وصل للأخبار | حملة اعتقالات الفساد في العراق.. ماذا وراء التحرك الأخير؟ بين الأرقام الرسمية وصراع النفوذ السياسي
شهد العراق خلال الأيام الأخيرة واحدة من أكبر حملات ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، أسفرت عن اعتقال وملاحقة عشرات المسؤولين والنواب ورجال الأعمال، بالتزامن مع صدور أحكام قضائية بمصادرة أموال وعقارات بمليارات الدنانير وملايين الدولارات.
وبينما تؤكد السلطات العراقية الشيعية أن الإجراءات تأتي في إطار مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، يرى مراقبون أن توقيت الحملة يعكس أيضًا صراعًا متصاعدًا على النفود داخل الطبقة السياسية، في ظل اقتراب استحقاقات سياسية وإعادة ترتيب موازين القوى.
حملة واسعة ضد كبار المسؤولين
خلافًا للحملات السابقة التي استهدفت مسؤولين من مستويات إدارية متوسطة، طالت الحملة الحالية شخصيات بارزة شغلت مناصب تنفيذية وتشريعية مؤثرة، بينهم وكلاء وزارات ومديرون عامون وأعضاء في مجلس النواب.
ويرى متابعون أن هذا التطور يثير تساؤلات حول أسباب فتح ملفات ظلّت لسنوات دون حسم، رغم أن كثيرًا منها كان معروفًا داخل مؤسسات الدولة.
الأرقام الرسمية للمبالغ المصادرة والمستردة
أظهرت البيانات الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة سلسلة من الإجراءات المالية الكبيرة، أبرزها:
- 29 يونيو/حزيران 2026: أصدرت محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية حكمًا بمصادرة 11 مليون دولار أمريكي نقدًا و4 مليارات دينار عراقي من وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع، إضافة إلى وضع اليد على عدد من العقارات السكنية المسجلة باسمه.
- في اليوم نفسه، قضت المحكمة المختصة بمكافحة الفساد بتغريم المدير الأسبق للهيئة العامة للضرائب وزوجته مبلغ 32.4 مليار دينار عراقي بتهمة غسل الأموال، مع مصادرة 22 عقارًا، منها 10 داخل بغداد و12 في تركيا، فضلًا عن مصوغات ذهبية وأرصدة مصرفية داخل تركيا والكويت.
- أعلنت دائرة الاسترداد في هيئة النزاهة خلال النصف الأول من عام 2026 استعادة 17.5 مليون دولار من الأموال المهربة إلى الخارج، ضمن إجراءات مرتبطة بملف “سرقة القرن” الذي تُقدَّر الأموال المختلسة فيه بنحو 6,106,870,000 دولار(ستة مليارات ومئة وستة ملايين وثمانمئة وسبعون ألف دولار).
اقرأ أيضًا: العراق الجرح المنسي.. وعقيدة الدولة الانتقامية
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغت حصيلة الحملة 67 متهمًا من كبار المسؤولين الذين تم توقيفهم، فيما تشير مصادر أمنية إلى أن أوامر القبض والتحقيق شملت ما يصل إلى 120 شخصًا على خلفية قضايا تهريب النفط وغسل الأموال.
أبرز الشخصيات المشمولة بالحملة
شملت التحقيقات عددًا من الشخصيات السياسية والتنفيذية البارزة، من أبرزها:
علي معارج البهادلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع، والذي سبق أن فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات بتهم تتعلق بتهريب النفط وغسل الأموال.

عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية والمدير العام السابق لشركة مصافي الشمال، حيث قادت اعترافاته، وفقاً لمصادر التحقيق، إلى توسيع دائرة الملاحقات.

مثنى السامرائي، عضو مجلس النواب ورئيس تحالف “عزم”، والمشمول بإجراءات قضائية تتعلق بملفات فساد مالي واستغلال النفوذ.

زياد الجنابي، عضو مجلس النواب، والذي شملته أوامر التوقيف الصادرة بحق عدد من النواب.

بهاء النوري، عضو مجلس النواب، ضمن قائمة الشخصيات السياسية التي طالتها التحقيقات.

أسامة حسام جودت، المدير الأسبق للهيئة العامة للضرائب، الذي صدر بحقه وبحق زوجته حكم بالغرامة والمصادرة في قضية غسل أموال وكسب غير مشروع.

لماذا الآن؟
يثير توقيت الحملة تساؤلات واسعة في الشراع العراقي، خاصة أن غالبية الملفات تعود إلى سنوات سابقة.
ويرى محللون أن هناك عدة عوامل قد تكون وراء هذا التحرك، أبرزها:
تصاعد الضغوط الشعبية نتيجة تراجع الخدمات واستمرار الأزمات الاقتصادية.
الضغوط الدولية المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتهريب الدولار وتشديد الرقابة على النظام المالي العراقي.
مساعي الحكومة لإظهار جدية أكبر في مكافحة الفساد واستعادة الأموال العامة.
صراع سياسي أم مكافحة فساد؟
يرى عدد من الباحثين في الشأن العراقي أن ملفات الفساد غالبًا ما تتحول إلى أدوات للصراع السياسي أكثر من كونها مسارًا قضائيًا مستقلًا.
ويذهب هذا الرأي إلى أن ملاحقة بعض الشخصيات قد تعكس إعادة رسم موازين النفود داخل التحالفات السياسية، خصوصًا مع اقتراب مراحل سياسية جديدة، بينما يعتبر آخرون أن الحملة قد تمثل بداية لتحرك قضائي أوسع إذا استمرت دون استثناء
هل تصل الحملة إلى “حيتان الفساد”؟
يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت التحقيقات ستصل إلى الشخصيات السياسية الأكثر نفوذًا، أم أنها ستتوقف عند مسؤولين تنفيذيين وإداريين كما حدث في حملات سابقة.
ويشير مراقبون إلى أن تجاوز ما يُعرف بـ”الخطوط الحمراء” قد يؤدي إلى تداعيات سياسية وأمنية معقدة، في حين أن توقف الحملة عند مستويات معينة قد يعزز الانطباع بأنها تأتي في إطار إعادة ترتيب مراكز القوى أكثر من كونها تغييرًا جذريًا في ملف مكافحة الفساد.
والجدير بالذكر أن جميع المعتقلين تقريبًا مرتبطين في المليشيات الشيعية التابعة لإيران.
ويرى الصحفي العراقي المخضرم عثمان المختار أن أي حملة لمكافحة الفساد في العراق لا تشمل قادة الميليشيات لا معنى لها.
الخلاصة
تمثل حملة الاعتقالات الأخيرة واحدة من أكبر العمليات التي تستهدف مسؤولين كبارًا في العراق خلال السنوات الأخيرة، مدعومة بأحكام قضائية تضمنت مصادرة أموال وعقارات ضخمة.
وبينما تؤكد السلطات أن الإجراءات تأتي ضمن جهود مكافحة الفساد واسترداد المال العام، ما تزال الأوساط الإعلامية تتابع ما إذا كانت الحملة ستتطور إلى محاسبة شاملة لجميع المتورطين، أم ستظل ضمن حدود التوازنات السياسية التي طبعت هذا الملف طوال السنوات الماضية.





اترك تعليقاً