لتصنيع 300 ألف مسيرة قتالية.. تسريبات تكشف أضخم مشروع أمريكي لتجنيد الشباب

أعادت الحرب في أوكرانيا، إلى جانب المواجهات العسكرية الأخيرة بين إسرائيل وإيران، تشكيل نظرة الجيوش الكبرى إلى طبيعة الحروب المستقبلية، بعدما أثبتت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قدرتها على إحداث تأثيرات عسكرية تفوق أحيانًا ما تحققه أنظمة قتالية باهظة الثمن.

وفي هذا السياق، تتجه الولايات المتحدة نحو تنفيذ واحد من أكبر برامج إنتاج الطائرات المسيّرة في تاريخها الحديث، ضمن خطة تهدف إلى سد الفجوة المتزايدة بين واشنطن وخصومها في مجال الدرونات القتالية، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في العمليات العسكرية المعاصرة.

خطة أمريكية لإنتاج مئات الآلاف من الدرونات القتالية

كشفت تقارير أمريكية أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تدرس إطلاق برنامج ضخم لتصنيع ما يصل إلى 300 ألف طائرة مسيّرة هجومية منخفضة التكلفة، في إطار مشروع تقدر قيمته بنحو 54 مليار دولار.

ويهدف البرنامج إلى توفير أعداد هائلة من الطائرات القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم والانقضاض المباشر على الأهداف، بما يسمح للقوات الأمريكية بالاعتماد على “الحرب الكثيفة بالدرونات” بدلًا من الاعتماد الحصري على الأسلحة التقليدية مرتفعة الكلفة.

وتعكس هذه الخطوة تحولًا جوهريًا في العقيدة العسكرية الأمريكية، التي باتت ترى أن امتلاك أعداد كبيرة من المنصات الذكية الرخيصة قد يكون أكثر فاعلية من الاستثمار في عدد محدود من الأنظمة العسكرية المعقدة.

الشركات الناشئة في قلب المشروع العسكري الجديد

اللافت في الخطة الأمريكية أن البنتاجون لم يتجه هذه المرة إلى الشركات الدفاعية العملاقة التي احتكرت لعقود عقود التسليح الأمريكية، بل فتح الباب أمام شركات ناشئة يقودها مطورون شباب ومهندسون كانوا يعملون سابقًا في مجالات مدنية بعيدة عن الصناعات العسكرية.

وتضم قائمة الشركات المرشحة للمشاركة في البرنامج شركات متخصصة في تقنيات تحليل المساحات الخضراء ومراقبة ملاعب الجولف باستخدام الطائرات المسيّرة، إلى جانب فرق عمل اشتهرت بتنظيم عروض الإضاءة الجوية باستخدام أسراب الدرونات، فضلًا عن شركات أسسها متسابقون محترفون في بطولات الطائرات المسيّرة.

ويرى مسؤولو الدفاع الأمريكي أن هذه الشركات تمتلك ميزة أساسية تتمثل في سرعة الابتكار والقدرة على تطوير منتجات منخفضة التكلفة خلال فترات زمنية قصيرة، مقارنة بالشركات الدفاعية التقليدية التي تحتاج غالبًا إلى سنوات طويلة لتطوير الأنظمة العسكرية الجديدة.

دروس أوكرانيا تدفع واشنطن لتغيير الأولويات

جاء ذلك بعدما أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن الطائرات المسيّرة الصغيرة يمكنها تدمير دبابات ومدرعات ومنظومات دفاع جوي تفوقها سعرًا بعشرات أو مئات المرات.

كما كشفت المعارك أن القدرة على إنتاج آلاف الدرونات بشكل متواصل أصبحت عاملًا حاسمًا في استنزاف الخصم وتحقيق التفوق الميداني، وهو ما دفع العديد من الخبراء العسكريين إلى وصف المسيّرات بأنها “ذخيرة العصر الجديد”.

وتشير التقديرات إلى أن ساحات القتال الحديثة تشهد استهلاكًا يوميًا لآلاف الطائرات المسيّرة، ما يجعل الإنتاج الكمي السريع أحد أهم عناصر القوة العسكرية خلال السنوات المقبلة.

سباق عالمي متسارع على تكنولوجيا الدرونات

ولا يقتصر الاهتمام بالطائرات المسيّرة على الولايات المتحدة وحدها، إذ تشهد قوى دولية عديدة، من بينها الصين وروسيا ودول أوروبية، سباقًا متسارعًا لتطوير أجيال جديدة من الدرونات القتالية والانتحارية.

ويعتقد خبراء الدفاع أن الحروب المستقبلية ستعتمد بشكل متزايد على أسراب ضخمة من الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، القادرة على تنفيذ عمليات الاستطلاع والتشويش والهجوم بشكل شبه مستقل، وهو ما قد يغير موازين القوة العسكرية العالمية بصورة غير مسبوقة.

مستقبل الحروب.. من الدبابات إلى أسراب الطائرات الذكية

يعكس التوجه الأمريكي الجديد قناعة متزايدة داخل المؤسسات العسكرية بأن الحروب لم تعد تُحسم فقط بالطائرات المقاتلة أو حاملات الطائرات والدبابات الثقيلة، بل أصبحت التكنولوجيا منخفضة التكلفة والمرتفعة الكفاءة لاعبًا رئيسيًا في ساحات القتال، ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات التشغيل الذاتي، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تصبح فيها أسراب الطائرات المسيّرة إحدى أهم أدوات الحسم العسكري، في تحول قد يعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية خلال العقود المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *