ليبيا تحت مقصلة الاحتلال الإيطالي (1298 – 1371 هـ الموافق 1881 – 1951): تشريح التغلغل المالي والإبادة الاستيطانية والتجريف العقدي للبلاد

ليبيا تحت مقصلة الاحتلال الإيطالي

وصل للأخبار | ليبيا تحت مقصلة الاحتلال الإيطالي

لم يكن الغزو الإيطالي للديار الليبية مجرد حملة عسكرية طارئة لفرض نفوذ سياسي، بل كان مشروعاً استيطانياً إحلالياً واستخباراتياً سعى لإعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية البائدة؛ حيث نظر المحتل إلى هذه البلاد باعتبارها امتداداً جغرافياً وحضارياً مستحقاً للرومان والبيزنطيين، جرى انتزاعه منهم يوم أن طرد المسلمون الفاتحون جيوشهم منها في أزمنة الفتوحات الإسلامية الأولى ونشروا فيها التوحيد.

ومن هذا المنطلق العقدي والاستعلائي الطامع، هدف العدوان إلى انتزاع الأرض من أيدي المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، واجتثاث هويتهم الإسلامية، معتمداً على شتى أسلحة المأسسة المالية، والتجسس، والبطش العسكري لفرض واقع يدمج البلاد قسراً في المنظومة الغربية ويقطع صلتها بعقيدتها وحضارتها.

أولاً: التغلغل الاستخباري والمالي والتفاهمات الاستعمارية (1298 – 1326 هـ الموافق 1881 – 1908)

سبقت الاجتياح العسكري المباشر محاولات اختراق خبيثة لبنية المجتمع الإسلامي، استهدفت تهيئة البلاد للسيطرة الشاملة:

– التغلغل الناعم والتجسس: دخل المحتل عبر البعثات التبشيرية، والشركات التجارية، وإنشاء المدارس التغريبية لتأهيل فئات تابعة لثقافته، بالتوازي مع إرسال البعثات الاستكشافية والأثرية لرسم الخرائط وجمع المعلومات الاستخبارية.

– المأسسة المالية الجائرة (مصيدة الديون): افتُتح فرع لـ “بنك دي روما” في الحواضر الرئيسية، لا لدعم الاقتصاد المحلي، بل لإغراق المسلمين في الديون القسرية، ثم مصادرة أراضيهم وزراعاتهم عند العجز عن السداد، فضلاً عن تحويل القنصليات الاستعمارية إلى بؤر للتجسس وإدارات المخطط المالي.

– الصفقات الاستعمارية القارية: ضمن المحتل الإيطالي غطاءً دولياً لاحتلال البلاد عبر صفقات واقتسام مناطق نفوذ؛ حيث عقد اتفاق الحلف الثلاثي في عام 1299 هـ الموافق 1882، وتوافق مع المحتل البريطاني في عام 1304 هـ الموافق 1887 مقابل إطلاقه يده في مصر، وتوافق مع المحتل الفرنسي في عام 1319 هـ الموافق 1902 مقابل إطلاق يده في مراكش وتشاد، وتفاهم مع المحتل الروسي حول المضائق البحرية.

ثانياً: الإنذار الاستبدادي والعدوان العسكري المباشر (1329 – 1330 هـ الموافق 1911 – 1912)

أسرع المحتل الإيطالي بالانتقال إلى المواجهة المسلحة عبر فرض الأمر الواقع:

– الإنذار القسري والحصار: وجه المحتل في عام 1329 هـ الموافق 1911 إنذاراً مدته 24 ساعة يطالب فيه بسحب القوات المدافعة وتسليم المدن الساحلية بحجج واهية، وقبل انتهاء المهلة كانت القوافل البحرية تحاصر الشواطئ الليبية.

– استباحة الحواضر: شن الأسطول الإيطالي قصفاً مدفعياً مكثفاً على المدن الساحلية المأهولة بالمسلمين في طرابلس، وبنغازي، ودرنة، وطبرق، ورافق ذلك إنزال عسكري واسع لقطع تواصل البلاد مع عمقها الإسلامي.

– التسويات الدولية: خاض المسلمون معارك دفاعية استبسالاً عن دينهم وأرواحهم، إلا أن المحتل الإيطالي استغل التسويات السياسية بين القوى الغربية في عام 1330 هـ الموافق 1912 لتثبيت سلطته العسكرية وتكريس احتلاله الميداني دون أدنى اعتبار لإرادة المسلمين أو حقوقهم الشرعية والتاريخية.

ثالثاً: المقاومة الإسلامية وكسر شوكة المحتل في الميدان (1331 – 1345 هـ الموافق 1913 – 1927)

ثبت المسلمون في ميادين المواجهة:

– معارك المواجهة الكبرى: خاض المسلمون معارك فاصلة كبدت المحتل خسائر فادحة، ومن أبرزها معركة “يوم الجمعة” في عام 1331 هـ الموافق 1913، ومعركة القرضابية في عام 1333 هـ الموافق 1915 جنوبي سرت، والتي شاركت فيها مختلف القبائل وأجبرت القوات الاستعمارية على التراجع والتحصن في السواحل.

اقرأ أيضًا: السودان من مقصلة المحتل البريطاني (1316 – 1375 هـ الموافق 1899 – 1956) إلى وقتنا الحاضر (1448ه‍ـ الموافق 2026)

قيادة المجاهد عمر المختار وحرب العصابات: اتخذ المجاهد عمر المختار من منطقة “الجبل الأخضر” مركزاً وثقلاً لإدارة المقاومة، وألحق بالمحتل الإيطالي خسائر فادحة في معارك عديدة، منها معركة “العقيرة” ومعركة “المغمورة”، وصولاً إلى معركة “الرحيبة” في عام 1345 هـ الموافق 1927 التي اعترف فيها حاكم برقة الإيطالي (“تيروتسي”) الكافر بالهزيمة النكراء.

– التكتيكات العسكرية للشيخ عمر المختار: قسم المجاهد عمر المختار جيشه إلى مجموعات صغيرة مرنة لسهولة الحركة والتنقل، واعتمد في قتاله على حرب الهجوم المباغت (الكر والفر)؛ لتعويض النقص العددي والتسليحي ولتفادي مواجهة القوة الاستعمارية الكبرى في الميدان المفتوح.

رابعاً: سياسة الإبادة الجماعية ومحارق المعتقلات الصحراوية (1340 – 1352 هـ الموافق 1922 – 1933)

نتيجة الخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات الإيطالية وفشل مساعيها في التفاوض مع المجاهد عمر المختار أو إثنائه عن جهاده، ومع صعود النظام الفاشي في إيطاليا في عام 1340 هـ الموافق 1922، أرسلت إيطاليا جيشاً ضخماً وعينت (غرازياني) حاكماً عاماً اتّبع سياسة اتسمت بالوحشية الشاملة:

– الأرض المحروقة والتجويع: اعتمد المحتل مصادرة أموال المسلمين وممتلكاتهم، وإتلاف المحاصيل، وتدمير المواشي، وردم وتسميم آبار المياه في الصحراء لإهلاك المسلمين وإضعاف حاضنة المقاومة.

– معتقلات الاعتقال الصحراوية: جرى تهجير السكّان قسراً من أريافهم وباديتهم إلى المعتقلات الصحراوية المحاطة بالأسلاك الشائكة وحراسة بطاشة (مثل معتقل العقيلة، وسيدي أحمد المقرون، والسلوق، والبريقة).

– الإبادة البشرية والخنق الحدودي: أسفرت المجاعات المنظمة والأوبئة عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المسلمين؛ كما أقام المحتل سوراً من الأسلاك الشائكة على طول الحدود الليبية المصرية لمنع وصول المساعدات والإمدادات إلى المقاومة، مما أدى إلى خنقها وتراجع قدراتها العسكرية.

– استبسال المجاهد واستشهاده كما نحسبه والله حسيبه: استمر المجاهد عمر المختار بمقاومة الاحتلال بكل بسالة رغم تجاوز عمره السبعين عاماً، لكن التفوق العسكري للجيش الإيطالي المجهز بأحدث الأسلحة أدى إلى أسره ثم إعدامه في عام 1350 هـ الموافق 1931؛ حيث سقط شهيداً كما نحسبه والله حسيبه، وأثار استشهاده موجة عارمة من النقمة والاستياء لدى الشعب الليبي والأمة الإسلامية، لتوصل المقاومة طريقها بعد ذلك حتى عام 1352 هـ الموافق 1933.

خامساً: الاستيطان الإحلالي والمأسسة القانونية الوضعية والتجريف العقدي (1350 – 1358 هـ الموافق 1931 – 1939)

عقب إخماد بؤر السلاح بالحديد والنار، شرع المحتل في تثبيت وجوده الاستيطاني وتجريف هوية البلاد:

– مصادرة الملكيات: انتزع المحتل أكثر من 500,000 هكتار من خصب الأراضي الزراعية في الجبل الأخضر والسهول الساحلية من مالكيها المسلمين، وتوزيعها على عشرات الآلاف من المستوطنين الأجانب المستجلبين من الخارج.

– المأسسة القانونية الوضعية: ألغى المحتل المحاكم الشرعية والمنظومات القضائية المستمدة من الوحي، وفرض مأسسة قانونية وضعية عبر قوانين غربية مستوردة، مع تقزيم الأحكام الشرعية وحصرها في أحوال شخصية ضيقة.

– التجهيل ومحاربة الهوية: أغلق المحتل الكتاتيب القرآنية، وحظر
التدريس باللغة العربية، وفرض اللغة والأنظمة الغربية، وترك المدثات والبدع لإشغال العامة عن حقائق دينهم وفريضة التحرر.

سادساً: المخططات الاحتلالية الدولية (1346 – 1371 هـ الموافق 1928 – 1951)

امتدت مواجهة المسلمين للمحتل إلى الساحة السياسية والدولية:

التضامن في المؤتمر الإسلامي: عرضت قضية الديار الليبية في “المؤتمر الإسلامي” بالقدس في عام 1350 هـ الموافق 1931؛ حيث صدرت قرارات إسلامية جامعة تشجب العدوان الاستعماري الإيطالي وتفضح جرائمه بحق المسلمين.

– استنزاف الحرب العالمية وتوارث التبعية: تحولت البلاد خلال الحرب العالمية الثانية بين عامي 1358 هـ الموافق 1939 و1364 هـ الموافق 1945 إلى ساحة صراع بين القوى الغربية والمتنافسين، مما ألحق دماراً هائلاً بحواضر المسلمين ومقدراتهم.

– تقسيم البلاد والوصاية الأجنبية: عقب هزيمة المحتل الإيطالي وانسحابه في عام 1362 هـ الموافق 1943، خضعت البلاد لإدارات عسكرية لدول احتلالية أخرى سعت لتقسيم الديار (فزان، برقة، طرابلس)، وفرض نظام عملات أجنبي، وإنشاء قواعد عسكرية.
تم تشكيل هيئات ومجالس في عام 1364 هـ الموافق 1945 لرفض مشاريع الوصاية الغربية العشرية وتم الاستقلال عام 1371 هـ الموافق 1951.

حتمية الاعتصام بحبل الله والعودة إلى جذور الدين

تثبت مأساة الديار الليبية وما رافقها من بطش وتغريب أن تسلط المحتل كان ثمرة لتنحية الشريعة والارتهان للنظم الوضعية. وإن السبيل الأوحد لاستعادة العزة وحقن الدماء لا يكمن في الترضيات والحلول الدولية الهشة، بل في العودة الصادقة للتوحيد الخالص، وتحكيم الوحي، وتطهير البلاد من البدع والمحدثات؛ إذ لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صَلح به أولها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *