أصبحت تماثيل الملك الهندوسي في القرن السابع عشر شاتراباتي شيفاجي مهاراج تنتشر في عدد متزايد من المدن الهندية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن تبنتها جماعات قومية هندوسية باعتبارها رمزًا للدفاع عن الهندوس في مواجهة المسلمين، ما أثار جدلًا واسعًا حول استخدام التاريخ في الصراع السياسي المعاصر.
ومنذ عام 2022، أقيمت مئات التماثيل لشيفاجي في مناطق مختلفة من الهند، بينها ولايات مثل تيلانغانا ومنطقة لاداخ الواقعة قرب الحدود مع الصين وباكستان، وبعضها يصل ارتفاعه إلى نحو 27 مترًا.
وتقول تقارير إن بعض هذه التماثيل أقيمت بشكل مفاجئ أو دون إعلانات مسبقة، وفي بعض الحالات حظيت بدعم مسؤولين محليين أو جهات حكومية، بل وشاركت المؤسسة العسكرية في إقامة بعضها، كما حدث قرب خط السيطرة الفاصل بين الهند وباكستان.
من قائد إقليمي إلى رمز قومي هندوسي
يُعد شيفاجي شخصية تاريخية بارزة في ولاية ماهاراشترا غربي الهند، حيث أسس إمبراطورية المراثا في القرن السابع عشر، واشتهر بصراعه العسكري مع الإمبراطور المغولي أورنغزيب، الذي تصفه بعض الروايات الشعبية الهندية بأنه حاكم مستبد.
لكن جماعات القومية الهندوسية، وعلى رأسها منظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ (RSS)، التي تعد من أهم المنظمات الأيديولوجية المرتبطة بحزب بهاراتيا جاناتا (BJP) الحاكم، أعادت تقديم شيفاجي باعتباره رمزًا لمواجهة المسلمين، وليس فقط كشخصية تاريخية مرتبطة بصراعات سياسية في عصره.
ويرى منتقدون أن هذا الاستخدام السياسي لشخصية تاريخية يهدف إلى تعزيز هوية هندوسية قومية في بلد يضم مئات الملايين من المسلمين والنصارى ومكونات دينية وثقافية متعددة.
مشروع لإعادة تشكيل الهوية الوطنية؟
يقول باحثون إن انتشار تماثيل شيفاجي يأتي ضمن مشروع أوسع لإعادة صياغة الرموز الوطنية الهندية وفق رؤية قومية هندوسية.
وقال روهيت تشوبرا، أستاذ الاتصالات في جامعة سانتا كلارا وعضو المجلس الاستشاري لمركز دراسة الكراهية المنظمة، إن إعادة تقديم شيفاجي بهذه الصورة تمثل جزءًا من توجه طويل الأمد يهدف إلى جعل الثقافة الهندوسية محور الهوية الوطنية، رغم أن الدستور الهندي ينص على علمانية الدولة.
وأضاف أن هذا التوجه يعيد تفسير صراعات تاريخية قديمة من خلال مفاهيم قومية حديثة، مشيرًا إلى أن العلاقة بين شيفاجي والمسلمين في عصره كانت أكثر تعقيدًا من الرواية الحالية، إذ كان في جيشه مسلمون، كما كان لدى خصومه الهندوس أيضًا، وكانت الصراعات آنذاك مرتبطة بالسياسة والسلطة أكثر من كونها صراعًا دينيًا بالمعنى الحديث.
مخاوف بشأن وضع الأقليات الدينية
تأتي هذه الحملة في ظل انتقادات حقوقية مستمرة لسياسات الحكومة الهندية تجاه الأقليات، خصوصًا المسلمين والنصارى، حيث تتهم منظمات حقوق الإنسان بحدوث أعمال عنف وسياسات تمييزية ضدهم.
ويرى منتقدون أن تحويل شخصيات تاريخية إلى رموز مرتبطة بالصراع الديني قد يؤدي إلى تعزيز شعور الإقصاء لدى الأقليات.
وقال تشوبرا إن هذه التماثيل لا تمثل إهانة مباشرة للأقليات، لكنها ترسل رسالة مفادها أن المسلمين والنصارى لا يمتلكون حضورًا متساويًا في المجال العام والثقافة الوطنية، معتبرًا أنها جزء من إعادة تعريف معنى الانتماء للهند.
توسع الرموز القومية الهندوسية
ولا تقتصر إقامة تماثيل شيفاجي على المناطق التي يرتبط بها تاريخيًا، بل امتدت إلى مناطق جنوب وشمال الهند، بما فيها مناطق لم تكن تقليديًا معاقل قوية لحزب بهاراتيا جاناتا.
ويرى محللون أن اختيار مواقع جديدة لهذه التماثيل يحمل هدفًا سياسيًا يتمثل في نشر الرموز القومية الهندوسية في مختلف أنحاء البلاد، وتعزيز حضور الحزب وحلفائه في مناطق جديدة.
في المقابل، يرى مؤيدو هذه الحملة أن تماثيل شيفاجي تمثل تكريمًا لشخصية تاريخية مهمة في الهند، وأنها تعكس الفخر بالتراث المحلي.
وبينما يستمر الجدل حول مكانة شيفاجي في الذاكرة الهندية، يكشف الصراع حول هذه التماثيل عن معركة أوسع بشأن كيفية قراءة التاريخ، ومن يملك حق تعريف الهوية الوطنية في الهند الحديثة.





اترك تعليقاً