إرث الاستغلال والانتهاكات الأمريكية في حرب فيتنام

إرث الاستغلال والانتهاكات الأمريكية في حرب فيتنام

وصل للأخبار | إرث الاستغلال والانتهاكات الأمريكية في حرب فيتنام

الاستغلال السياسي الأمريكي وبداية الانقسام في فيتنام

تظل حرب فيتنام واحدة من أكثر الفصول قتامة في التاريخ المعاصر، ليس فقط بسبب حجم الدمار الذي خلفته، بل لما كشفته من أنماط منهجية للاستغلال السياسي والانتهاكات العسكرية التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية. بدأ التدخل الأمريكي في الخمسينيات من القرن الماضي كعملية مدروسة لتثبيت الانقسام السياسي، حيث وظفت واشنطن نفوذها لدعم نظام “نغو دينه دييم” في الجنوب، وعملت بشكل حثيث على إجهاض أي مسار قد يؤدي إلى استقرار المنطقة بعيداً عن أجندتها.

منع الانتخابات وترسيخ الانقسام عام 1956

وفي عام 1956، بلغ الاستغلال السياسي ذروته عندما منعت الولايات المتحدة إجراء أي استحقاقات وطنية شاملة، ونظمت بدلاً من ذلك استفتاءً صورياً في الجنوب أعلن فيه الانفصال بنسبة 98%، مما كرس حالة الانقسام لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وهو ما مهد الطريق لعقود من الصراع الدامي.

التخلي عن الحلفاء وتلفيق الذرائع لتوسيع الحرب

لم تقتصر الأساليب الأمريكية على التلاعب السياسي بالدول، بل امتدت لتشمل الغدر بالحلفاء أنفسهم عندما تنتهي صلاحيتهم السياسية.

الانقلاب على نغو دينه دييم عام 1963

ففي عام 1963، وعندما رأت واشنطن أن حليفها “دييم” بات عبئاً على خططها، لم تتردد في التنسيق السري مع جنرالات من جيش “الأرفن” للإطاحة به. وأشرفت وكالة المخابرات المركزية (CIA) على توجيه الانقلاب الذي انتهى بتصفية “دييم” جسدياً، في دلالة واضحة على براغماتية مفرطة لا تقيم وزناً للعهود.

حادثة خليج تونكين وتبرير التصعيد العسكري

هذا النمط من الخداع السياسي انتقل إلى مستوى دولي في أغسطس 1964، عندما اختلقت الإدارة الأمريكية ما عُرف بـ “حادثة خليج تونكين” لتكون ذريعة لشن حرب شاملة. ومن خلال تضليل الكونغرس والرأي العام برواية محرفة حول اشتباك بحري مشكوك في تفاصيله، حصل الرئيس ليندون جونسون على تفويض عسكري مفتوح، لتبدأ مرحلة من التصعيد العسكري القائم في أصله على كذبة سياسية مدروسة.

الانتهاكات العسكرية الأمريكية واستخدام الأسلحة المحرمة

ومع تحول الصراع إلى مواجهة شاملة، كشفت الآلة العسكرية الأمريكية عن وجه شديد القسوة من خلال الانتهاكات المنهجية واستخدام الأسلحة المحرمة.

القصف الجوي في لاوس وكمبوديا

فبين عامي 1965 و1968، شنت الولايات المتحدة حملات قصف جوي عشوائي لم تحترم سيادة الدول، حيث امتدت لتشمل لاوس وكمبوديا. وتشير البيانات التاريخية إلى أن لاوس وحدها استُهدفت بنحو مليوني طن من المتفجرات، وهو ما يفوق إجمالي ما ألقته أمريكا في الحرب العالمية الثانية بأكملها.

استخدام النابالم والأسلحة الكيماوية


وبالتوازي مع هذا الدمار، استخدم الجيش الأمريكي مادة “النابالم” الحارقة والأسلحة الكيماوية لترهيب السكان وقصف القرى المأهولة، مما تسبب في معاناة إنسانية هائلة وتشوهات مستديمة لمئات الآلاف من المدنيين العزل.

مذبحة ماي لاي والانتهاكات بحق المدنيين

كما شهدت هذه الفترة مجازر وحشية موثقة، مثل “مذبحة ماي لاي”، حيث قام الجنود الأمريكيون بتصفية النساء والأطفال والشيوخ بدم بارد، مما يعكس غياب المعايير الأخلاقية في العمليات الميدانية.

375
في الصورة جندي أمريكي وقد تم التقاط الصورة خلال عملية جنكشن سيتي (Operation JUNCTION CITY)، وهي واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية خلال حرب فيتنام.

سياسة الرجل المجنون والتصعيد النووي الأمريكي


وفي المراحل الأخيرة من الحرب، اتخذ الاستغلال الأمريكي أبعاداً أكثر خطورة من خلال ما عُرف بـ “سياسة الرجل المجنون” والتلويح بالخيار النووي لابتزاز القوى الدولية.

التهديد باستخدام الأسلحة النووية

ففي عهد الرئيس نيكسون، تم إرسال قاذفات (B-52) محملة برؤوس نووية بالقرب من الحدود السوفيتية الصينية لإيصال رسالة ترهيب مفادها أن واشنطن مستعدة لتدمير العالم إذا لم تتحقق مطالبها.

أوراق البنتاغون وكشف التضليل الأمريكي

هذا التصعيد ترافق مع تضليل داخلي ممنهج كشفته لاحقاً “أوراق البنتاغون” عام 1971، والتي أثبتت أن خمسة رؤساء أمريكيين تعمدوا إخفاء الحقائق حول استحالة النصر العسكري، واستمروا في إرسال الجنود للموت وتصعيد الجرائم للحفاظ على هيبة الإدارة السياسية فقط.

استمرار القصف ونقض وعود السلام

وحتى مع وعود السلام، نكثت واشنطن بعهودها، حيث وسع نيكسون القصف سراً ليشمل كمبوديا، ثم أمر في عام 1972 بأعنف حملة قصف جوي في التاريخ ضد شمال فيتنام فور فوزه بالانتخابات، مما يختصر إرثاً طويلاً من الخبث السياسي والانتهاكات التي أودت بحياة أكثر من 3 ملايين إنسان وخلفت دماراً بيئياً وهيكلياً لا تزال آثاره باقية حتى اليوم.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *