الاحتلال البريطاني لفلسطين جذور النكبة ودور الغرب في ترسيخ الظلم والوحشية

الاحتلال البريطاني لفلسطين

تُعد القضية “الفلسطينية الإسلامية” من أعقد القضايا في التاريخ المعاصر، وهي نتاج لتراكمات تاريخية وسياسية بدأت مع الاحتلال البريطاني لفلسطين، وما تلاه من دعم غربي وأمريكي للمشروع الصهيوني.
هذا المقال يستعرض الجذور التاريخية للاحتلال، ودور القوى الغربية في تمكين إقامة “وطن قومي لليهود” على أرض فلسطين، مع تسليط الضوء على الجرائم البشعة، والتهجير القسري، والظلم الممنهج الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، والذي لا يزال يعاني من تداعياته حتى اليوم.

الاحتلال البريطاني ووعد بلفور: بداية المأساة والوحشية


بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، احتلت بريطانيا فلسطين عام 1917. لم يكن هذا الاحتلال مجرد تغيير في السلطة، بل كان بداية لمرحلة مفصلية في تاريخ فلسطين، حيث مارست بريطانيا خلال ثلاثة عقود من الانتداب سياسات قمعية وحشية شملت القتل المباشر، والقمع المنظم، والاعتقال التعسفي، والطرد القسري بحق السكان المسلمين أصحاب الأرض.

الاحتلال البريطاني لفلسطين
صورة لجنود بريطانيين في مدينة حيفا


كانت أبرز ملامح هذه السياسة الاستعمارية هي “وعد بلفور”، الذي صدر في 2 نوفمبر 1917، على شكل رسالة من وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى ليونيل روتشيلد، أحد أقطاب الجالية اليهودية في بريطانيا. نص الوعد على أن “الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل أقصى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية”.
هذا الوعد، الذي أطلقه من لا يملك لمن لا يستحق، تناقض بشكل مباشر مع الوعود البريطانية للمسلمين العرب بالاستقلال، ومهد الطريق لتدفق الهجرات اليهودية إلى فلسطين، مما كان بداية لمخطط تغيير ديموغرافي قسري.

صك الانتداب: خديعة “الطوائف غير اليهودية” وتسهيل الاستيطان

في عام 1922، منحت عصبة الأمم بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، وقد أكد صك الانتداب على رعاية المشروع الصهيوني، مشيراً إلى “الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين”.

وفي المقابل، أشار الصك إلى غالبية السكان المسلمين العرب الأصليين بـ”الطوائف غير اليهودية”، هذه الصياغة لم تكن بريئة؛ بل كانت خديعة سياسية وقانونية متعمدة تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من صفتهم كشعب له حق تقرير المصير، وتصويرهم كمجرد مجموعات دينية هامشية، وحصر حقوقهم في الجانب المدني، مع إسقاط متعمد لحقوقهم الدينية والسياسية.


هذا التلاعب بالكلمات كان يهدف إلى تسهيل إقامة “الوطن القومي لليهود” على حساب أصحاب الأرض الشرعيين. عملت بريطانيا بشكل حثيث على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين والاستيلاء على أراضيها، وأصدرت مراسيم متعددة لهذا الغرض.

فبين عامي 1930 و1936، تضاعف عدد المهاجرين اليهود بشكل كبير، ونمت المستوطنات اليهودية بشكل متسارع، وتغلغل اليهود في مؤسسات الانتداب البريطاني، مما مكنهم من السيطرة على مفاصل الحياة في فلسطين.

قمع الثورات الفلسطينية: مجازر وتهجير

واجهت السياسات البريطانية الاستعمارية والمخططات الصهيونية مقاومة إسلامية شرسة، من الشعب الفلسطيني المسلم، تمثلت في عدة ثورات وانتفاضات.

استخدمت بريطانيا أقصى درجات العنف والوحشية لقمع هذه الثورات، مما أدى إلى مقتل المئات وتدمير القرى واعتقال الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء. من أبرز هذه الثورات:
ثورة عام 1920: أول انتفاضة فلسطينية ضد الانتداب، بدأت في القدس وتطورت إلى اشتباكات عنيفة أسفرت عن سقوط ضحايا من الجانبين.

ثورة البراق عام 1929: اندلعت بسبب اشتباكات عند حائط البراق، وقمعتها القوات البريطانية بعنف مفرط، مما أسفر عن مقتل 116 فلسطينياً وجرح 232 آخرين، مقابل مقتل 133 يهودياً وجرح 339 آخرين. هذه الأرقام تكشف عن وحشية القمع البريطاني الذي كان يهدف إلى حماية المستوطنين اليهود.

ثورة القسام عام 1935: قادها عز الدين القسام، ودعا فيها إلى المقاومة المسلحة ضد الانتداب البريطاني، واستشهد كما نحسبه والله حسيبه على إثرها بعد اشتباكات عنيفة مع الجيش البريطاني.

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936:

استمرت ثلاث سنوات، وشهدت إضراباً عاماً واسع النطاق، وقمعتها بريطانيا بأساليب وحشية إجرامية، حيث أعلنت حالة الطوارئ وفرضت حظر التجوال ونفذت حملة اعتقالات عنيفة، وخلفت آلاف الضحايا والجرحى. كما أوصت “لجنة بيل” الملكية بتقسيم فلسطين وترحيل أكثر من 200 ألف فلسطيني من منازلهم لإفساح المجال أمام قيام “الدولة اليهودية”، وهو ما يمثل بداية واضحة لمخطط التهجير القسري.

الدعم الغربي والأمريكي للمشروع الصهيوني: استمرارية الظلم

بعد الحرب العالمية الثانية، تحول الثقل الداعم للمشروع الصهيوني بشكل كبير إلى الولايات المتحدة.

منذ عام 1948، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات مالية وعسكرية ضخمة، بلغت نحو 158.6 مليار دولار، بهدف ضمان تفوقها العسكري وأمنها في المنطقة، وتزويدها بأحدث الأسلحة التي استخدمت في ارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني المسلم.

كان الرئيس الأمريكي هاري ترومان أول من اعترف بالدولة “الإسرائيلية” عام 1948، ومنذ ذلك الحين، استمر الدعم الأمريكي غير المشروط، متجاهلاً مسألة تقرير المصير الفلسطيني ورفض “إسرائيل” عودة اللاجئين، بل وعمل على منع أي قرارات دولية تدين “إسرائيل”.


يُعزى هذا الدعم المطلق جزئياً إلى تأثير مجموعات الضغط الصهيونية القوية في الولايات المتحدة، والتي تضغط على صناع القرار لدعم “إسرائيل” وتقديم مصالحها على حساب العدالة وحقوق الإنسان.

كما أن “إسرائيل” تُعتبر أداة استراتيجية للمصالح الأمريكية في المنطقة، مما يفسر هذا الدعم اللامحدود.

جرائم التهجير والظلم المستمر: النكبة المتواصلة

تسببت هذه السياسات الاستعمارية والداعمة للاحتلال في تهجير قسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، وهو ما يُعرف بـ”النكبة” عام 1948، والتي لا تزال فصولها مستمرة حتى اليوم.

لقد بلغت وحشية هذا التهجير ذروتها بطرد أكثر من 80% من السكان الفلسطينيين في المناطق التي أقيمت عليها “إسرائيل” عام 1948، حيث تحول نحو 70% من إجمالي الشعب المسلم الفلسطيني اليوم إلى لاجئين ونازحين محرومين من حق العودة.

لقد وثق المؤرخون، مثل إيلان بابيه في كتابه “التطهير العرقي لفلسطين”، كيف تم طرد الفلسطينيين من أراضيهم وتدمير أكثر من 500 قرية بشكل ممنهج لتسهيل إقامة الدولة اليهودية.

تتضمن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني مصادرة الأراضي، وتدمير القرى، والاعتقالات التعسفية، والحصار الخانق، والتمييز العنصري المنهجي، مما أدى إلى واقع من الظلم والسوداوية التي لا تزال تخيم على حياة المسلمين في فلسطين بسبب الاحتلال. هذه الجرائم لا تقتصر على الماضي، بل تتجدد يومياً في غزة والضفة الغربية والقدس.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *