الولايات المتحدة تتحرك لاستعادة التعاون مع مالي

zUZfQiJb5780R1pE2XhAbRYfTqQwQja8hBsVFRJ7.aodd

تقترب واشنطن من التوصل إلى اتفاق مع باماكو يسمح للطائرات الأمريكية المسيّرة والطائرات الاستطلاعية بالعمل فوق الأراضي المالية مجدداً. ويتمثل الهدف الرئيسي في مراقبة الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة، ولا سيما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي وسّعت نطاق وجودها بشكل ملحوظ في منطقة الساحل.

وفي فبراير، اتخذت الولايات المتحدة خطوة سياسية أولية نحو هذا الاتفاق برفع العقوبات عن عدد من كبار المسؤولين الماليين، بمن فيهم وزير الدفاع، الذين سبق اتهامهم بالتواصل مع شبكات المرتزقة الروس.

إعادة بناء النفوذ الأمريكي بعد انقلابات الساحل

في منطقة الساحل الشاسعة، تكتسب قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع أهمية عملياتية بالغة. إذ تتحرك الجماعات المسلحة بشكل روتيني عبر الحدود الرخوة والمناطق النائية حيث الوجود الحكومي محدود. ولذلك، تلعب المراقبة الجوية المستمرة دورًا محوريًا في تحديد الشبكات المسلحة، وتتبع التحركات بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ودعم عمليات مكافحة “الإرهاب” الموجهة.

بالإضافة إلى ذلك، يُضفي الاهتمام المتجدد بالعمليات الاستخباراتية بُعدًا عملياتيًا أكثر إلحاحًا. إذ تبحث السلطات الأمريكية عن طيار أمريكي اختُطف في النيجر المجاورة أثناء عمله مع منظمة تبشيرية مسيحية. وتشير التقييمات الاستخباراتية إلى أنه قد يكون محتجزًا الآن في مالي لدى مسلحين مرتبطين بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. وبالتالي، فإن استئناف رحلات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع من شأنه أن يدعم أهداف مكافحة “الإرهاب” وجهود تحديد مكان المواطن الأمريكي المأسور.

تعكس هذه المبادرة أيضاً محاولة أوسع من جانب واشنطن لإعادة بناء العلاقات مع حكومات منطقة الساحل بعد سنوات من تدهورها. فقد أدت الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى توتر العلاقات مع الشركاء الغربيين، في حين اتجهت الحكومات الإقليمية بشكل متزايد إلى الدعم الأمني الروسي. وفي الوقت نفسه، غالباً ما يُنظر إلى الضغط الأمريكي على الإصلاحات الديمقراطية محلياً على أنه تدخل غير مبرر، مما ساهم في تصاعد التوترات الدبلوماسية وخسارة الولايات المتحدة لقاعدة الطائرات المسيرة في أغاديز، النيجر، عام 1445هـ (2024م).

في حال إبرام اتفاق مع مالي، فلن يُمثّل ذلك عودة كاملة للوجود العسكري الأمريكي في منطقة الساحل. بل سيشير إلى نهج أكثر واقعية يركز على التعاون الاستخباراتي ووصول عملياتي محدود. في منطقة تزداد فيها حدة التنازع، قد يكون الحفاظ على الوعي الظرفي أكثر قيمة لواشنطن من محاولة إعادة بناء الوجود العسكري واسع النطاق الذي كان يُشكّل ركيزة أساسية لجهود مكافحة “الإرهاب” الغربية في غرب أفريقيا.

في الوقت نفسه، يبدو أن واشنطن تعيد فتح الحوار بحذر مع حكومات دول الساحل الأخرى. ويتوجه نيك تشيكر، المسؤول الرفيع في مكتب الشؤون الأفريقية، حالياً إلى واغادوغو للقاء مسؤولين في بوركينا فاسو، حيث من المتوقع أن تركز المناقشات على إعادة تأكيد احترام الولايات المتحدة للسيادة الوطنية واستكشاف سبل التعاون المتجدد في القضايا الأمنية والاقتصادية.

بيئة أمنية متنازع عليها: روسيا والصين في منطقة الساحل

كما أن هذا الترتيب المحتمل سيتعايش في ظل بيئة أمنية تتشكل بشكل متزايد بفعل النفوذ الروسي والصيني. فبعد انسحاب القوات الفرنسية وتدهور العلاقات مع الشركاء الغربيين، لجأت مالي إلى المساعدة الأمنية الروسية، بما في ذلك أفراد مرتبطين بفيلق أفريقيا (مجموعة فاغنر سابقاً).

في الوقت نفسه، وسّعت الصين نطاق نفوذها الاقتصادي في منطقة الساحل عبر استثمارات البنية التحتية، ومشاريع التعدين، ومشاركتها الأوسع في إطار مبادرة الحزام والطريق. ونتيجةً لذلك، فإن أي وجود استخباراتي أمريكي متجدد سيعمل جنبًا إلى جنب مع الهياكل الأمنية المدعومة من روسيا، وفي بيئة اقتصادية أوسع نطاقًا تلعب فيها بكين دورًا متزايدًا، مما يفتح آفاقًا للمنافسة والتنسيق المحدود بين الجهات الفاعلة الخارجية.

التحول نحو استراتيجية أمريكية أكثر مرونة لمكافحة “الإرهاب”

من المهم الإشارة إلى أن مسار منطقة الساحل له تداعيات تتجاوز حدودها المباشرة. فاستمرار عدم الاستقرار يُنذر بتحويل المنطقة إلى واحدة من أكبر بؤر النشاط الجهادي في العالم، مع احتمال امتداده إلى سواحل غرب أفريقيا، وزيادة الهجرة والضغوط الأمنية على أوروبا.

تعكس هذه المبادرة تحولاً نحو موقف أكثر مرونة في مكافحة “الإرهاب”. فبدلاً من الحفاظ على انتشار عسكري دائم واسع النطاق، تعتمد واشنطن بشكل متزايد على التعاون الاستخباراتي، وترتيبات التمركز المحدودة، والشراكات مع الحكومات المحلية للحفاظ على الوعي الظرفي في المناطق التي أصبح فيها المناخ السياسي أقل تقبلاً لوجود عسكري غربي كبير.

بحسب تقييمنا، قد يشير هذا الانخراط الدبلوماسي إلى بداية جهد أوسع لتطبيع العلاقات تدريجياً في منطقة الساحل – بما في ذلك مع النيجر – حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء قنوات التعاون بعد الانقسامات السياسية التي أعقبت الانقلابات العسكرية الأخيرة في المنطقة.

المصدر: “ديفينس 24”

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا