3,336 مدنيًا بين قتيل وجريح في تقدير إحصائي تقريبي.. حين تتحول أرواح المدنيين إلى «كلفة لا تستحق النظر» للضربات الجوية الأمريكية

yarmouk syria

وراء كل رقم في إحصاءات الحروب إنسان كان له اسم وبيت وأسرة وحياة لم يكن يتوقع أن تنتهي، أو تتغير إلى الأبد، لأن شخصًا آخر كان مستهدفًا بالقرب منه.

تحقيق استقصائي حديث مدعوم من شبكة «أريج»، استنادًا إلى بيانات منظمة «إير وورز»، أعاد فتح ملف الضحايا المدنيين للضربات الجوية الأمريكية وضربات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في اليمن وسوريا والعراق والصومال.

حلل التحقيق 884 عملية جوية بين عام 2007 ونهاية مايو/أيار 2025، ووثق سقوط ما لا يقل عن 3,336 مدنيًا بين قتيل وجريح: 1,336 في سوريا، و991 في اليمن، و793 في العراق، و216 في الصومال. والأرقام تمثل الحد الأدنى الموثق، ولا تشمل كل الضربات الأمريكية خلال هذه السنوات.

لكن الرقم الأكثر قسوة يتعلق بالأطفال.

فمن بين الضحايا المدنيين المعروفين الذين أمكن تحديد فئاتهم، وثق التحقيق 1,286 طفلًا، أي نحو 42%. بعبارة أخرى، كان الأطفال يشكلون ما يقارب طفلًا من كل ضحيتين مدنيتين معروفتين في البيانات التي تناولها التحقيق.

هذه ليست «أضرارًا جانبية» عندما ننظر إليها من جهة الأسرة التي أصابتها الضربة.

الطفل الذي يُقتل لا يصبح أقل قيمة لأن الصاروخ كان يستهدف مقاتلًا. والأم التي تفقد أبناءها ليست تفصيلًا ثانويًا في بيان عسكري. والمدني الذي يُصاب بعجز دائم لا تنتهي قصته بانتهاء الغارة.

وهنا تبرز القضية التي يطرحها التحقيق: كم من أرواح المدنيين يمكن أن تُعرَّض للخطر من أجل إصابة هدف عسكري واحد؟

حين يصبح المنزل مكانًا لاستهداف صاحبه

وجد التحقيق أن الضربات الليلية وفي ساعات الصباح الباكر ارتبطت بنسبة مرتفعة من الخسائر المدنية. وشرح مسؤول سابق في مجال حماية المدنيين في البنتاغون أن هذه الساعات قد تسهّل العثور على الشخص المستهدف في منزله، لكنها تعني أيضًا احتمال وجود أطفاله وأفراد أسرته حوله.

أي أن الميزة العسكرية نفسها – معرفة أن المطلوب موجود في بيته – قد تتحول إلى خطر على الأسرة الموجودة معه.

وتزداد خطورة المسألة عندما تفشل عملية الاستهداف في اكتشاف المدنيين المحيطين بالهدف أو عندما تُبنى التقديرات على أنماط السلوك والحركة.

إن العدد الكبير للأطفال والمدنيين، وفق خبراء استشهد بهم التحقيق، يثير أسئلة جدية بشأن التناسب والتمييز والاحتياطات المفروضة لحماية المدنيين.

فاطمة.. الناجية التي بقيت وحدها

ولعل قصة فاطمة في اليمن تختصر ما تعجز آلاف الأرقام عن قوله.

في ديسمبر/كانون الأول 2009، استهدفت ضربة أمريكية منطقة المَعْجَلة في محافظة أبين اليمنية، بحثًا عن عناصر مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة.

وسجلت لجنة تقصي حقائق برلمانية يمنية مقتل 41 مدنيًا و14 من عناصر القاعدة.

وكان بين القتلى 14 فردًا من أسرة واحدة.

كانت فاطمة تبلغ 13 عامًا. أصابت الصواريخ والقنابل العنقودية الخيام الثلاث التي كانت أسرتها تعيش فيها، وكانت هي الناجية الوحيدة من عائلتها.

أمضت ثلاثة أشهر في مستشفى بالأردن وهي في غيبوبة وصدمة، ثم عادت إلى اليمن.

لكنها لم تعد إلى حياتها. لم يعد هناك بيت تنتظرها فيه أسرتها؛ فقد عادت وحدها، تحمل آثار الضربة وذكريات عائلة اختفت في ثوانٍ.

وهنا يصبح السؤال أكبر من أرقام الطائرات والصواريخ والأهداف.

من يحاسب على مقتل أسرة فاطمة؟

المدني ليس هامشًا في الحرب

يقول التحقيق إن نسبة المدنيين الذين قُتلوا مقابل المقاتلين المستهدفين ارتفعت، في العمليات التي درسها خلال الأشهر الأولى من الولاية الثانية لدونالد ترامب، إلى 2.3 مدني مقتول مقابل كل مقاتل مقتول، وهي أعلى نسبة بين الفترات الرئاسية التي شملتها البيانات حتى نهاية مايو/أيار 2025. ويؤكد التحقيق أن تغير قواعد التفويض باستخدام القوة بين الإدارات الأمريكية كان من العوامل التي درسها لفهم اختلاف حجم الضرر المدني.

لكن وراء النقاش عن «نسب الخسائر المقبولة» حقيقة ينبغي ألا تضيع: المدني ليس رقمًا ملحقًا بالهدف العسكري.

فعندما يصبح الأطفال 42% من الضحايا المدنيين المعروفين في مجموعة كبيرة من العمليات التي جرى توثيقها، فإن السؤال عن كيفية اتخاذ قرارات الاستهداف ليس سؤالًا عاطفيًا فحسب، بل مسألة تتعلق بالمساءلة وحماية المدنيين.

وربما تكون المشكلة في لغة الحرب نفسها. فالقول: «هدف»، و«ضربة دقيقة»، و«أضرار جانبية»، و«خسائر مدنية».

لكن خلف هذه الكلمات 1,286 طفلًا، وآباء وأمهات، وبيوت فقدت أهلها، وناجون مثل فاطمة سيحملون قرارًا اتُّخذ على بعد آلاف الكيلومترات بقية حياتهم.

لهذا لا ينبغي أن ينتهي توثيق الضحايا عند عدِّهم.

لكل نفسٍ قُتلت قصة، ولكل طفل اسم، ولكل أسرة حق في أن يُعرف ماذا حدث لها، ولماذا حدث، ومن اتخذ القرار، ومن يٌحاسب على مقتلها، وكيف يجري تعويض الضحايا وكيف يجب منع تكرار ما حدث!

فالحرب لا تجعل حياة المدني رخيصة، ولا تجعل المسافة بين مَن يضغط الزر ومَن يسقط تحته أقلَّ مسؤولية.

وتبقى هذه الأرقام في التحقيق نسبة تقريبية والحصيلة أكبر بالتأكيد لكون القيادة التي تتخذ قرار القصف لا تكترث لمقتل المدنيين ما داموا مسلمين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *