من بولارد إلى حرب إيران.. البنتاجون يرفع التحذير من التجسس الإسرائيلي

على امتداد عقود طويلة، قُدمت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها واحدة من أكثر الشراكات الاستراتيجية متانة في العالم.. تعاون عسكري واستخباراتي غير مسبوق، ودعم سياسي متبادل، وتنسيق دائم في أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية، لكن خلف هذا التحالف الوثيق، ظل هناك ملف لا يغيب عن ذاكرة الأجهزة الأمنية الأمريكية: التجسس بين الحلفاء.

وفي تطور يكشف حجم القلق المتصاعد داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية، أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن وزارة الدفاع الأمريكية رفعت مستوى التحذير المرتبط بالأنشطة الاستخباراتية الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة إلى أعلى درجاته، في خطوة نادرة تعكس وجود مخاوف متزايدة من اتساع عمليات جمع المعلومات التي تستهدف دوائر صنع القرار في واشنطن.

تقييم استخباراتي يثير القلق

بحسب مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، أعدت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة تقييماً جديداً لمخاطر التجسس المضاد، تضمن تحذيراً داخلياً يضع النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ضمن فئة التهديدات الحرجة.

وجاء التقييم في وثيقة تحليلية مطولة تضمنت خرائط وبيانات ورسومات استخباراتية تناولت قدرات إسرائيل في مجالي التجسس البشري وجمع المعلومات التقنية.

وخلص التقرير إلى أن النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي المرتبط بمتابعة مداولات الإدارة الأمريكية بشأن التطورات الإقليمية بلغ مستوى يفرض تشديد الإجراءات الأمنية داخل المؤسسات الدفاعية الأمريكية.

ووفق مصادر مطلعة، يتركز القلق الأمريكي حول محاولات محتملة للحصول على معلومات تتعلق بالنقاشات الداخلية الخاصة بسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه الحرب مع إيران، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

1000269075

الحرب مع إيران في قلب المشهد

لا يأتي هذا التطور في فراغ سياسي، فالعلاقة بين إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية شهدت خلال الأشهر الأخيرة توترات غير مألوفة على خلفية إدارة الحرب مع إيران.

فبينما يميل الرئيس الأمريكي إلى الدفع نحو تسويات سياسية ومسارات دبلوماسية لإنهاء المواجهة التي اندلعت بين الطرفين، تواصل الحكومة الإسرائيلية إظهار تحفظات قوية تجاه أي اتفاق محتمل مع طهران.

وتشير تقديرات أمنية غربية إلى أن إسرائيل تسعى لمعرفة الاتجاه الحقيقي الذي ستسلكه واشنطن خلال المرحلة المقبلة: هل ستعود إلى خيار المواجهة العسكرية الواسعة أم ستتمسك بمسار التهدئة والتفاوض؟.

هذا السؤال بات يمثل إحدى أهم القضايا الاستراتيجية بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب، وهو ما يفسر – بحسب خبراء أمنيين – أهمية المعلومات القادمة من دوائر صنع القرار الأمريكية.

تل أبيب تنفي وواشنطن تلتزم الصمت

في المقابل، رفضت إسرائيل الاتهامات بصورة قاطعة، وأكدت السفارة الإسرائيلية في واشنطن أن الدولة العبرية لا تنفذ عمليات تجسس ضد مسؤولين أو مؤسسات حكومية أمريكية، ووصفت المزاعم المتداولة بأنها غير صحيحة وتحمل أبعاداً سياسية.

1000269076

أما وزارة الدفاع الأمريكية فقد امتنعت عن التعليق المباشر على التقارير، فيما نفى مسؤول في البيت الأبيض صحة الرواية المتداولة، معتبراً أنها تستند إلى معلومات غير دقيقة.

لكن اللافت أن النفي الرسمي لم يمنع استمرار النقاش داخل الأوساط الأمنية الأمريكية حول طبيعة العلاقة الاستخباراتية المعقدة بين البلدين.

إجراءات احترازية جديدة

رغم استمرار التعاون الأمني الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، تشير المعلومات المتداولة إلى أن المؤسسات الدفاعية الأمريكية بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات احترازية إضافية.

وتشمل هذه الإجراءات تشديد بروتوكولات حماية المعلومات الحساسة خلال اللقاءات الثنائية، ورفع مستوى الحذر أثناء الزيارات الرسمية التي يجريها مسؤولون أمريكيون إلى إسرائيل أو أثناء الاجتماعات المشتركة مع نظرائهم الإسرائيليين.

ويؤكد مسؤولون أمريكيون أن هذه الخطوات لا تعني تراجع مستوى الشراكة الأمنية، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لقدرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي توصف داخل بعض الدوائر الأمنية الأمريكية بأنها من بين الأكثر نشاطاً وكفاءة في العالم.

شبح قضية بولارد يعود من جديد

بالنسبة لكثير من العاملين في أجهزة الأمن الأمريكية، لا يمكن الحديث عن التجسس الإسرائيلي دون استحضار واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين.

ففي ثمانينيات القرن الماضي، هزت قضية محلل الاستخبارات البحرية الأمريكي جوناثان بولارد المؤسسات الأمنية الأمريكية بعدما ثبت تورطه في نقل كميات ضخمة من الوثائق السرية إلى إسرائيل.

وأصبحت القضية آنذاك رمزاً لحدود الثقة بين الحلفاء، بعدما حُكم على بولارد بالسجن لعقود طويلة بسبب تسريبه معلومات اعتبرتها واشنطن شديدة الحساسية.

ورغم مرور سنوات طويلة على تلك الأزمة، فإنها ما زالت تُستحضر داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية كلما عادت المخاوف المرتبطة بالنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي إلى الواجهة.

مفارقة التجسس بين الحلفاء

المفارقة أن الولايات المتحدة نفسها ليست بعيدة عن هذا النوع من الممارسات، فالتاريخ الحديث يكشف أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية مارست عمليات جمع معلومات واسعة النطاق شملت خصوماً وحلفاء على حد سواء.

وقد كشفت تسريبات المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية إدوارد سنودن عام 2013 عن برامج مراقبة وتنصت استهدفت قادة ومسؤولين في دول حليفة لواشنطن، من بينهم المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل.

لذلك يرى خبراء العلاقات الدولية أن التجسس بين الحلفاء ليس استثناءً في عالم السياسة، بل جزء من معادلة معقدة تحكم العلاقات بين الدول مهما بلغت درجة التحالف بينها.

أزمة ثقة أم خلاف عابر؟

حتى الآن لا توجد مؤشرات على أن هذه التطورات ستقود إلى أزمة سياسية علنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فالبلدان ما زالا يرتبطان بأوسع شبكة تعاون عسكري واستخباراتي في الشرق الأوسط، كما أن التحديات المشتركة، وفي مقدمتها الملف الإيراني، تجعل من الصعب تصور حدوث قطيعة حقيقية بينهما.

1000235677

لكن ما تكشفه هذه التطورات هو أن العلاقات الدولية لا تُبنى على الثقة المطلقة، حتى بين أقرب الحلفاء.

ففي عالم الاستخبارات، لا تُقاس الصداقات بالتصريحات السياسية، بل بكمية المعلومات التي يسعى كل طرف إلى حمايتها عن الآخر.

ولهذا تبدو الأزمة الحالية أقل ارتباطاً بإسرائيل وحدها، وأكثر ارتباطاً بقاعدة قديمة تحكم عالم الأمن القومي: لا يوجد حليف فوق الشبهات عندما يتعلق الأمر بالأسرار الاستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *