«وصل» تفتح ملف الإمبراطورية الخفية لسماسرة السلاح في أمريكا

في كل مرة تندلع فيها حرب جديدة، ينشغل العالم بالدبابات والصواريخ والخرائط العسكرية، لكن بعيدًا عن خطوط النار، تدور معركة أخرى أكثر هدوءًا وأشد ربحًا.. معركة العقود العسكرية والاستثمارات الدفاعية وأسهم شركات السلاح التي ترتفع قيمتها كلما اتسعت رقعة الصراع.

في الولايات المتحدة، حيث تمتلك أكبر ميزانية دفاعية في العالم، لم تعد الحروب مجرد أداة للسياسة الخارجية أو الأمن القومي، بل تحولت إلى قطاع اقتصادي ضخم تتشابك فيه مصالح الشركات العملاقة مع مراكز النفوذ السياسي، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة حول حدود العلاقة بين السلطة والمال، ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برزت أسئلة جديدة حول الدور الذي يلعبه المقربون من الرئيس، وفي مقدمتهم أبناؤه، داخل الاقتصاد العسكري الأمريكي الذي تقدر قيمته بمئات المليارات من الدولارات سنويًا.

أبناء ترامب يدخلون سوق الحرب

وسط الحروب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق متفرقة من العالم خاصة في الشرق الأوسط ، ظهر اسم دونالد ترامب الابن وإريك ترامب ضمن قائمة المستثمرين في شركة “باوروس” الأمريكية الناشئة المتخصصة في تصنيع وتطوير أنظمة الطائرات بدون طيار، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى استثمارًا عاديًا في قطاع تكنولوجي واعد، لكن توقيته وسياقه يفتحان بابًا واسعًا من التساؤلات. فالشركة التي تأسست على يد عناصر سابقين في قوات العمليات الخاصة الأمريكية، تعمل في واحد من أكثر القطاعات استفادة من الحروب المعاصرة، وتسعى للتوسع عبر الأسواق العسكرية الحكومية، في وقت تضخ فيه وزارة الدفاع الأمريكية مليارات الدولارات لتطوير صناعة الدرونز المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات الصينية.

الأمر لا يتعلق بشركة واحدة فقط، فدونالد ترامب الابن أصبح أيضًا أحد الوجوه البارزة المرتبطة بصندوق الاستثمار “1789 كابيتال”، الذي ضخ استثمارات في عشرات الشركات العاملة في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية، بما في ذلك شركات متخصصة في أنظمة القتال الذاتية والطائرات المسيّرة والبرمجيات العسكرية المتقدمة.

ومن بين هذه الشركات: (Anduril Industries) المتخصصة في الأنظمة القتالية غير المأهولة.

-(Unusual Machines) لصناعة الطائرات المسيرة.

-(Extend) الإسرائيلية التي فازت بعقود بملايين الدولارات لتطوير طائرات هجومية تعمل بالذكاء الاصطناعي.

1000266997

هنا يبدأ الجدل الحقيقي، لأنه حين تستثمر عائلة الرئيس في شركات تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على العقود الحكومية الدفاعية، يصبح الفصل بين القرار السياسي والمصلحة الاقتصادية أكثر تعقيدًا.

البنتاجون.. أكبر خزنة أموال في العالم

فهم حجم الإغراءات المالية يصعب دون النظر إلى حجم الإنفاق العسكري الأمريكي نفسه، فميزانية وزارة الدفاع الأمريكية تجاوزت 886 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يفوق الإنفاق العسكري لمعظم دول العالم مجتمعة، هذه الميزانية العملاقة حولت البنتاجون إلى أكبر مشترٍ للأسلحة والخدمات العسكرية على وجه الأرض، ومع كل مشروع تسليحي جديد، تتنافس الشركات للحصول على حصتها من “الكعكة” الدفاعية، ولا تتعلق المنافسة فقط بجودة المنتج أو الكفاءة التقنية، بل كثيرًا ما تتداخل معها شبكات النفوذ السياسي والضغط التشريعي وجماعات المصالح التي تمثل أحد أكثر القطاعات نفوذًا داخل واشنطن.

1000266600

ولذلك أصبح مصطلح “المجمع الصناعي العسكري” الذي حذر منه الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور قبل عقود، أكثر حضورًا اليوم من أي وقت مضى.

الدرونز.. الذهب الجديد للحروب الحديثة

إذا كانت الدبابات والطائرات المقاتلة هي رموز الحروب التقليدية، فإن الطائرات المسيّرة أصبحت العملة الجديدة للصراعات المعاصرة.

الحرب في أوكرانيا كشفت أن طائرة صغيرة لا يتجاوز سعرها بضع مئات من الدولارات يمكن أن تدمر معدات عسكرية بملايين الدولارات. هذا التحول دفع الجيوش الكبرى إلى إعادة صياغة عقائدها القتالية بالكامل، وتتوقع مراكز أبحاث دفاعية أن تتجاوز قيمة سوق الطائرات المسيّرة العسكرية عالميًا عشرات المليارات خلال السنوات المقبلة.

بالنسبة للمستثمرين، لا يمثل ذلك مجرد تطور تكنولوجي، بل فرصة مالية استثنائية، أما بالنسبة للمنتقدين، فهو دليل إضافي على أن استمرار الحروب أصبح مرتبطًا بمصالح اقتصادية متنامية يصعب تجاهلها.

تاريخ طويل من الفضائح

الجدل الدائر اليوم حول استثمارات أبناء ترامب لم ينشأ من فراغ، فصناعة السلاح الأمريكية تحمل تاريخًا طويلًا من قضايا الفساد والتلاعب والاحتيال.

خلال السنوات الأخيرة فقط، اضطرت شركة Raytheon إلى دفع مئات الملايين من الدولارات لتسوية اتهامات تتعلق بتضليل الحكومة الأمريكية بشأن الأسعار وتقديم بيانات غير دقيقة حول بعض العقود الدفاعية.

وفي قضية أخرى، وجهت السلطات الأمريكية اتهامات لمقاولين دفاعيين بتقديم رشاوى لمسؤولين عسكريين مقابل تسهيل الحصول على عقود حكومية، مع تضخيم التكاليف بصورة مصطنعة لإخفاء الأموال المدفوعة.

كما كشفت ملفات وزارة العدل الأمريكية عن عشرات القضايا المتعلقة بالتلاعب في العقود العسكرية والاحتيال في برامج الأمن السيبراني وتقديم مطالبات مالية مضللة للحكومة، ولم تقتصر المشكلة على الشركات الخاصة، فالهيئات الرقابية الأمريكية نفسها أقرت مرارًا بأن وزارة الدفاع تعاني من مشكلات مزمنة في التدقيق المالي والرقابة على الإنفاق.

البنتاجون الذي لا يستطيع حساب أمواله

واحدة من أكثر المفارقات إثارة للدهشة في واشنطن أن المؤسسة التي تدير أكبر ميزانية حكومية في العالم فشلت مرارًا في اجتياز عمليات التدقيق المالي الشاملة. فعلى مدار سنوات متتالية، واجهت وزارة الدفاع انتقادات بسبب عدم قدرتها على تتبع جميع أصولها ونفقاتها بدقة.

1000259833

ويرى خبراء الحوكمة أن هذه الثغرات لا تعني بالضرورة وجود فساد في كل الملفات، لكنها تخلق بيئة مثالية لإهدار الأموال وتضخم التكاليف وصعوبة المحاسبة، وفي قطاع تتدفق إليه مئات المليارات سنويًا، تصبح أي ثغرة صغيرة قادرة على ابتلاع مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب.

من إيران كونترا إلى فضائح العصر الرقمي

حين يُذكر الفساد العسكري الأمريكي، يصعب تجاوز واحدة من أشهر القضايا السياسية في التاريخ الحديث.

في ثمانينيات القرن الماضي، كشفت فضيحة “إيران-كونترا” عن شبكة سرية لبيع أسلحة إلى إيران وتحويل عائداتها لدعم قوات متمردة في نيكاراغوا، رغم القيود القانونية المفروضة آنذاك.

لم تكن القضية مجرد خرق للقانون، بل كشفت كيف يمكن للسياسة الخارجية والسلاح والمال أن تتداخل داخل مؤسسات الدولة بطريقة معقدة، ورغم مرور عقود على تلك الفضيحة، فإن كثيرًا من المنتقدين يرون أن جوهر المشكلة لم يتغير، بل انتقل من العمليات السرية إلى شبكات الاستثمار والضغط السياسي الأكثر تطورًا.

تضارب المصالح.. المنطقة الرمادية

نعم لا توجد حتى الآن أدلة على ارتكاب أبناء ترامب مخالفات قانونية فيما يتعلق باستثماراتهم الدفاعية، لكن الإشكالية الأساسية التي يطرحها خبراء الأخلاقيات الحكومية في أمريكا مختلفة، فالقضية لا تتعلق فقط بوجود مخالفة، بل بظهور شبهة تضارب المصالح، لأنه حين تكون العائلة الأقرب إلى الرئيس مستثمرة في شركات يمكن أن تستفيد من السياسات الدفاعية للحكومة، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن القرارات تُتخذ بمعزل كامل عن المصالح الاقتصادية، ولهذا السبب تحظى مثل هذه الاستثمارات بحساسية استثنائية داخل الأنظمة الديمقراطية.

اقتصاد الحرب.. من المستفيد الحقيقي؟

تكشف الحروب الحديثة حقيقة باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فكل صاروخ يتم إطلاقه يعني طلبية جديدة، وكل حرب طويلة تعني عقودًا إضافية، وكل سباق تسلح يفتح أسواقًا جديدة أمام الشركات الدفاعية.

وفي الوقت الذي يدفع فيه الجنود والمدنيون ثمن الصراعات على الأرض، تحقق قطاعات كاملة أرباحًا هائلة من استمرارها.

وللولايات المتحدة إرث كبير من وقائع التربح، فخلال الحرب العالمية الثانية، ارتفع الإنتاج الصناعي العسكري في الولايات المتحدة بنسبة 96% بين عامي 1940 و1944، وتحوّلت شركات مثل بوينج ولوكهيد مارتن وجنرال دايناميكس إلى عمالقة صناعية بفضل العقود العسكرية.

أما خلال حربي العراق وأفغانستان، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 2.3 تريليون دولار على العمليات العسكرية، وفق تقديرات جامعة براون الأمريكية، وشهدت تلك الفترة صعود شركات مثل Halliburton وBlackwater التي حصلت على عقود ضخمة لتقديم خدمات لوجستية وأمنية للقوات الأمريكية.

لهذا يرى منتقدو المجمع الصناعي العسكري أن الخطر لا يكمن فقط في الفساد المباشر، بل في وجود بنية اقتصادية كاملة تستفيد موضوعيًا من استمرار التوترات العالمية.

ربما لا تكمن الأزمة الحقيقية في استثمار أبناء ترامب في شركة أو صندوق بعينه.. الأزمة الأعمق تتعلق بالنموذج نفسه.. نموذج يجعل أكبر اقتصاد عسكري في العالم متداخلًا بصورة متزايدة مع النخب السياسية والمالية ومراكز النفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *