مصر: لاجئون سودانيون يروون أهوال السجون وتصاعد عمليات الترحيل

images 62

يتحدث عدد متزايد من اللاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب في بلادهم إلى مصر عن الظروف القاسية التي تعرضوا لها داخل مراكز الاحتجاز والسجون المصرية، وعن تنامي مخاوفهم من الترحيل القسري إلى السودان.

واستنكر محامون ومنظمات حقوقية ما وصفوه بـ”حملة قمع واسعة” تستهدف اللاجئين السودانيين في مصر.

فمنذ اندلاع الحرب في السودان خلال شوال 1444هـ (أبريل 2023م)، استقبلت مصر أكثر من مليون سوداني فروا من النزاع.

ووفقًا لأحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الصادرة في ذو القعدة 1447هـ (مايو 2026م)، تستضيف مصر حاليًا نحو 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجل، من بينهم قرابة 849 ألف سوداني، و100 ألف سوري، و56 ألفًا من جنوب السودان، و45 ألفًا من إريتريا.

إلا أن تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر أدى إلى تصاعد المشاعر المناهضة للمهاجرين، وهو ما انعكس بصورة متزايدة على أوضاع اللاجئين.

الموت داخل السجن

يُعد النذير الصادق أحد أبرز ضحايا هذه الحملة. فبحسب وكالة رويترز، توفي الطالب السوداني البالغ من العمر 18 عامًا إثر إصابته بالالتهاب الرئوي، بعد احتجازه ثلاثة أسابيع داخل ما وصفته الوكالة بـ”سجن قذر في القاهرة”. وأكد أقاربه وأصدقاؤه أنه تعرض للضرب والابتزاز على يد بعض النزلاء خلال فترة احتجازه.

وكان الصادق واحدًا من آلاف الأشخاص الذين اعتُقلوا ضمن حملة بدأت في أواخر جمادى الآخرة 1447هـ (أواخر عام 2025م). وتشير شهادات إلى أن عناصر أمن بملابس مدنية كانوا يوقفون المهاجرين واللاجئين في الشوارع أو منازلهم أو أماكن عملهم قبل اقتيادهم إلى الاحتجاز.

وقالت شقيقته نادية إن الأسرة وصلت إلى القاهرة في ربيع الآخر 1446هـ (أكتوبر 2024م) واستقرت في مدينة بدر شرق العاصمة. وأضافت أن الصادق كان يقف أمام المنزل برفقة صديقين عندما توقفت حافلة صغيرة، نزل منها رجال بملابس مدنية واعتقلوا الثلاثة.

وكان الصادق يعتزم العودة إلى السودان، ولذلك لم يستكمل إجراءات تقنين إقامته في مصر. وروى أحد أصدقائه، الذي احتجز معه، أنهم وُضعوا في زنزانة صغيرة ضمت أكثر من 140 شخصًا، مضيفًا أن بعض النزلاء استولوا على ممتلكاتهم، بينما عانى الجميع من الاختناق بسبب سوء التهوية.

وقال: “كان المكان خانقًا، ولم يكن هناك أكسجين، سوى جهاز تكييف معطل.

“وخلال زيارات أسرته، أخبرهم الصادق بأن الطعام الذي كانوا يجلبونه له كان يُسرق، مما اضطره للاعتماد على الخبز والجبن اللذين توفرهما السلطات. كما تعرضت ملابسه للسرقة، بما في ذلك سترته، فكان يرتجف من شدة البرد خلال فصل الشتاء.

وأضافت رويترز أن الصادق اشتكى لوالدته، خلال آخر زيارة، من التهاب في الصدر وعدم تلقيه أي علاج، قبل أن تتلقى الأسرة في اليوم التالي اتصالًا من أحد ضباط الشرطة يبلغها بوفاته. وسجلت النيابة العامة سبب الوفاة على أنه التهاب رئوي.

أما بقية المحتجزين الذين اعتُقلوا معه، فقد رُحلوا إلى السودان. وقال صديقه سليمان إن الرحلة من القاهرة إلى الحدود استغرقت 18 ساعة، بينما كانت أيديهم وأرجلهم مقيدة، دون أن يُقدم لهم طعام أو ماء، ودون إبلاغهم بسبب الترحيل.

وفيات أخرى

منذ جمادى الأولى 1447هـ (نوفمبر 2025م)، رحّلت السلطات المصرية أكثر من 5500 سوداني.

ورغم أن هذا العدد يمثل نسبة محدودة من إجمالي اللاجئين في البلاد، فإنه يُعد تصعيدًا ملحوظًا مقارنة بعامي 1445هـ و1446هـ (2023م و2024م)، حين كانت مصر تنفذ نحو مئة عملية ترحيل سنويًا.

ولا تنشر السلطات المصرية بيانات تفصيلية بشأن الهجرة أو الاحتجاز، مما صعّب على رويترز التحقق بصورة مستقلة من أعداد المرحلين أو المحتجزين التي حصلت عليها من محامين وناشطي

ومع ذلك، وثقت الوكالة ثلاث وفيات على الأقل للاجئين سودانيين داخل السجون المصرية خلال عام 1447هـ (2026م)، بينهم رجل يبلغ 30 عامًا توفي بعد 72 ساعة من احتجازه، وآخر يبلغ 67 عامًا كان يعاني من مرض السكري، إضافة إلى الطالب النذير الصادق.

كما نقلت رويترز عن مسؤولين أمنيين مصريين، طلبا عدم الكشف عن هويتهما، أن تسعة سودانيين لقوا حتفهم أثناء الاحتجاز، دون تقديم تفاصيل إضافية.

اعتداءات وانتهاكات

روى عدد من المحتجزين السابقين تفاصيل الأوضاع داخل السجون، مؤكدين أنهم كانوا ينامون بالتناوب بسبب الاكتظاظ، ويتعرضون للضرب وسوء المعاملة، فضلًا عن نقص الغذاء ورداءة المياه وانتشار السرقات.

كما تحدثت لاجئة إريترية احتُجزت مؤخرًا عن تعرضها لاعتداء جنسي عنيف من قبل نزيلات أخريات، وأكدت رويترز أن روايتها مدعومة بسجلات طبية صادرة عن مستشفى بالقاهرة.

وقالت المرأة، التي كانت تعمل في بيع الشاي، إنها اعتُقلت أثناء عملها في الشارع واقتيدت إلى قسم للشرطة، حيث تعرضت لاعتداء باستخدام زجاجة على يد ثلاث نزيلات.

وبعد الإفراج عنها، تلقت العلاج من نزيف في الرحم داخل عيادة مصطفى محمود بالقاهرة، وفقًا لما وثقته الوكالة.

ومنذ تلك الحادثة، أكدت أنها لم تعد تغادر منزلها خوفًا من إعادة احتجازها، وأصبحت تعتمد على مساعدات أصدقائها بعد فقدان مصدر رزقها.

كما أبلغ تسعة محتجزين سابقين آخرين رويترز بأنهم عانوا من الاكتظاظ الشديد، ونقص الطعام، ورداءة المياه، والسرقة، والضرب، وسوء المعاملة، مع غياب الحماية الكافية من قبل الحراس.

استهداف خاص للسودانيين؟وأكد عدد من الشهود أن اللاجئين السودانيين وذوي البشرة الداكنة كانوا الأكثر تعرضًا للاستهداف داخل أماكن الاحتجاز.

وقال طالب لجوء سوداني يبلغ من العمر 23 عامًا، أمضى ثلاثة أسابيع في السجن، إن كل شيء داخل السجن له ثمن، حتى الحصول على مكان للنوم، مضيفًا: “هناك تبدأ الهلوسة.

“ويرى كريم عمارة، من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن حجم الحملة الحالية ضد المهاجرين “غير مسبوق”، معتبرًا أن مصر تراجعت عن التزاماتها الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين ومنع إعادتهم قسرًا.

وقال: “الحماية التي كانت قائمة في مصر لعقود قد انهارت.”

كما أعرب خالد محمد، مدير وحدة البحث والرصد في الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، في تصريحات لموقع إنفومايغرانتس خلال شعبان 1446هـ (فبراير 2025م)، عن قلقه الشديد إزاء أوضاع اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء.

وأشار إلى أن الجالية السودانية تُعد من أقدم وأكبر الجاليات في مصر، إلا أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والحملات الإعلامية السلبية خلال العام الماضي أسهمت في تراجع النظرة إليها.

السلطات المصرية تنفيمن جانبها، نفت السلطات المصرية وجود حملة تستهدف اللاجئين السودانيين، مؤكدة في بيان صادر عن الهيئة العامة للاستعلامات أن جميع قرارات الترحيل تتم وفق إجراءات قانونية وضمانات قضائية، ولا تُنفذ إلا بحق من يثبت مخالفته للقانون أو تهديده للأمن القومي.

وشدد البيان على أن الحالات الفردية لا تعكس سياسة الدولة، مؤكدًا أن ملايين السودانيين وغيرهم من المهاجرين يقيمون ويدرسون ويعملون في مصر، ويستفيدون من الخدمات العامة، بما فيها التعليم والرعاية الصحية.

ورغم هذا النفي، لا تزال حالة القلق والخوف من الاعتقال أو الترحيل تسود أوساط الجالية السودانية.

“جئت أبحث عن الأمان”قالت حسنة، وهي معلمة في الأربعين من عمرها وأم لأربعة أطفال، إنها قررت العودة إلى السودان بعدما فقدت الشعور بالأمان، رغم حصول أسرتها على صفة لاجئ من الأمم المتحدة، واستمرار انتظارها لمدة عامين للحصول على موعد لاستخراج الإقامة المصرية.

وأضافت أنها تعرف عائلتين في المبنى الذي تقطنه جرى احتجاز أطفالهما وترحيلهم بالفعل.

وقالت: “جئت إلى هنا أبحث عن الأمان، لكن لا يوجد أمان. من الأفضل أن أموت في بلدي على أن أفقد أطفالي.

“وأكدت، إلى جانب آخرين يستعدون للعودة إلى السودان، أنهم يدركون استمرار تدهور الأوضاع الأمنية هناك، لكنهم يشعرون بأنهم لم يعودوا يملكون خيارًا آخر.

وفي رد رسمي لموقع إنفومايغرانتس خلال شعبان 1446هـ (فبراير 2025م)، وصفت السلطات المصرية الحديث عن فرض قيود على السودانيين بأنه “وهم”، مؤكدة أن للدولة الحق في تنظيم وجود الأجانب على أراضيها، بمن فيهم المسجلون لدى مفوضية اللاجئين.

وفي بيان صدر خلال ذو القعدة 1447هـ (مايو 2026م)، أوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن استمرار الحرب في السودان يفاقم الضغوط الاقتصادية على مصر، التي أصبحت دولة عبور ووجهة رئيسية للاجئين في المنطقة.

وأشارت المفوضية إلى أنه بين شوال 1443هـ (مايو 2022م) وذو القعدة 1447هـ (مايو 2026م) ارتفع عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر بنسبة 281%، من 288,500 إلى 1.1 مليون شخص، بينما انخفض التمويل المتاح لكل لاجئ بنسبة 76%، مما خلق فجوة كبيرة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة.

كما أصبحت مصر خلال عام 1447هـ (2025م) الدولة الأولى عالميًا من حيث استقبال طلبات اللجوء الجديدة، وأصبحت عملية تحديد صفة اللاجئ التي تديرها المفوضية في مصر الأكبر على مستوى العالم.

وأكدت المفوضية أن الاحتياجات الإنسانية للاجئين في مصر لا تزال مرتفعة، إذ يعاني أكثر من نصفهم من انعدام الأمن الغذائي، بينما يفتقر واحد من كل ثلاثة لاجئين سودانيين إلى الرعاية الصحية، ويظل نحو نصف الأطفال اللاجئين خارج المدارس.

وفي صفر 1446هـ (أغسطس 2024م)، أطلقت المفوضية نظامًا إلكترونيًا لحجز المواعيد، مما أتاح لنحو 78 ألف لاجئ سوداني، حتى شوال 1447هـ (أبريل 2026م)، الحصول على مواعيد بصورة أسرع، وساهم في تخفيف الضغط على مراكز الاستقبال.

إنفومايغرانتس.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *