات التدريب كمكان خاص للتصوير؛ يكررون تصوير اللقطات مرات ومرات، ويُكرهون الشباب على الابتسام وإظهار ملامح الفرح والحماس.

إنها عملية تزييف ممنهجة تهدف لإرسال رسالة كاذبة بأن “الروح المعنوية في القمة”، بينما يُخفي المخرجون خلف الكاميرا حقيقة مرعبة: هؤلاء الشباب يُساقون بعد أسبوعين فقط من هذا “التمثيل” ليكونوا حطباً في محرقة الحرب الأوكرانية.

القتل في سبيل روسيا… شهادة بفتوى صلاح مجييف

في 25 رجب 1443هـ (السابع والعشرين من فبراير عام 2022م)، وبعد ثلاثة أيام فقط من انطلاق جنازير الدبابات الروسية نحو أوكرانيا، توقفت الكاميرات في غروزني لتنقل مشهداً سريالياً. اعتلى المنصة صلاح مجييف، المفتي العام للشيشان وذراع قديروف الديني الأقوى. بعباءته الوقورة ولحيته الكثيفة التي تخبئ خلفها ملامح صارمة، بحلق في الحشود ونطق بالفتوى الصادمة التي بثها التلفزيون الحكومي (Grozny TV):

“إن قتالنا في أوكرانيا هو جهاد مقدس بلا شك.. يقاتل جنودنا من أجل القرآن، ومن أجل الله.. ومن يمت هناك فهو شهيد سيغسل ويكفن ويلقى الله شهيداً”.

هكذا، بهذه الجمل ناقض صلاح فتوى ذات المؤسسة الدينية خلال حروب الاستقلال الشيشانية في التسعينيات والتي كانت تفتي بأن “الجهاد الحقيقي والمقدس هو قتال الجيش الروسي المحتل”. ليصبح الشاب الشيشاني مطالب بأن يرتدي بدلة عسكرية تحمل وسم سافكي دماء أجداده دفاعاً عن “القيم والقرآن” في خنادق دونباس.

هذا “الجهاد المستورد” لم يُترك لاختيار الشبان أو قناعاتهم؛ إذ تكشف تحقيقات “كافكاز ريالي” أن الفتوى فُرضت بقوة الحديد والنار. فوزارة الأوقاف الشيشانية أجبرت كل أئمة المساجد في القرى والبلدات النائية على قراءة نص الفتوى حرفياً في خطب الجمعة.

أما من تجرأ من الأئمة على إبداء تحفظه، أو رفض الدعاء بالنصر لبوتين، أو تردد في تسمية الموتى في أوكرانيا شهداء، فكان مصيره العزل الفوري، ليتسلم منه جهاز قديروف الأمني الدفة، ويخضعه للتحقيق والتهديد بتهم جاهزة: “التطرف العقائدي” أو “خيانة الوطن”.

الحرب النفسية على المترددين

وإلى جانب هذا الخداع، يُطبق التضييق الأمني خناقه على الرافضين؛ إذ يتسلل المخبرون الافتراضيون إلى مجموعات الدردشة الخاصة على تطبيقات “تليغرام” و”واتساب”. هناك، يجد الشاب نفسه وجهاً لوجه مع الرقابة الأمنية التي ترصد بدقة كلماته العفوية أو انتقاداته للحرب.

هنا، يُوضع المستهدف أمام خيارين أحلاهما علقم: إما اعتقال يفضي إلى اختفاء قسري يمزق عائلته، أو “تطوع” عاجل في غوديرميس لافتداء حريته بدمه.

لكن الملاحقة الرقمية ليست سوى نصف الفخ؛ فالنصف الآخر يضرب أعمق نقطة في الوجدان الجمعي الشيشاني: “الشرف والرجولة”. هنا، تفضح تقارير “كافكاز ريالي” كيف توظف السلطات أداة “التشهير العلني” كعامل ضغط لرفع معدلات التجنيد.

يكفي أن يتردد شاب في الالتحاق حتى يعرض التلفزيون الحكومي اسمه وصورته، مصحوبة باتهامات علنية بالجبن والنعومة، ووصف المتراجعين بأنهم “لا يستحقون العيش في أرض الأبطال”.

في مجتمع قبلي محافظ كالمجتمع الشيشاني، حيث السمعة هي الرأسمال الوحيد لكل أسرة، يتحول هذا التشهير إلى إعدام معنوي واجتماعي كامل يُطوق العائلة بأكملها. يُساق الشاب إلى غوديرميس مجبراً، ليس حباً في بندقية قديروف، بل ليحمي وجه والده المنكسر في مجالس الرجال، ويدفع عن أمه سياط النظرات القاتلة.

هنا، خلف الأسوار العالية لغوديرميس، تنتهي مسرحية البروباغندا الرقمية الملونة، وتبدأ المأساة الصامتة لشباب يُساقون قسراً لتبييض صفحة نظامٍ بدمائهم.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *