تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية ، اليوم ، بمرور 250 عامًا على إعلان استقلالها، وهو حدث – كما يقول الأمريكان – يمثل رمزًا للحرية والديمقراطية وصعود إحدى أقوى الدول في التاريخ الحديث، و تتزين المدن بالأعلام، وتضيء الألعاب النارية السماء، وتُستعاد خطابات المؤسسين باعتبارها البداية التي رسمت ملامح الجمهورية الأمريكية.
لكن، وعلى الجانب الآخر من هذا المشهد الاحتفالي، يقف تاريخ طويل من الأسئلة التي لم تُغلق ملفاتها بعد، فبينما تتحدث الرواية الرسمية عن بناء دولة الحريات، تتحدث آلاف الوثائق، والتقارير ، وأحكام المحاكم، وأرشيف الجامعات، عن تاريخ موازٍ امتلأ بعمليات تهجير قسري، وإبادات جماعية، وحروب خارجية، وتمييز عرقي، وانتهاكات لحقوق الإنسان، وسياسات ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
فالدولة التي رفعت شعار “جميع البشر خُلقوا متساوين”، كانت في الوقت ذاته توسع حدودها على حساب الشعوب الأصلية، وتحافظ لعقود طويلة على نظام العبودية، ثم تنتقل لاحقًا إلى حقب من الفصل العنصري، قبل أن تدخل سلسلة طويلة من الحروب الخارجية والانقلابات السرية وبرامج التعذيب والاحتجاز خارج القانون.
وعلى امتداد قرنين ونصف، تغيرت الإدارات، وتعاقب الرؤساء، وتبدلت الأولويات السياسية، إلا أن كثيرًا من الملفات الحقوقية بقي مفتوحًا، وبعضها ما زال يشكل موضوعًا للنقاش داخل الولايات المتحدة نفسها.
وفي السنوات الأخيرة، عاد الجدل بقوة حول طبيعة الهوية الأمريكية نفسها، بعدما شهدت البلاد موجات متصاعدة من جرائم الكراهية، والانقسام السياسي، والاحتجاجات ضد العنصرية، إلى جانب اتهامات متكررة بوجود تحيزات مؤسسية في إنفاذ القانون والقضاء.
هذا التحقيق لا يسعى إلى تقديم رواية أيديولوجية أو إصدار أحكام سياسية، وإنما إلى قراءة تاريخية استقصائية تعتمد على الوثائق والأرقام والشهادات والأبحاث الأكاديمية، لفهم الكيفية التي تشكل بها هذا الوجه الآخر للولايات المتحدة خلال 250 عامًا.

قبل أن تصبح “أرض الحرية”.. كيف بدأت مأساة السكان الأصليين؟
عندما أعلنت الولايات المتحدة استقلالها عام 1776، لم تكن الأراضي التي أصبحت لاحقًا الولايات المتحدة أرضًا خالية كما صورتها كثير من الروايات التاريخية المبكرة، بل كانت موطنًا لمئات القبائل والأمم الأصلية التي عاشت لقرون طويلة، وامتلكت نظمًا سياسية واجتماعية واقتصادية متطورة.
تُقدّر الدراسات التاريخية أن ملايين السكان الأصليين كانوا يعيشون في أمريكا الشمالية قبل وصول الأوروبيين، موزعين على مئات الأمم والقبائل، مثل الشيروكي، والشوكتاو، والكريك، والسيمينول، والنافاجو، والسيو، والأباتشي وغيرها.
لكن مع توسع المستوطنات الأوروبية، ثم قيام الولايات المتحدة، بدأ صراع طويل على الأرض والموارد، سرعان ما تحول إلى سياسة رسمية استهدفت نقل السكان الأصليين بعيدًا عن المناطق التي أرادت الحكومة الأمريكية فتحها أمام المستوطنين البيض.
ورغم أن بعض المعاهدات الموقعة بين الحكومة الأمريكية والقبائل اعترفت بحقوق هذه الشعوب في أراضيها، فإن كثيرًا من تلك المعاهدات لم يُنفذ، بينما أُلغي بعضها أو جرى تجاوزه كلما تعارض مع المصالح الاقتصادية أو التوسعية للدولة.
وبحلول القرن التاسع عشر، أصبحت فكرة “القدر المتجلي” (Manifest Destiny) إحدى أكثر الأفكار تأثيرًا في السياسة الأمريكية، وهي عقيدة سياسية وثقافية اعتبرت أن توسع الولايات المتحدة عبر القارة الأمريكية يمثل رسالة تاريخية ومهمة حضارية “منحها” الله للأمة الأمريكية – هكذا يقولون.
وقد استخدمت هذه الفكرة لتبرير الاستيلاء على أراضٍ شاسعة كانت مأهولة بالسكان الأصليين، واعتُبرت، في نظر كثير من المؤرخين، أحد أهم الأسس الفكرية التي شرعنت عمليات التهجير والإقصاء.
ولم يقتصر الأمر على النزاعات العسكرية، بل تحول تدريجيًا إلى سياسة دولة متكاملة، استخدمت التشريعات والقوة العسكرية والضغوط الاقتصادية لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية للقارة.
وكانت نقطة التحول الكبرى مع وصول الرئيس أندرو جاكسون إلى السلطة، الذي تبنى بصورة واضحة مشروع إزالة القبائل من جنوب شرق الولايات المتحدة، وهو المشروع الذي تُرجم لاحقًا إلى أحد أكثر القوانين إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي: قانون تهجير الهنود لعام 1830.
ذلك القانون لم يكن مجرد إجراء إداري لنقل السكان، بل كان بداية واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث، وهي العملية التي عرفت باسم “مسيرة الدموع”، حيث سار عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال مئات الكيلومترات تحت الحراسة العسكرية، وسط الجوع والمرض والبرد، ليلقى الآلاف منهم حتفهم قبل الوصول إلى وجهتهم.
لكن “مسيرة الدموع” لم تكن سوى فصل واحد من قصة أطول بكثير، ستشهد لاحقًا مذابح جماعية، وسياسات استيعاب قسري، ومحاولات منظمة لمحو هوية السكان الأصليين وثقافاتهم ولغاتهم، وهي السياسات التي يعتبرها عدد من الباحثين والمؤسسات الأكاديمية جزءًا من تاريخ الإبادة الثقافية في الولايات المتحدة.
“مسيرة الدموع”.. عندما شرّع القانون أكبر عملية تهجير قسري في تاريخ الولايات المتحدة
لم تكن عملية تهجير السكان الأصليين نتيجة اشتباكات متفرقة أو نزاعات حدودية فحسب، بل تحولت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى سياسة دولة أقرها الكونغرس ووقعها الرئيس الأمريكي آنذاك. ففي عام 1830، أُقر قانون تهجير الهنود (Indian Removal Act)، الذي منح الحكومة الفيدرالية صلاحيات واسعة لنقل القبائل الأصلية من أراضيها شرق نهر المسيسيبي إلى مناطق تقع غربه، بحجة “تبادل الأراضي” وفتح المجال أمام التوسع الزراعي والاستيطاني.

على الورق، بدا القانون وكأنه يتيح اتفاقات تفاوضية بين الحكومة والقبائل، لكن على أرض الواقع، جرى تطبيقه في كثير من الحالات تحت ضغط عسكري وسياسي واقتصادي، ما جعل “الموافقة” شكلية في نظر كثير من المؤرخين والباحثين.
كان الدافع الحقيقي وراء هذه السياسة واضحًا، فقد كانت الأراضي التي تقطنها قبائل مثل الشيروكي، والشوكتاو، والكريك، والتشيكاساو، والسيمينول، من أكثر المناطق خصوبة في الجنوب الأمريكي، كما زادت قيمتها الاقتصادية بعد اكتشاف الذهب في أراضي الشيروكي بولاية جورجيا عام 1828، وهو ما سرّع المطالبات بطرد السكان الأصليين منها.
حين تجاهلت الدولة أعلى سلطة قضائية
في عام 1832، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمًا تاريخيًا في قضية Worcester v. Georgia، أكدت فيه أن أراضي قبائل الشيروكي تتمتع بوضع قانوني مستقل، وأن حكومة ولاية جورجيا لا تملك سلطة فرض قوانينها داخل تلك الأراضي، لكن الحكم لم يغيّر شيئًا على الأرض.
رفضت السلطات المحلية الالتزام به، واستمرت عمليات الضغط على الشيروكي لمغادرة أراضيهم، في واحدة من أشهر الوقائع التي استشهد بها مؤرخون للدلالة على محدودية سلطة القضاء عندما تتعارض أحكامه مع الإرادة السياسية في تلك المرحلة.
في عام 1838، بدأت القوات الأمريكية في تنفيذ عملية ترحيل واسعة لأبناء أمة الشيروكي، بعد أن أُجبر نحو 16 ألفًا منهم على مغادرة قراهم ومزارعهم.
وُضع الرجال والنساء والأطفال في معسكرات احتجاز مؤقتة، قبل أن تبدأ رحلة سير قسري امتدت لأكثر من 1,200 ميل (نحو 1,900 كيلومتر)، عبر طرق وعرة وفي ظروف مناخية قاسية.
لم تكن هناك تجهيزات كافية، ولا غذاء أو دواء مناسب، وانتشرت الأمراض بسرعة بين المرحّلين، فيما حصد البرد والجوع والإرهاق أرواح الآلاف، وتشير التقديرات التاريخية إلى وفاة نحو 4 آلاف شخص خلال الرحلة، أي ما يقارب ربع أبناء الشيروكي الذين أُجبروا على النزوح.
ولم تكن الشيروكي وحدها، فقد تعرضت قبائل الشوكتاو والكريك والتشيكاساو والسيمينول أيضًا لعمليات تهجير مشابهة، ليُقدَّر عدد الذين أُجبروا على مغادرة أوطانهم بعشرات الآلاف.
ولذلك أصبحت هذه الرحلات تعرف مجتمعة باسم (مسيرة الدموع)، وهو الاسم الذي بات رمزًا لإحدى أكثر السياسات إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي.
من التهجير إلى المذابح
لم يؤدي التهجير إلى إنهاء الصراع، فمع استمرار التوسع الأمريكي غربًا، اندلعت مواجهات متكررة بين الجيش الأمريكي والقبائل التي رفضت التخلي عن أراضيها، وانتهت بعض هذه المواجهات بمجازر لا تزال موضع دراسة وإدانة حتى اليوم.
في صباح 29 نوفمبر 1864، هاجمت قوات من ميليشيا كولورادو بقيادة العقيد جون تشيفينغتون معسكرًا لقبيلتي الشايان والأراباهو عند ساند كريك. كان معظم الرجال في رحلة صيد، فيما بقي داخل المخيم النساء والأطفال وكبار السن.
ورغم أن زعماء القبيلة رفعوا العلم الأمريكي وعلم الهدنة الأبيض، فإن الهجوم استمر لساعات، وقُتل ما يقدَّر بنحو 150 إلى أكثر من 200 شخص، كان معظمهم من المدنيين.
وأثارت المذبحة صدمة داخل الولايات المتحدة نفسها، حتى إن لجان تحقيق في الكونغرس أدانت ما جرى، ووصفت الهجوم بأنه عمل وحشي وغير مبرر، لكن ذلك لم يُترجم إلى محاكمات جنائية حقيقية للمسؤولين عنه.
بير ريفر… المذبحة الأقل شهرة والأكثر دموية
قبل ساند كريك بعام واحد فقط، شهدت ولاية أيداهو ما يعرف بـ مذبحة بير ريفر عام 1863، حيث هاجمت قوات الجيش الأمريكي معسكرًا لقبيلة الشوشون في ساعات الفجر.
وتختلف التقديرات حول عدد الضحايا، لكن كثيرًا من الدراسات تشير إلى مقتل ما بين 250 و400 شخص، ما يجعلها من أكثر المذابح دموية في تاريخ الصراع بين الجيش الأمريكي والسكان الأصليين.
ووندد ني… نهاية الحروب الهندية أم نهاية أمة؟
في التاسع والعشرين من ديسمبر 1890، وقعت واحدة من أشهر المذابح في التاريخ الأمريكي عند ووندد ني بولاية داكوتا الجنوبية.
كانت مجموعة من قبيلة لاكوتا قد استسلمت بالفعل للقوات الأمريكية، لكن محاولة نزع أسلحة أفرادها تحولت إلى إطلاق نار، سرعان ما تطور إلى قصف كثيف من الجيش، وخلال أقل من ساعة، كان ما بين 250 و300 من رجال القبيلة ونسائها وأطفالها قد قُتلوا.
واعتبر كثير من المؤرخين هذه المذبحة النهاية الرمزية لما عُرف بـ”الحروب الهندية”، لكنها بالنسبة للسكان الأصليين كانت نهاية مرحلة كاملة من وجودهم الحر على أراضيهم التاريخية.
ورغم الانتقادات اللاحقة، مُنح عدد من الجنود المشاركين في العملية أوسمة الشرف العسكرية، وهو قرار لا يزال يثير جدلًا واسعًا حتى اليوم، وتطالب قبائل السكان الأصليين بإلغائه.
الإبادة الثقافية… عندما أصبح الهدف محو الهوية لا الجسد
بعد أن تقلصت مساحة الأراضي التي يسيطر عليها السكان الأصليون، انتقلت السياسة الأمريكية إلى مرحلة جديدة، حيث لم يعد الهدف فقط السيطرة على الأرض، بل إعادة تشكيل الإنسان نفسه.
وخلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أُنشئت شبكة واسعة من المدارس الداخلية الفيدرالية المخصصة لأطفال السكان الأصليين، وكان الشعار غير الرسمي الذي تبنته هذه المؤسسات يلخص فلسفتها بوضوح:
“اقتل الهندي… وأنقذ الإنسان.”
كانت السلطات تنتزع الأطفال من عائلاتهم قسرًا في كثير من الحالات، ثم تنقلهم إلى مدارس تبعد مئات أو آلاف الكيلومترات عن مجتمعاتهم، وهناك كان يُحظر عليهم التحدث بلغاتهم الأصلية، أو ارتداء ملابسهم التقليدية، أو ممارسة طقوسهم الدينية.
وكانت أسماؤهم تُستبدل بأسماء إنجليزية، وتُقص شعورهم، ويُفرض عليهم نمط حياة يهدف إلى دمجهم بالكامل في الثقافة الأوروبية الأمريكية.
وكشفت تحقيقات حديثة لوزارة الداخلية الأمريكية عن وجود مئات المدارس من هذا النوع، إضافة إلى اكتشاف مواقع دفن مرتبطة ببعضها، ووفاة أعداد من الأطفال بسبب الأمراض وسوء التغذية والإهمال، في فصل لا يزال يلقي بظلاله على العلاقة بين الدولة والسكان الأصليين.
ويصف عدد متزايد من الباحثين هذه السياسات بأنها إبادة ثقافية، لأنها استهدفت القضاء على اللغة والذاكرة والهوية الجماعية، حتى عندما لم تستهدف الإبادة الجسدية المباشرة.
جراح لم تلتئم
بعد مرور ما يقرب من قرنين على “مسيرة الدموع”، لا تزال آثار تلك السياسات حاضرة، فالسكان الأصليون يمثلون نسبة صغيرة من سكان الولايات المتحدة، لكنهم يعانون، وفق تقارير حكومية ومنظمات حقوقية، من معدلات مرتفعة من الفقر، والانتحار، والإدمان، والعنف، واختفاء النساء والفتيات، إضافة إلى تعقيدات قانونية تتعلق بالولاية القضائية داخل الأراضي القبلية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
ويرى باحثون أن ما يواجهه السكان الأصليون اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من التهجير، وفقدان الأراضي، ومحاولات محو الهوية، وهي سياسات تركت آثارًا اجتماعية ونفسية واقتصادية ممتدة عبر الأجيال.
الحرية التي لم تشمل الجميع.. كيف بُنيت الجمهورية الأمريكية على نظام العبودية؟
في الرابع من يوليو 1776، أعلن الآباء المؤسسون للولايات المتحدة أن «جميع البشر خُلقوا متساوين، وأن لهم حقوقًا غير قابلة للتصرف، من بينها الحياة والحرية والسعي وراء السعادة».
غير أن هذا الإعلان، الذي أصبح أحد أكثر النصوص السياسية تأثيرًا في التاريخ الحديث، لم يكن يعكس الواقع الذي عاشه مئات الآلاف من البشر داخل الدولة الوليدة.
فبينما كانت المستعمرات البريطانية السابقة تخوض حربها ضد التاج البريطاني باسم الحرية، كان نظام الرق يشكل أحد الأعمدة الاقتصادية الرئيسية للمجتمع الأمريكي، وكانت أجيال كاملة من الأفارقة المستعبدين تعمل في المزارع والحقول والموانئ دون أي حقوق قانونية أو إنسانية.
لقد وُلدت الجمهورية الأمريكية وهي تحمل في داخلها تناقضًا عميقًا بين المبادئ التي أعلنتها والممارسات التي تبنتها.

تجارة الرقيق.. الاقتصاد الذي بُني على استعباد البشر
لم تكن الولايات المتحدة هي التي بدأت تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي، لكنها أصبحت واحدة من أكبر المستفيدين منها، فعلى امتداد القرنين السابع عشر والثامن عشر، نُقل ملايين الأفارقة قسرًا من أوطانهم إلى العالم الجديد في ظروف وصفتها الدراسات التاريخية بأنها من أكثر عمليات النقل الجماعي قسوة في التاريخ.
كانت السفن الأوروبية والأمريكية تحمل الرجال والنساء والأطفال مقيدين بالسلاسل داخل عنابر ضيقة، حيث انتشرت الأمراض وسوء التغذية والاختناق.
وتشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف لقوا حتفهم قبل أن تطأ أقدامهم اليابسة، أما من وصلوا أحياء، فقد كانوا يُباعون في أسواق الرقيق كما تُباع الممتلكات، ويُفصل الأطفال عن آبائهم، والأزواج عن زوجاتهم، دون أي اعتبار للروابط الإنسانية.
وبحلول نهاية القرن الثامن عشر، أصبح العمل القسري للأفارقة المستعبدين عنصرًا أساسيًا في إنتاج القطن والتبغ وقصب السكر، وهي المنتجات التي لعبت دورًا محوريًا في نمو الاقتصاد الأمريكي.
وقد وصف عدد من المؤرخين هذا النظام بأنه أحد المحركات الرئيسية لتراكم الثروة في الولايات المتحدة خلال بداياتها.
دستور يساوي بين الحرية والرق
عندما اجتمع الآباء المؤسسون لصياغة الدستور الأمريكي عام 1787، لم يُلغِ الدستور نظام الرق، بل تضمن تسويات سياسية سمحت باستمراره حفاظًا على وحدة الولايات الجديدة.
ومن أشهر تلك التسويات ما عُرف بـ “تسوية الثلاثة أخماس”، التي اعتبرت الشخص المستعبد يُحسب كثلاثة أخماس إنسان عند احتساب التمثيل السياسي للولايات الجنوبية، رغم أنه لا يملك حق التصويت ولا أي حقوق مدنية.
كانت هذه المفارقة تعكس طبيعة المرحلة، فالإنسان الأسود كان يُستخدم لزيادة النفوذ السياسي لمالكيه، دون أن يُعترف بإنسانيته الكاملة.
القطن والدم… حين أصبح الإنسان سلعة
مع اختراع آلة حلج القطن في أواخر القرن الثامن عشر، ازداد الطلب على اليد العاملة المستعبدة بصورة غير مسبوقة، وتوسعت مزارع الجنوب الأمريكي بسرعة هائلة، وأصبح الرجال والنساء والأطفال يعملون لساعات طويلة تحت التهديد بالعقاب البدني.
وكان الجلد بالسياط، والتجويع، والبيع القسري، والعمل حتى الإنهاك، من الوسائل الشائعة لفرض السيطرة، ولم يكن القانون يوفر أي حماية حقيقية للمستعبدين، إذ كانوا يُعاملون بوصفهم ممتلكات يمكن بيعها أو رهنها أو توريثها.
وقد وثقت شهادات العبيد السابقين، التي جُمعت لاحقًا ضمن مشروعات الأرشيف الفيدرالي، تفاصيل مروعة عن الحياة اليومية داخل المزارع، من العقوبات الجسدية إلى الحرمان من التعليم ومنع تكوين الأسر بصورة مستقرة.
الحرب الأهلية… نهاية الرق قانونًا لا واقعًا
اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، وكان نظام الرق أحد أهم أسبابها، وبعد أربع سنوات من القتال الذي أودى بحياة مئات الآلاف، أُقرت التعديلات الدستورية التي ألغت العبودية رسميًا، وبدا لكثيرين أن الولايات المتحدة دخلت عصرًا جديدًا، لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا.
فإلغاء الرق لم يُنهِ التمييز، بل انتقل إلى أشكال قانونية ومؤسسية جديدة.
جيم كرو… عندما استبدلت السلاسل بالقوانين
ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر، أقرت ولايات الجنوب سلسلة من القوانين عُرفت باسم قوانين جيم كرو، فرضت هذه القوانين الفصل العنصري في المدارس ووسائل النقل والمطاعم والمستشفيات والحدائق العامة وحتى دور العبادة.
أصبح الأمريكي الأسود مواطنًا على الورق، لكنه في الواقع يعيش في مجتمع يفصل بينه وبين البيض في معظم تفاصيل الحياة.
ولم يقتصر الأمر على الفصل، بل حُرم ملايين السود من التصويت عبر اختبارات تعجيزية وضرائب انتخابية ووسائل ترهيب مختلفة، وكانت أي محاولة للمطالبة بالمساواة قد تقابل بالعنف.
الإعدام خارج القانون… الإرهاب الذي استمر لعقود
بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، شهدت الولايات المتحدة آلاف عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء (Lynching).
كان مجرد اتهام رجل أسود -وأحيانًا دون أي دليل- كافيًا لتجتمع حشود غاضبة وتعذبه ثم تشنقه أو تحرقه حيًا أمام الجمهور.
وتشير قاعدة بيانات مبادرة العدالة المتساوية (Equal Justice Initiative) إلى توثيق أكثر من أربعة آلاف عملية إعدام خارج القانون استهدفت الأمريكيين السود بين عامي 1877 و1950، بينما يرجح باحثون أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك.
ولم تكن هذه الجرائم مجرد أعمال فردية، بل شكلت، في نظر مؤرخين، وسيلة لترسيخ التفوق العرقي وإرهاب المجتمعات السوداء ومنعها من المطالبة بحقوقها، وفي كثير من الحالات، لم يُحاسب مرتكبوها.
حركة الحقوق المدنية… مواجهة قرن من التمييز
بحلول خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بدأت واحدة من أكبر حركات الاحتجاج في التاريخ الأمريكي، حيث خرج آلاف الأمريكيين السود للمطالبة بإنهاء الفصل العنصري وضمان حق التصويت والمساواة أمام القانون.
وبرزت شخصيات مثل مارتن لوثر كينغ الابن، الذي قاد احتجاجات سلمية واسعة، مطالبًا بأن تصبح المبادئ التي نص عليها الدستور حقيقة يعيشها جميع الأمريكيين.

ورغم صدور قوانين تاريخية مثل قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، فإن العنصرية لم تختفِ، بل تغيرت أشكالها.
العنصرية المؤسسية.. المشكلة التي لم تنتهِ
خلال العقود التالية، استمرت الاتهامات بوجود تفاوتات عرقية في مجالات العدالة الجنائية، والتعليم، والصحة، والإسكان، وفرص العمل، وأظهرت إحصاءات حكومية وأبحاث جامعية أن الأمريكيين من أصل إفريقي يمثلون نسبة مرتفعة من نزلاء السجون مقارنة بنسبة وجودهم في المجتمع، كما يواجهون معدلات أعلى من الفقر والبطالة واستخدام القوة من قبل الشرطة.
وأعاد مقتل جورج فلويد عام 2020 إشعال النقاش حول العنصرية المؤسسية، بعدما وثق مقطع فيديو عملية وفاته أثناء توقيفه، لتندلع احتجاجات غير مسبوقة داخل الولايات المتحدة وخارجها تحت شعار “حياة السود مهمة”.
وبينما دافع مسؤولون عن وجود إصلاحات قانونية ومؤسساتية مهمة منذ ستينيات القرن الماضي، رأى منتقدون أن استمرار هذه الفجوات يعكس أن آثار قرون من العبودية والتمييز لم تختفِ بالكامل.
من الداخل إلى الخارج… تصدير القوة الأمريكية
مع نهاية القرن التاسع عشر، لم تعد الولايات المتحدة تركز فقط على توسيع نفوذها داخل حدودها، فبعد أن اكتمل تقريبًا مشروع التوسع غربًا، بدأت مرحلة جديدة من تاريخها، حملت معها تدخلات عسكرية خارجية، واحتلالات، وحروبًا ستغير خريطة العالم.
كانت البداية في الكاريبي والمحيط الهادئ، ثم امتدت إلى آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وهناك، سيبدأ فصل آخر من سجل الانتهاكات، لكن هذه المرة خارج الحدود الأمريكية.
الإمبراطورية خارج الحدود
مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة قد أنهت تقريبًا مشروعها التوسعي داخل القارة الأمريكية، لكن القوة الاقتصادية المتنامية، والقدرات العسكرية المتزايدة، دفعتا صناع القرار في واشنطن إلى تبني سياسة خارجية أكثر حضورًا، تقوم على حماية المصالح الأمريكية خارج الحدود، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز النفوذ الاستراتيجي.
بالنسبة لأنصار هذه السياسة، كان ذلك انتقالًا طبيعيًا لدولة صاعدة إلى مصاف القوى الكبرى،أما بالنسبة لمنتقديها، فقد كان بداية مرحلة جديدة من التدخلات العسكرية التي خلّفت خسائر بشرية كبيرة وأثارت نقاشًا واسعًا حول التزام الولايات المتحدة بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
الحرب الأمريكية الإسبانية.. بداية النفوذ الإمبراطوري
في عام 1898، دخلت الولايات المتحدة حربًا مع إسبانيا انتهت بانتصار سريع، وأسفرت عن انتقال السيطرة على أراضٍ عدة إلى واشنطن، من بينها بورتوريكو وغوام والفلبين.
ورغم أن الخطاب الرسمي تحدث عن “تحرير الشعوب” من الاستعمار الإسباني، فإن الفلبين سرعان ما دخلت في صراع جديد، لكن هذه المرة مع القوة التي قدمت نفسها بوصفها محرِّرة.
الفلبين… حرب انتهت واستمرت المأساة
رفضت الحركة الوطنية الفلبينية الخضوع للإدارة الأمريكية، واندلعت الحرب الفلبينية الأمريكية عام 1899، واستمرت حتى عام 1902 رسميًا، بينما تواصلت المواجهات في بعض المناطق لسنوات لاحقة.
اتسمت الحرب بعنف شديد من الطرفين، إلا أن العديد من الدراسات التاريخية وثّقت استخدام القوات الأمريكية لأساليب قاسية في بعض المناطق، شملت:
- إحراق قرى بأكملها.
- إنشاء مناطق تجميع قسري للسكان.
- تنفيذ إعدامات ميدانية.
- استخدام التعذيب أثناء الاستجواب، ومن أشهر وسائله ما عُرف باسم “علاج الماء” (Water Cure)، وهو أسلوب يعتبره باحثون أحد أشكال التعذيب التي تشبه في جوهرها الإغراق الوهمي.
وتختلف التقديرات بشأن عدد الضحايا المدنيين، لكن كثيرًا من المؤرخين يشيرون إلى أن الحرب والأمراض والمجاعة المصاحبة لها أودت بحياة مئات الآلاف من الفلبينيين.
وأثارت هذه الحرب معارضة داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تأسست الرابطة الأمريكية المناهضة للإمبريالية، التي ضمت سياسيين ومفكرين وأدباء رأوا أن إخضاع شعب آخر بالقوة يتناقض مع المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الأمريكية.
أمريكا اللاتينية.. قرن من التدخلات
مع بداية القرن العشرين، أصبحت منطقة الكاريبي وأمريكا الوسطى ساحة رئيسية للنفوذ الأمريكي.
شهدت دول مثل هايتي ونيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وكوبا تدخلات عسكرية مباشرة واحتلالات مؤقتة، بررتها الإدارات الأمريكية بالحفاظ على الاستقرار أو حماية المصالح الاقتصادية.
وفي كثير من الحالات، دعمت واشنطن حكومات حليفة أو تدخلت لتغيير أنظمة اعتبرتها مهددة لمصالحها.
ويرى مؤرخون أن هذه السياسات ساهمت في ترسيخ عدم الاستقرار السياسي في أجزاء من المنطقة لعقود طويلة، بينما تؤكد الإدارات الأمريكية المتعاقبة أنها كانت تتحرك في سياقات الحرب الباردة أو حماية الأمن الإقليمي.

الحرب العالمية الثانية.. الانتصار الذي انتهى بسلاح غير مسبوق
خلال الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دورًا حاسمًا في هزيمة ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية، وهو دور يعده كثير من المؤرخين أحد أهم أسباب إنهاء الحرب في أوروبا والمحيط الهادئ، لكن الأيام الأخيرة للحرب شهدت قرارًا سيظل من أكثر القرارات العسكرية إثارة للجدل في التاريخ.
هيروشيما وناجازاكي.. أول وآخر استخدام للسلاح النووي ضد البشر
في السادس من أغسطس 1945، أسقطت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، وبعد ثلاثة أيام فقط، أُلقيت قنبلة ثانية على ناجازاكي.
أدت الانفجارات والحرائق والإشعاعات إلى مقتل عشرات الآلاف فورًا، ثم ارتفع عدد الضحايا خلال الأشهر والسنوات التالية بسبب الحروق والإصابات الإشعاعية والسرطانات والتشوهات الخلقية.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الضحايا في المدينتين بلغ مئات الآلاف خلال السنوات اللاحقة، ولا يزال القرار موضع انقسام بين المؤرخين.
فأنصار القرار يرون أنه عجّل بإنهاء الحرب ومنع خسائر أكبر كانت ستنتج عن غزو اليابان، أما منتقدوه، فيعتبرونه استخدامًا غير متناسب للقوة ضد مدنيين، ويفتح نقاشًا أخلاقيًا وقانونيًا مستمرًا حول شرعية استخدام الأسلحة النووية.

الحرب الباردة.. عندما أصبحت الانقلابات أداة للسياسة الخارجية
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، دخل العالم مرحلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وفي إطار سياسة احتواء النفوذ السوفيتي، دعمت واشنطن عمليات سرية وتدخلات سياسية في عدد من الدول.
ومن أبرز الأمثلة:
إيران 1953
دعمت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، عملية أدت إلى الإطاحة برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، بعد قراره تأميم صناعة النفط.
وترى وثائق رفعت عنها السرية لاحقًا أن العملية كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ إيران، وأسهمت في تصاعد الاحتقان الذي سبق الثورة الإيرانية عام 1979.
غواتيمالا 1954
دعمت الولايات المتحدة انقلابًا أطاح بالرئيس المنتخب جاكوبو آربينز، وسط مخاوف من تنامي النفوذ اليساري.
ويعتبر باحثون أن الانقلاب فتح الباب أمام عقود من عدم الاستقرار والعنف السياسي والحرب الأهلية التي أودت بحياة عشرات الآلاف.
تشيلي 1973
لا يزال الدور الأمريكي في الإطاحة بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي محل نقاش تاريخي واسع.
وتشير وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية إلى دعم سياسي واقتصادي سري لقوى معارضة، سبق الانقلاب العسكري الذي قاده أوغستو بينوشيه.
وخلال سنوات حكم بينوشيه، وثقت منظمات حقوق الإنسان آلاف حالات الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري.
فيتنام.. الحرب التي غيّرت صورة أمريكا
إذا كانت الحرب العالمية الثانية قد رسخت صورة الولايات المتحدة كقوة محررة، فإن حرب فيتنام ستصبح واحدة من أكثر الحروب التي هزت تلك الصورة.
بدأ التدخل الأمريكي تدريجيًا، ثم تحول إلى حرب واسعة النطاق استمرت سنوات، استخدمت خلالها الولايات المتحدة قوة نارية هائلة، وقصفت مساحات واسعة من فيتنام الشمالية والجنوبية.
كما استخدمت مواد كيميائية لإزالة الغابات، أبرزها العامل البرتقالي (Agent Orange)، الذي احتوى على مادة الديوكسين السامة.
ولا تزال آثار هذا العامل الكيميائي تُسجل حتى اليوم، حيث تربطه دراسات بحالات سرطان وتشوهات خلقية ومشكلات صحية طويلة الأمد بين السكان والجنود الذين تعرضوا له.
مذبحة ماي لاي.. عندما انكشف وجه الحرب
في صباح 16 مارس 1968، دخلت وحدة من الجيش الأمريكي قرية ماي لاي في فيتنام.
وخلال ساعات، قُتل مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال ومسنون، في واحدة من أكثر الجرائم العسكرية توثيقًا في الحرب.
وأثارت الصور والشهادات التي كُشف عنها لاحقًا صدمة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وأصبحت ماي لاي رمزًا للتجاوزات التي يمكن أن تقع في الحروب عندما تغيب المحاسبة الفورية.

ورغم محاكمة عدد محدود من العسكريين، فإن كثيرًا من المنتقدين رأوا أن حجم المساءلة لم يكن متناسبًا مع حجم الجريمة.
ومع انتهاء حرب فيتنام، دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من تاريخها العسكري، لكن التدخلات الخارجية لم تتوقف.
بل انتقلت إلى الشرق الأوسط، حيث ستبدأ سلسلة من الحروب والعمليات العسكرية التي ستعيد تشكيل المنطقة، وتضع واشنطن مرة أخرى في قلب اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، بدءًا من حرب الخليج، ثم أفغانستان، والعراق، وصولًا إلى ملفات التعذيب والسجون السرية وغوانتانامو.
كيف غيّرت هجمات 11 سبتمبر وجه الولايات المتحدة والعالم؟
مع شروق صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001، كانت الولايات المتحدة تستعد ليوم عمل عادي. وبعد أقل من ساعتين، كانت أربع طائرات مدنية مختطفة قد غيّرت مجرى التاريخ.
أدت الهجمات إلى مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص، وأحدثت صدمة غير مسبوقة داخل المجتمع الأمريكي، ودفعت الإدارة الأمريكية إلى إعلان ما أصبح يعرف بـ”الحرب العالمية على الإرهاب”.

كان للهجمات أثر بالغ على السياسة الأمريكية والأمن العالمي، وأدت إلى تدخلات عسكرية وتشريعات أمنية واسعة، وفي الوقت نفسه، أثارت بعض الإجراءات التي اتُّخذت بما يعرف باسم مكافحة الإرهاب انتقادات قانونية وحقوقية واسعة، ولا تزال آثارها محل نقاش حتى اليوم.
أفغانستان.. أطول حرب في التاريخ الأمريكي
بعد أقل من شهر على الهجمات، بدأت الولايات المتحدة، بدعم من حلفائها، عملياتها العسكرية في أفغانستان بهدف إسقاط حكومة طالبان ، والقضاء على تنظيم القاعدة.
نجحت القوات الأمريكية سريعًا في إسقاط الحكومة، لكن الحرب تحولت إلى صراع طويل استمر قرابة عشرين عامًا، وخلال تلك الفترة، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين والمقاتلين، ونزح ملايين الأفغان، فيما تعرضت البنية التحتية لدمار واسع.
كما وثقت منظمات دولية وأممية حوادث متعددة سقط فيها مدنيون نتيجة غارات جوية أو عمليات عسكرية، وأثارت هذه الحوادث مطالبات بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عندما يثبت وقوع انتهاكات إنسانية.
وفي أغسطس 2021، انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان، وعادت طالبان إلى السلطة، في نهاية حرب تُعد الأطول في تاريخ الولايات المتحدة.
العراق.. حرب بدأت بأسلحة لم تُعثر عليها
في مارس 2003، قادت الولايات المتحدة تحالفًا عسكريًا لغزو العراق، مستندة إلى اتهامات بأن حكومة صدام حسين تمتلك أسلحة دمار شامل، وأنها تمثل تهديدًا للأمن الدولي.
لكن بعد سقوط النظام، لم تعثر فرق التفتيش على مخزون من أسلحة الدمار الشامل كما كان قد أُعلن قبل الحرب، وأدى ذلك إلى واحدة من أكبر الأزمات السياسية التي واجهتها الإدارات الأمريكية، وأثار نقاشًا عالميًا حول شرعية الحرب والمعلومات الاستخباراتية التي بُني عليها قرار الغزو.

وتشير تقديرات ودراسات مختلفة إلى أن الحرب وما أعقبها من أعمال عنف واضطرابات أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، إلى جانب نزوح ملايين العراقيين داخل البلاد وخارجها.
أبو غريب.. الصور التي هزّت العالم
في عام 2004، نُشرت صور التُقطت داخل سجن أبو غريب، أظهرت معتقلين عراقيين يتعرضون لمعاملة مهينة وتعذيب وإساءة على أيدي أفراد من الجيش الأمريكي.
أثارت الصور موجة استنكار عالمية، لأنها وثقت انتهاكات وقعت داخل منشأة كانت تخضع لإدارة القوات الأمريكية، وشملت الانتهاكات، وفق التحقيقات العسكرية الأمريكية نفسها، الضرب، والإذلال، والإجبار على أوضاع مهينة، وتهديد المعتقلين بالكلاب، وغيرها من الممارسات .

وأدين عدد من الجنود والضباط أمام محاكم عسكرية، إلا أن منظمات حقوقية اعتبرت أن المساءلة لم تمتد إلى جميع المستويات القيادية التي ساهمت في خلق البيئة التي سمحت بوقوع تلك الانتهاكات.
أصبحت صور أبو غريب إحدى أكثر الصور ارتباطًا بالحرب في العراق، وألحقت ضررًا بالغًا بصورة الولايات المتحدة على المستوى الدولي.
غوانتانامو.. السجن الذي تجاوز حدود القانون؟
في يناير 2002، افتتحت الولايات المتحدة مركز احتجاز في معتقل خليج غوانتانامو، واختير الموقع خارج الأراضي الأمريكية القارية، في خطوة رأى منتقدون أنها هدفت إلى تجنب بعض القيود القانونية التي تنطبق على السجون داخل الولايات المتحدة.
احتُجز في المعتقل مئات الأشخاص من جنسيات مختلفة، ووصفتهم الإدارة الأمريكية آنذاك بأنهم “مقاتلون أعداء”، لكن كثيرًا منهم ظل محتجزًا لسنوات طويلة دون محاكمة أو توجيه اتهامات رسمية.
وأصدرت منظمات تقارير متكررة انتقدت استمرار الاحتجاز غير المحدد المدة، وطالبت بإغلاق المعتقل أو محاكمة المحتجزين وفق معايير العدالة، ورغم مرور أكثر من عقدين، لا يزال المعتقل قائمًا.

السجون السرية وبرامج الاستجواب المشدد
لم تقتصر الانتهاكات على السجون المعروفة، فقد كشفت تقارير لاحقة عن شبكة من مراكز الاحتجاز السرية التي أدارتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في عدد من الدول.
كما كشف تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2014 عن استخدام وسائل استجواب وصفتها الإدارة الأمريكية في حينها بـ”المشددة”، بينما اعتبرتها الأمم المتحدة وخبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان أشكالًا من التعذيب.
وشملت تلك الوسائل، بحسب التقرير، الإغراق الوهمي، والحرمان المطول من النوم، والحبس في أوضاع مؤلمة، وأساليب أخرى أثارت جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا واسعًا.
وأكد التقرير أيضًا أن هذه الأساليب كانت أكثر قسوة مما أُعلن سابقًا، وأن فعاليتها الاستخباراتية كانت محل خلاف داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.
قانون باتريوت.. الأمن أم تقييد الحريات؟
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، أقر الكونغرس الأمريكي قانون باتريوت (USA PATRIOT Act)، الذي منح السلطات صلاحيات أوسع في مجالات المراقبة، وجمع البيانات، وتتبع الاتصالات، ورأت الحكومة الأمريكية أن هذه الصلاحيات ضرورية لمنع هجمات مستقبلية.
لكن منظمات حقوقية، مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، حذرت من أن بعض بنود القانون قد تمس الخصوصية والحقوق الدستورية، خاصة مع اتساع نطاق المراقبة الحكومية.
وتجدد الجدل بعد التسريبات التي كشفها إدوارد سنودن عام 2013، والتي أظهرت برامج واسعة لجمع بيانات الاتصالات داخل الولايات المتحدة وخارجها.
الحرب على الهوية
لم تقتصر آثار هجمات 11 سبتمبر على السياسة الخارجية، فداخل الولايات المتحدة، بدأت فئة واسعة من العرب والمسلمين تشعر بأنها أصبحت موضع شك جماعي.
وتحول الأمر، في بعض الحالات، إلى أحكام مسبقة استهدفت أفرادًا لا علاقة لهم بأي نشاط متطرف.
وشهدت السنوات التالية ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم الكراهية والتمييز والمضايقات ضد المسلمين والعرب، وهو ما وثقته بيانات رسمية وتقارير منظمات حقوقية.
الرقم الذي كشف حجم التحول
وفق بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ارتفعت جرائم الكراهية ضد المسلمين من 28 حادثة في عام 2000 إلى 481 حادثة في عام 2001، أي بزيادة تقارب سبعة عشر ضعفًا خلال عام واحد.
ورغم مرور أكثر من عقدين على الهجمات، تشير الدراسات إلى أن معدلات جرائم الكراهية ضد المسلمين بقيت أعلى من مستويات ما قبل 11 سبتمبر بعدة أضعاف.
ويرى باحثون أن هذه الزيادة لم تكن مجرد رد فعل مؤقت، بل ساهمت في ترسيخ ظاهرة الإسلاموفوبيا في قطاعات من المجتمع، مدفوعة بعوامل متعددة، منها بعض الخطابات السياسية، والتغطيات الإعلامية النمطية، والتوترات المرتبطة بالأحداث الدولية.
لكن التطورات لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، سجلت منظمات حقوقية وهيئات رسمية موجة جديدة من الاعتداءات والتهديدات والتمييز ضد المسلمين والعرب داخل الولايات المتحدة، في مؤشر على أن هذه الظاهرة لا تزال قادرة على التصاعد مع كل أزمة دولية كبرى.
الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة… عندما تحوّل الخوف إلى نمط دائم من التمييز
إذا كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد غيّرت السياسة الخارجية الأمريكية، فإنها غيّرت أيضًا العلاقة بين قطاعات من المجتمع الأمريكي وبين مواطنيه المسلمين والعرب.
ففي الأسابيع الأولى التي أعقبت الهجمات، سادت حالة من الغضب والخوف، لكنها سرعان ما تجاوزت ملاحقة المسؤولين عن الجريمة إلى استهداف أشخاص لا تربطهم أي علاقة بالإرهاب سوى انتمائهم الديني أو أصولهم العرقية.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الإسلاموفوبيا واحدة من أكثر القضايا حضورًا في النقاشات الحقوقية داخل الولايات المتحدة، حيث تتحدث تقارير رسمية وأكاديمية عن تزايد جرائم الكراهية، وخطاب التحريض، والتمييز في أماكن العمل والتعليم، والاشتباه الأمني القائم على الهوية.
قفزة غير مسبوقة في جرائم الكراهية
وكشفت مراكز أبحاث أمريكية أن المسلمين ظلوا، على مدى العقدين التاليين، من بين أكثر الجماعات الدينية تعرضًا لجرائم الكراهية مقارنة بحجمهم السكاني.
وشملت هذه الجرائم:
- الاعتداءات الجسدية.
- إطلاق النار على دور العبادة.
- تخريب المساجد.
- التهديدات اللفظية.
- الاعتداء على النساء المحجبات.
- المضايقات في المدارس والجامعات.
- التمييز في أماكن العمل.
من الجريمة الفردية إلى الخطاب العام
يرى باحثون أن المشكلة لا تقتصر على الاعتداءات الفردية، فخلال العقدين الماضيين، برز خطاب سياسي وإعلامي في بعض الأوساط يربط الإسلام بالعنف بصورة نمطية، وهو ما ساهم في ترسيخ صور سلبية عن المسلمين.
وتشير دراسات في علم الاجتماع والإعلام إلى أن التغطيات الإخبارية المتعلقة بالإرهاب حظيت بحضور واسع مقارنة بالتغطيات التي تناولت حياة المسلمين العاديين، ما عزز لدى بعض الجمهور انطباعات غير دقيقة عن مجتمع يتجاوز تعداده أربعة ملايين مسلم داخل الولايات المتحدة.
وفي المقابل، ظهرت مبادرات أكاديمية ودينية وإعلامية هدفت إلى تصحيح هذه الصور النمطية وتعزيز الحوار بين الأديان، وهو ما يعكس وجود انقسام داخل المجتمع الأمريكي نفسه بشأن هذه القضية.
لم تقتصر التحديات على جرائم الكراهية، فقد وثقت تقارير صادرة عن الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، ومنظمات حقوقية أخرى، شكاوى تتعلق بما وصفته بالاستهداف غير المتناسب للعرب والمسلمين في بعض التحقيقات الأمنية، وبرامج المراقبة، وإجراءات السفر والهجرة.
كما أثارت برامج المراقبة التي استهدفت بعض المجتمعات المسلمة، خصوصًا في مدينة نيويورك بعد 11 سبتمبر، جدلًا واسعًا، بعدما كشفت تقارير صحفية ووثائق قضائية عن عمليات متابعة لأنشطة دينية واجتماعية لمجرد الاشتباه المرتبط بالهوية، دون وجود أدلة على ارتكاب جرائم.
ورغم تأكيد السلطات أن تلك الإجراءات كانت تهدف إلى حماية الأمن القومي، فإن منتقدين رأوا أنها أضعفت الثقة بين أجهزة إنفاذ القانون والمجتمعات المسلمة.
بعد 7 أكتوبر 2023 موجة جديدة من الكراهية
أعادت الحرب في غزة، التي اندلعت عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023، قضية الإسلاموفوبيا إلى الواجهة مجددًا.
فقد سجلت منظمات حقوقية، وفي مقدمتها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، ارتفاعًا كبيرًا في البلاغات المتعلقة بالتمييز والاعتداءات والتهديدات ضد المسلمين والعرب.
كما سجلت شرطة مدينة نيويورك ارتفاعًا في جرائم الكراهية المعادية للمسلمين خلال الأشهر التي تلت اندلاع الحرب، بينما وثقت جامعات أمريكية شكاوى من طلاب تعرضوا لمضايقات بسبب هويتهم العربية أو الإسلامية.
وحذرت منظمات حقوقية من أن تصاعد الاستقطاب السياسي والإعلامي قد يؤدي إلى ترسيخ موجات جديدة من الكراهية إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة لمواجهتها.
250 عامًا بين المبادئ والواقع
بعد مرور ربع ألفية على تأسيس الولايات المتحدة، يبدو أن السؤال الأكبر لم يعد يتعلق فقط بحجم القوة التي وصلت إليها، بل بقدرتها على مواجهة تاريخها بشفافية.
فعلى امتداد 250 عامًا، شهدت البلاد:
- تهجيرًا قسريًا للسكان الأصليين ومذابح تركت آثارًا ممتدة حتى اليوم.
- نظام عبودية استمر لعقود، تلاه فصل عنصري مؤسسي ونضال طويل من أجل الحقوق المدنية.
- تدخلات عسكرية خارجية وانقلابات دعمتها واشنطن في سياقات مختلفة من الحرب الباردة.
- استخدامًا للقوة العسكرية أثار جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا، من هيروشيما وناجازاكي إلى فيتنام والعراق.
- برامج احتجاز وتعذيب ومراقبة وُجهت إليها انتقادات واسعة بعد هجمات 11 سبتمبر.
- استمرار تحديات التمييز وجرائم الكراهية ضد الأقليات، وعلى رأسها العرب والمسلمون.
وبين احتفالات الرابع من يوليو 2026، والأسئلة التي لا تزال تطرحها ملفات السكان الأصليين، والعبودية، والحروب الخارجية، والإسلاموفوبيا، يبقى التاريخ الأمريكي رواية معقدة لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة.
وربما تكون المراجعة الصادقة لهذا الإرث، بكل تناقضاته، هي الاختبار الحقيقي لأي دولة ترفع شعارات الحرية والعدالة والمساواة.
إقرأ أيضًا :
الفناء الخلفي الذي تمرّد.. كيف صنعت الولايات المتحدة قرنين من العداء في أمريكا اللاتينية؟





اترك تعليقاً