الأويغور وإحساس “انعدام الانتماء”.. كيف يمكن أن يفقد الإنسان وطنه وهو ما يزال يعيش فيه؟

Screenshot 2026 06 29 10.40.29 AM 2048x1076 1

لا يرتبط مفهوم انعدام الجنسية دائمًا بفقدان جواز السفر أو غياب الدولة، ففي بعض الحالات قد يكون أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن أن يشعر الإنسان بأنه بلا وطن من خلال تآكل علاقته بالهوية والثقافة والمجتمع الذي ينتمي إليه.

هذه هي التجربة التي تصفها الكاتبة الأويغورية آسية أويغور، التي تقول إنها لم تتعرف على معنى انعدام الانتماء بعد مغادرة وطنها، بل عاشته وهي لا تزال في مسقط رأسها بمنطقة شينجيانغ (تركستان الشرقية المحتلة)، حيث شعرت تدريجيًا بأن المسافة بينها وبين هويتها وثقافتها تزداد اتساعًا.

طفولة هادئة خلف واقع متغير

وُلدت آسية أويغور مع نهاية الثورة الثقافية الصينية (1966-1976م)، ونشأت خلال السنوات الأولى من مرحلة الإصلاح والانفتاح التي قادها دنغ شياو بينغ.

وتتذكر طفولتها باعتبارها فترة مستقرة مليئة باللحظات العائلية الدافئة؛ المدرسة، والاحتفالات، والزيارات العائلية، وذكريات أول يوم دراسي حين اشترى لها والدها حقيبة حمراء وملابس جديدة احتفالًا بهذه المناسبة.

لكنها تقول إن تلك السنوات الهادئة لم تكن تعني غياب التحولات العميقة، بل كانت مرحلة بدأت خلالها تتشكل واقعيات جديدة تتعلق بالهوية والانتماء.

وتستعيد موقفًا من طفولتها عندما عادت إلى والدها بعد درس في المدرسة حول نظرية التطور، وقالت له إن المعلم أخبرهم أن الإنسان تطور من القردة.

فرد عليها والدها بأن البشر خلقهم الله، وأن عليها ألا تنسى ذلك.

وتقول إن والدها لم يكن يدافع فقط عن اعتقاد ديني، بل كان يحاول حماية شيء أعمق: الهوية.

اكتشاف الهوية الأويغورية

مع تقدمها في العمر، بدأت آسية تبحث عن تاريخ شعبها، واكتشفت أن الأويغور يمتلكون لغة وثقافة وذاكرة تاريخية مختلفة عن الأغلبية الهانية في الصين.

وبمرور الوقت، بدأت تلاحظ أن الواقع الاجتماعي لم يكن متساويًا كما يبدو، وأن فرص التعليم والعمل والترقي لم تكن متاحة للجميع بالقدر نفسه، بحسب شعورها وتجربتها الشخصية.

وتقول إن والدها كان أول من غرس فيها فكرة الانتماء إلى شعب له قصة خاصة، وليس مجرد جزء من السرد الوطني الصيني العام.

وعندما ناقشت معه الإصلاحات الاقتصادية الصينية وسألته عما إذا كان دنغ شياو بينغ قائدًا جيدًا لأنه حسّن مستوى المعيشة، أجابها بأن القضية بالنسبة للأويغور ليست مرتبطة فقط بالاقتصاد، بل بمكانتهم وهويتهم داخل الدولة.

أحداث أورومتشي 2009.. لحظة التحول

image 12

شكلت أحداث مدينة أورومتشي عام 2009م (1430هـ) نقطة تحول كبيرة في علاقة الأويغور بالمجتمع والدولة، بحسب رواية آسية.

وجاءت الأحداث بعد توترات أعقبت مقتل عمال أويغور في مدينة شاوقوان بمقاطعة قوانغدونغ، ثم اندلعت احتجاجات في أورومتشي تحولت إلى أعمال عنف وسقط خلالها قتلى.

وتتذكر الكاتبة أنها كانت في المدينة وقتها، وأنها شعرت بحالة من التوتر قبل اندلاع الأحداث.

وفي الخامس من يوليو/تموز 2009م (نحو رجب 1430هـ)، خرجت إلى منطقة البازار الكبير مع أصدقاء، قبل أن تتحول الأجواء إلى حالة من الفوضى والخوف، مع انتشار أخبار عن إطلاق نار واندلاع اضطرابات.

وتقول إن تلك الليلة كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بأنها معرضة للخطر في المدينة التي ولدت فيها.

لكنها ترى أن الأثر الأكبر لم يكن في أحداث العنف نفسها، بل في ما تركته لاحقًا من فقدان الثقة بين مكونات المجتمع.

تراجع الثقة بين السكان

قبل أحداث 2009، كانت هناك توترات مرتبطة بالهوية والفرص الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية، لكنها لم تمنع استمرار العلاقات اليومية بين الأويغور والهانيين.

كان الناس يعملون معًا، ويدرسون معًا، ويعيشون في الأحياء نفسها.

لكن بعد الأحداث، تقول آسية إن شيئًا تغير تدريجيًا؛ إذ بدأت العلاقات الاجتماعية تتأثر، وأصبح الناس أكثر حذرًا في حديثهم وتعاملهم.

وتصف هذا التغير بأنه لم يحدث فجأة، بل جاء على شكل تراجع بطيء للثقة، حيث أصبحت بعض النقاشات أكثر حساسية، واختفت بعض العلاقات التي كانت تبدو طبيعية سابقًا.

وترى أن الوطن لا يُبنى فقط على الأرض، بل أيضًا على الروابط بين الناس، وعندما تنهار هذه الروابط يبدأ الشعور بالانتماء في التراجع.

مرحلة ما بعد 2017 وتصاعد القيود

ازدادت المخاوف بعد عام 2017م (1438هـ)، عندما بدأت السلطات الصينية حملة أمنية واسعة في شينجيانغ (تركستان الشرقية)، تضمنت إنشاء مراكز احتجاز وصفتها منظمات حقوقية بأنها معسكرات إعادة تأهيل، بينما تقول بكين إنها مراكز للتدريب ومكافحة التطرف.

وتشير تقارير حقوقية إلى احتجاز أعداد كبيرة من الأويغور، بينهم مثقفون وأكاديميون ورجال دين وفنانون وأفراد من المجتمع المدني.

كما تحدثت منظمات دولية عن قيود على استخدام اللغة الأويغورية، والممارسات الدينية، والتعبير الثقافي.

وتقول آسية إن هذه المرحلة جعلت كثيرًا من الأويغور يشعرون بأن مجتمعًا كاملًا أصبح موضع شك، وأن الخوف أصبح جزءًا من الحياة اليومية بسبب اختفاء أقارب أو أصدقاء أو زملاء.

معنى جديد لانعدام الجنسية

ترى آسية أن تجربتها غيرت فهمها لمفهوم انعدام الجنسية، فهي لم تكن مرتبطة بفقدان الوثائق الرسمية أو عبور الحدود، بل بشعور الإنسان بأنه يفقد مكانته داخل وطنه.

وتقول إن الشخص قد يحمل جواز سفر، لكنه يشعر بأنه غير مرئي سياسيًا، وقد يعيش في أرض أجداده لكنه يشعر بأن لغته وثقافته وذاكرته لم تعد تمتلك المكان نفسه.

وهنا يصبح انعدام الجنسية، بحسب وصفها، حالة من “تآكل الانتماء”.

الهوية بين المواطنة والانتماء

تخلص آسية إلى أن امتلاك الجنسية لا يعني بالضرورة الشعور الكامل بالانتماء، فالعلاقة بين الإنسان ووطنه لا تقوم فقط على الأوراق القانونية، بل على الإحساس بأن هويته وثقافته ومستقبله لهم مكان متساوٍ داخل المجتمع.

وتقول إن كثيرين يعتقدون أن الأويغور عرفوا فقدان الوطن عندما اضطر بعضهم إلى المنفى، لكنها ترى أن التجربة بدأت قبل ذلك بكثير، عندما بدأ شعور المسافة بين الإنسان وأرضه يتسع تدريجيًا.

الخلاصة

تكشف تجربة الأويغور عن جانب مختلف من مفهوم انعدام الجنسية؛ فهو ليس دائمًا غياب الدولة أو فقدان الجنسية، بل قد يكون شعورًا داخليًا بفقدان المكانة والقدرة على التعبير عن الهوية داخل الوطن نفسه.

وبينما يبقى ملف شينجيانغ (تركستان الشرقية) من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الصينية الدولية، فإن جوهر القضية بالنسبة لكثير من الأويغور لا يتعلق فقط بالحدود السياسية، بل بالسؤال الأعمق: كيف يحافظ الإنسان على شعوره بالانتماء عندما يشعر أن صلته بثقافته وتاريخه أصبحت مهددة؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *