رسالة عاشوراء الخالدة: أمة التوحيد لا يهزمها الطغيان ولا تكسرها المحن

5902416329484996030

نعيش زمان يواجه فيه العالم الإسلامي حربًا على جميع الجبهات.. من أعداء الأمة، والاستبداد الداخلي، والضغوط الخارجية غير المسبوقة التي تستهدف الهوية الدينية. ليعود يوم عاشوراء كل عام يذكر المسلمين بقصة لم تتوقف دلالاتها عند حدود التاريخ، بل ما زالت حاضرة بقوة في واقع الأمة ومستقبلها.

ففي العاشر من محرم، لا يستحضر المسلمون مجرد حدث تاريخي وقع قبل آلاف السنين، وإنما يستحضرون واحدة من أعظم لحظات الانتصار الإيماني في تاريخ البشرية، لحظة نجاة نبي الله موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون، وانهيار واحدة من أكثر قوى الاستبداد جبروتًا في التاريخ أمام إرادة الله تعالى.

هذه القصة التي خلدها القرآن الكريم، وجعلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم سببًا لصيام يوم عاشوراء، تحمل من المعاني ما يجعلها وثيقة حضارية متجددة قادرة على مخاطبة أزمات القرن الحادي والعشرين، وتقديم إجابات عميقة عن أسئلة الهوية والوحدة والصمود والثبات.

عاشوراء.. يوم يوحد الأنبياء ولا يفرق بينهم

عندما قدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم المدينة ورأى اليهود يصومون عاشوراء شكرًا لله على نجاة موسى عليه السلام، لم يتعامل مع موسى باعتباره نبيًا يخص أمة أخرى، بل أعلن مبدأً إيمانيًا بالغ الأهمية حين قال:”نحن أحق بموسى منكم”.

بهذه الكلمات القصيرة رسم الإسلام تصورًا فريدًا للعلاقة بين الأنبياء والرسالات السماوية، فالإسلام لم يبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما امتد جذوره إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام.

ومن هنا فإن عاشوراء يمثل إعلانًا سنويًا لوحدة الرسالة الإلهية ووحدة مصدرها ووحدة هدفها المتمثل في عبادة الله وحده وإقامة العدل ومقاومة الظلم.

وفي زمن يشهد صراعات فكرية وهوياتية متزايدة، يصبح هذا المعنى أكثر أهمية من أي وقت مضى، فالأمة التي تدرك أنها امتداد لرسالة جميع الأنبياء لا يمكن أن تنغلق على ذاتها أو تفقد ثقتها برسالتها الحضارية.

من فرعون إلى طغاة العصر

لم تكن قصة موسى عليه السلام مجرد مواجهة بين نبي وملك، لقد كانت مواجهة بين الحق والباطل، بين الحرية والاستعباد، بين الإيمان والاستكبار.

كان فرعون يملك السلطة والجيش والثروة والإعلام والنفوذ، وكان موسى عليه السلام يملك الإيمان بالله وحده، ومع ذلك كانت النهاية معروفة منذ اللحظة الأولى في ميزان السماء: غرق فرعون ونجا موسى. وهنا يكمن أحد أعظم دروس عاشوراء.

فالتاريخ الإسلامي والإنساني مليء بقوى بدت عصية على السقوط، لكنها انهارت عندما اصطدمت بإرادة الله وسننه التي لا تتبدل ولا تتغير.

وفي عالم اليوم حيث تعيش شعوب كثيرة تحت وطأة الاحتلال أو الاستبداد أو الظلم أو التهجير القسري، تبقى قصة موسى مصدر إلهام متجدد يؤكد أن موازين القوة المادية ليست وحدها التي تحكم مصائر الأمم.

التوكل على الله في عصر القلق العالمي

ربما لم يعرف الإنسان في تاريخه الحديث حجم القلق الذي يعرفه اليوم: حروب.. أزمات اقتصادية.. انهيار أسري.. اضطرابات نفسية.. تحولات ثقافية متسارعة، وتحديات وجودية تهدد استقرار المجتمعات.

في هذا السياق يبرز عاشوراء باعتباره مدرسة متكاملة في التوكل على الله، فعندما وقف موسى عليه السلام أمام البحر، وأصبح فرعون خلفه، قال قومه: “إنا لمدركون”.

أما موسى فقال بكل يقين:”كلا إن معي ربي سيهدين”. هذه الكلمات ليست مجرد موقف تاريخي، إنها منهج حياة.

فالثقة بالله لا تلغي الأخذ بالأسباب، لكنها تمنح المؤمن قدرة استثنائية على الصمود عندما تبدو الحلول البشرية مستحيلة، ولهذا بقيت قصة موسى رمزًا عالميًا للأمل في أحلك الظروف.

عاشوراء وبناء الإنسان قبل بناء الحضارة

وعندما ننظر حولنا نجد أن الأمة الإسلامية تواجه اليوم تحديات ضخمة في مجالات حياتية، لكن جميع هذه الملفات تبدأ من نقطة واحدة: الإنسان.

وعاشوراء يقدم نموذجًا واضحًا لإعادة بناء الإنسان من الداخل، فالصيام الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، إنه تدريب عملي على الانضباط الذاتي، وممارسة سنوية لتعزيز التقوى، وفرصة لمراجعة النفس.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صيام عاشوراء يكفر ذنوب سنة ماضية، وهو ما يمنح المسلم فرصة روحية عظيمة للتجدد والتطهر واستئناف السير إلى الله بقلب أكثر نقاءً.

وحدة الأمة في مواجهة الانقسام

من أخطر ما يواجه العالم الإسلامي اليوم حالة التشرذم والانقسام، فالصراعات السياسية والمذهبية والعرقية والقومية أضعفت كثيرًا من قدرات الأمة على مواجهة التحديات المشتركة.

ويأتي عاشوراء ليذكر المسلمين بحقيقة أساسية: أن الأنبياء جميعًا كانوا يحملون رسالة واحدة، وأن مصدر القوة الحقيقي للأمة يكمن في اجتماعها حول القرآن والسنة والهوية الإسلامية الجامعة.

لقد نجا موسى وقومه لأنهم اجتمعوا خلف نبيهم، ولم تنتصر الرسالات الإلهية عبر التاريخ إلا عندما تحولت العقيدة إلى قوة توحد الشعوب حول المبادئ الكبرى، وفي زمن تتكاثر فيه محاولات تمزيق المجتمعات الإسلامية، يصبح استحضار هذا الدرس ضرورة استراتيجية وليست مجرد ذكرى دينية.

معركة الوعي في زمن التضليل

واحدة من أخطر معارك العصر الحديث هي معركة الوعي، ففي زمن الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والمنصات العابرة للحدود، أصبحت الأفكار تنتشر بسرعة غير مسبوقة، ومع انتشار المعلومات تنتشر أيضًا الشائعات والأفكار المنحرفة والروايات غير الموثوقة.

ولهذا يؤكد علماء أهل السنة أن من أهم دروس عاشوراء التمسك بالسنة الصحيحة والتحذير من البدع ، فحماية العقيدة تبدأ بحماية مصادرها، وحماية الهوية تبدأ بحماية الوعي.

وكلما ازداد المسلم ارتباطًا بالقرآن والسنة الصحيحة أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل وسط الضجيج الفكري الهائل الذي يملأ العالم اليوم.

عاشوراء والهوية الإسلامية العالمية

أكثر من ملياري مسلم موزعين على مختلف القارات والثقافات واللغات، ورغم هذا التنوع الهائل، يبقى عاشوراء مناسبة توحد مشاعر المسلمين وتربطهم بتاريخهم المشترك.

ففي آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكيتين وأستراليا يصوم ملايين المسلمين اليوم نفسه، ويستحضرون القصة نفسها، ويتأملون الدروس نفسها، وهذا في حد ذاته يعكس قوة الهوية الإسلامية العابرة للحدود.

إنها هوية لا تقوم على العرق أو اللغة أو الجغرافيا، وإنما على الإيمان المشترك بالله ورسله وكتبه.

عندما تتحول الذكرى إلى مشروع نهضة

لذلك تكمن القيمة الحقيقية لعاشوراء في قدرته على تحويل الذكرى إلى مشروع عمل، فليست العبرة في استحضار قصة موسى فحسب، وإنما في تحويل دروسها إلى واقع عملي.

أن تتمسك الأمة بالتوحيد وسط الفتن، وأن تثق بالله وسط الأزمات، وأن تحافظ على وحدتها وسط الانقسامات. أن تبني الإنسان الصالح القادر على حمل الرسالة، أن تواجه الظلم دون يأس.

وأن تدرك أن النصر لا يرتبط بحجم القوة المادية فقط، بل بمدى الالتزام بالحق والعدل والإيمان.

عاشوراء.. رسالة متجددة لكل عصر

وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على نجاة موسى عليه السلام، وما يزيد على أربعة عشر قرنًا على صيام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهذا اليوم، ما زالت قصة عاشوراء تحتفظ بقدرتها الفريدة على مخاطبة الإنسان المعاصر.

فهي ليست قصة انتصار عسكري، ولا مجرد ذكرى تاريخية، إنها قصة يقين انتصر على الخوف، وإيمان انتصر على الطغيان، ووحدة انتصرت على التفرق.

ولهذا يبقى عاشوراء أكثر من يوم في التقويم الهجري. إنه رسالة متجددة تؤكد أن طريق الأنبياء واحد، وأن معركة الحق والباطل مستمرة، وأن الأمة التي تتمسك بالتوحيد والصبر والثبات قادرة على تجاوز أصعب التحديات مهما بلغت قوتها وتعقيدها، وأن البحر قد ينشق مرة أخرى أمام المؤمنين إذا صدقوا مع الله.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *