لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن هاجم الصومال بنفس وتيرة هجوم ترامب، وخاصة في ولايته الثانية.
قال الرئيس دونالد ترامب عن الصومال في خطاب كراهية للأجانب مؤخرًا: ” ليس فيها أي شيء. كل ما يفعلونه هو الركض وإطلاق النار على بعضهم البعض”.
وكما هو الحال مع الكثير من الأمور المتعلقة بهذه الإدارة، فإن كل اتهام هو أيضًا اعتراف.
بدأت القوات الأمريكية بإطلاق النار على الصوماليين منذ أوائل التسعينيات، بعد أن شنّ الرئيس جورج بوش الأب تدخلاً -في ظاهره- ذا طابع إنساني هناك، تبنّاه لاحقًا خليفته بيل كلينتون. وبحلول يونيو 1993، بدأت القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة بمهاجمة أهداف مختلفة في العاصمة الصومالية مقديشو، مرتبطة بأمير الحرب محمد فرح عيديد، الذي ساعد في الإطاحة بالدكتاتور محمد سياد بري.
في الشهر التالي، وفي تصعيد خطير، هاجمت مروحيات حربية أمريكية منزلاً في تلك المدينة كان يجتمع فيه مجموعة من زعماء القبائل الصومالية. وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن مقتل 54 شخصًا وإصابة 161 آخرين. بينما قال عيديد أن 73 صوماليًا لقوا حتفهم، بينهم نساء وأطفال ، وأصيب أكثر من 200 آخرين.
ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت القوات الأمريكية، في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، في عهد جورج دبليو بوش الابن، في إطار ما عُرف بالحرب العالمية على الإرهاب، بذبح الصوماليين مجدداً.
فبالإضافة إلى الصراعات الكبرى في أفغانستان والعراق، شنّ بوش الابن حروبًا مبكرة بالطائرات المسيّرة من باكستان إلى اليمن، بما في ذلك الصومال. أما خليفته، الرئيس باراك أوباما، فقد صعّد من حدة الحرب ، ليصبح قائداً لعمليات الاغتيال في الصومال وخارجها. واستمر نائب أوباما، جو بايدن، في حرب الطائرات المسيّرة هناك عندما تولى الرئاسة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل تلك السنوات من المذابح في الصومال، لم يهاجم أي رئيس أمريكي الصوماليين بنفس الإصرار والوتيرة التي هاجمهم بها الرئيس دونالد ترامب، وخاصة في ولايته الثانية.
نفّذت إدارة بوش الثانية 11 غارة جوية في الصومال، أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 144 شخصًا، بينهم 55 مدنيًا على الأرجح، وفقًا لمركز الأبحاث “نيو أمريكا”. وشهدت ولاية أوباما الرئاسية، التي امتدت لثماني سنوات، 48 غارة أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 553 شخصًا. وشهدت ولاية ترامب الأولى تصعيدًا هائلًا في هذه الغارات الجوية.
فخلال سنواته الأربع الأولى، نفّذ ترامب 219 هجومًا، بزيادة قدرها 271% مقارنةً بفترتي رئاسة جورج دبليو بوش وأوباما التي بلغ مجموعهما 16 عامًا. لكن حتى هذه الزيادة تبدو ضئيلة مقارنةً بالوتيرة المتواصلة للهجمات خلال ولاية ترامب الثانية. وبينما تجاوز بايدن إجمالي غارات أوباما في نصف المدة – 51 غارة في أربع سنوات – فإن ترامب على وشك تجاوز رقمه القياسي سيئ السمعة في ولايته الأولى في أقل من عام ونصف. فقد أشرف على ما لا يقل عن 190 غارة جوية في الصومال، إن لم يكن أكثر.
إن موجة القتل التي شنها ترامب في الصومال ليست سوى جزء صغير من حربه الأوسع نطاقًا على العالم. ولا نبالغ إن قلنا إنه جعل الجيش الأمريكي “يجوب الأرض ويطلق النار” على الناس على نطاق واسع. خلال فترتيه الرئاسيتين، أشرف ترامب على تدخلات مسلحة وعمليات عسكرية – بما في ذلك غارات جوية، وعمليات كوماندوز، ونزاعات بالوكالة، وما يسمى ببرامج 127e، وحروب شاملة – في أفغانستان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والكاميرون، والإكوادور، ومصر، وإيران، والعراق، وكينيا، ولبنان ، وليبيا ، ومالي ، والنيجر ، ونيجيريا ، وكوريا الشمالية ، وباكستان ، والفلبين ، والصومال ، وسوريا ، وتونس ، وفنزويلا ، واليمن ، ودولة لم يُحدد اسمها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ، فضلًا عن هجمات على مدنيين في قوارب في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ. في الواقع، كانت ولايته الثانية بمثابة حملة حرب عالمية محمومة، لم تحظَ إلا باهتمام ضئيل من وسائل الإعلام الأمريكية.
فعلى سبيل المثال، في شهر مارس، شنت الولايات المتحدة حرباً في ثلاث قارات خلال ثلاثة أيام فقط ، حيث نفذت هجمات في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية. وخلال تلك الفترة، استهدفت الولايات المتحدة أيضاً قارباً مدنياً في شرق المحيط الهادئ.بعد أقل من عام ونصف من ولاية ترامب الثانية، قتلت الولايات المتحدة أكثر من ألفي مدني في مناطق تمتد من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. وقالت ميغان كارلشوي-بيدرسن ، أخصائية السياسات في منظمة “إير وورز” البريطانية التي ترصد الأضرار التي لحقت بالمدنيين على مستوى العالم: “هذا أمر غير مسبوق من حيث العدد الهائل للمناطق التي تم الإبلاغ فيها عن وقوع أضرار للمدنيين خلال هذه الفترة القصيرة”. كما أشارت إلى هجمات في البحر الكاريبي، وشرق المحيط الهادئ، وإيران، ونيجيريا، والصومال، وسوريا، وفنزويلا، واليمن.
منذ أن بدأت الولايات المتحدة شن غارات جوية على الصومال عام 2007، قُتل ما يصل إلى 170 مدنياً، وفقاً لمنظمة “إير وورز” . ومع ذلك، لم يعترف الجيش الأمريكي إلا بستة من هؤلاء القتلى و11 إصابة أخرى، ولم يقدم اعتذاراً علنياً لعائلات الضحايا أو الناجين من هجماته.
في هجوم وقع في أبريل 2018 في الصومال خلال ولاية ترامب الأولى، أسفرت غارة جوية أمريكية بطائرة مسيرة عن مقتل ثلاثة مدنيين على الأقل (وربما خمسة). ووفقًا لوثائق تحقيق عسكري أمريكي كانت سرية سابقًا، كانت امرأة وطفلة من بين القتلى، إلا أن التقرير نفسه خلص إلى أن هويتهما قد لا تُعرف أبدًا. مع ذلك، كشف تحقيق أجريته عام 2023 لصالح موقع “ذا إنترسبت” تفاصيل ذلك الهجوم الكارثي. نجت المرأة والطفلة – لول داهر محمد، البالغة من العمر 22 عامًا، وابنتها مريم شيلو موسى، البالغة من العمر 4 سنوات – من الضربة الأولى، لكنهما قُتلتا في هجوم مزدوج أثناء فرارهما. قال عبدي داهر محمد، أحد أشقاء لول، عن الأمريكيين الذين قتلوا أخته وابنة أخيه: “إنهم يعلمون أن أبرياء قُتلوا، لكنهم لم يخبرونا قط عن سبب أو يعتذروا. لم يُحاسب أحد”.
في الآونة الأخيرة، كان الرئيس ترامب مسؤولاً عن مذبحة العشرات، إن لم يكن المئات، من الأطفال في حربه التي شنّها على إيران. وقالت رها بحريني، الباحثة الإقليمية في فريق إيران بمنظمة العفو الدولية، لمراسلنا ولصحفيين آخرين خلال مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً: “أسفرت الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن 2362 مدنياً، بينهم 383 طفلاً، وإصابة أكثر من 32314 مدنياً، وفقاً للأرقام الرسمية”. وتشمل هذه الوفيات أكثر من 150 طفلاً قُتلوا في غارة صاروخية من طراز توماهوك استهدفت مدرسة شجرة طيبة الابتدائية جنوب إيران. وأقرت النتائج الأولية لتحقيق عسكري أمريكي في ذلك الهجوم بمسؤولية الولايات المتحدة، ما يناقض مزاعم الرئيس ترامب بأن إيران هي من قصفت المدرسة. ومع ذلك، لا يزال البنتاغون يتهرب من المسؤولية علناً. فقد صرّح وزير الحرب بيت هيغسيث مؤخراً أمام المشرعين، رافضاً الإجابة عن أسئلة حول الهجوم خلال شهادته في مبنى الكابيتول: “هذا الحادث قيد التحقيق حالياً”.
وتتحمل الإدارة الأمريكية مسؤولية سلسلة متواصلة من الهجمات على المدنيين في المياه المحيطة بأمريكا اللاتينية. ففي إطار عملية “الرمح الجنوبي”، شنت إدارة ترامب نحو 60 هجومًا على ما يُسمى بـ”قوارب تهريب المخدرات” في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 200 مدني منذ سبتمبر الماضي. ويصرّ مسؤولو ترامب على أن الضحايا ينتمون إلى واحدة من 24 عصابة إجرامية على الأقل، تدّعي الإدارة أنها في حالة حرب معها، لكنها ترفض الكشف عن أسمائها . ويؤكد خبراء في قوانين الحرب وأعضاء في الكونغرس من الحزبين أن هذه الضربات تُعدّ عمليات قتل خارج نطاق القضاء غير قانونية، لأن الجيش غير مخوّل باستهداف المدنيين عمدًا – حتى المشتبه بهم – الذين لا يشكلون تهديدًا وشيكًا بالعنف.
كما تسبب ترامب في مقتل وإصابة العديد من الأشخاص في اليمن، بمن فيهم عشرات المدنيين الإثيوبيين الذين قُتلوا في هجوم على مركز احتجاز للمهاجرين هناك العام الماضي. وقالت كريستين بيكرلي، نائبة المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مؤخراً: “كان ينبغي لحملة إدارة ترامب في اليمن، وهذا الهجوم تحديداً، أن تدق ناقوس الخطر لكل من يهتم بكيفية عمل الجيش الأمريكي، ومدى اكتراثه أو استهتاره بحياة المدنيين”. وأضافت: “بعد مرور عام، لم يُحرز أي تقدم ملموس نحو تحقيق العدالة والتعويض، بل ما زلنا نفتقر إلى معلومات أساسية حول ما حدث في هجوم اليمن، وسبب وقوعه، والخطوات التي اتخذها الجيش الأمريكي، إن وجدت، لمعالجة الأمر”.
في ربيع عام 2025، رصدت منظمة “إير وورز” تقارير تفيد بمقتل ما لا يقل عن 224 مدنياً في اليمن جراء غارات جوية أمريكية خلال حملة إدارة ترامب الجوية والبحرية (التي أُطلق عليها اسم عملية “روغ رايدر”) ضد حكومة الحوثيين في البلاد. وقدّر مشروع بيانات اليمن عدد القتلى بما لا يقل عن 238 مدنياً، بالإضافة إلى إصابة 467 مدنياً آخرين.
لا تُمثل هذه الوفيات سوى جزء من سلسلة طويلة من المجازر في اليمن، تعود جذورها إلى بداية ولاية ترامب الأولى. فقد فحص تقرير صادر عن منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، ومقرها اليمن، 12 هجومًا أمريكيًا في اليمن بين يناير 2017 ويناير 2019، 10 منها كانت “غارات جوية لمكافحة الإرهاب”. وخلص مُعدّو التقرير إلى مقتل ما لا يقل عن 38 مدنيًا يمنيًا – 19 رجلاً وست نساء و13 طفلاً – وإصابة سبعة آخرين في هذه الهجمات. ومن بين هذه الهجمات، غارة شنّتها قوات البحرية الأمريكية الخاصة (SEALs) على قرية يمنية بعد أيام قليلة من تولي ترامب منصبه، أسفرت عن مقتل نساء وأطفال. وبعد عام، أطلقت الولايات المتحدة صاروخًا على سيارة دفع رباعي بالقرب من قرية العقلة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة من الرجال الذين كانوا بداخلها على الفور، وتوفي آخر بعد أيام في مستشفى محلي. أما الناجي الوحيد، عادل المنثاري ، فقد أُصيب بجروح خطيرة، واضطر إلى اللجوء إلى حملة تبرعات عبر موقع GoFundMe عام 2022 لإنقاذ حياته.
قال ترامب عن الصومال خلال نفس الخطاب العنصري: “إنه مكان مروع. كل شيء مروع هناك”.
كلمة “مروع” هي كلمة أتذكرها أيضاً من رحلتي إلى الصومال للقاء عائلة لول داهر محمد ومريم شيلو موسى في عام 2023.
كان الهجوم الأمريكي الذي أودى بحياة الأم وابنتها نتاج معلومات استخباراتية خاطئة، فضلاً عن استهداف متسرع وغير دقيق من قبل خلية عمليات خاصة، اعتبر أعضاؤها، وفقًا للتحقيق العسكري الذي أُجري لاحقًا، أنفسهم عديمي الخبرة. وقد أدى هذا التحقيق إلى اعتراف بمقتل مدنيين، وإلى ترجيح قوي لوجود تحيز تأكيدي (ظاهرة نفسية تدفع الناس إلى انتقاء المعلومات التي تؤكد معتقداتهم المسبقة). ومع ذلك، برّأ التحقيق الفريق المتورط.
بحسب التحقيق، “التزمت الضربة بقواعد الاشتباك المعمول بها. لم يكن هناك أي خطأ في إجراءات الضربة”. كان شيلو موسى علي، زوج لول ووالد مريم، مصدومًا وهو يحاول استيعاب هذه الكلمات. قال لي: “كان الهجوم مروعًا، وكان ردهم مروعًا. لقد فقدت زوجة وطفلة. لكنني لا أفهم التفسير الوارد في التحقيق. كيف يمكنكم الاعتراف بقتل مدنيين اثنين، وفي الوقت نفسه الادعاء بأن القواعد قد تم اتباعها؟”
في الواقع، أصدر ترامب سرًا قواعد مخففة لعمليات “العمل المباشر” لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك ضربات الطائرات المسيرة في مناطق مثل الصومال، وفقًا لنسخة منقحة جزئيًا من الوثيقة. وبحلول نهاية مارس 2017، ارتفع عدد الغارات الجوية الأمريكية في الصومال بشكل كبير. ويتذكر العميد المتقاعد دونالد بولدوك، الذي كان يقود قيادة العمليات الخاصة في أفريقيا آنذاك، قائلًا: “لقد تغير عبء الإثبات بشكل جذري فيما يتعلق بمن يمكن استهدافه ولأي سبب”. تضاعفت الهجمات في الصومال ثلاث مرات بعد أن خفف ترامب مرة أخرى مبادئ الاستهداف، وارتفعت (كما كان متوقعًا) تقديرات الجيش الأمريكي والمستقلين للخسائر في صفوف المدنيين في مناطق الحرب الأمريكية المتعددة .
قال الرئيس ترامب – وهو نفسه مدان جنائياً 34 مرة – عن الصومال، بينما كان يهاجم ذلك البلد بشدة: “ليس لديهم سوى الجريمة”.
حتى الآن، لم يُحاسب أحد على مقتل لول أو مريم، أو أي مدنيين آخرين قُتلوا في حرب ترامب في الصومال. كما لم يُحاسب أحد على قتلى الغارة الجوية في اليمن التي أسفرت عن إصابة عادل المنثري بجروح خطيرة ، أو على قتلى غارة قوات البحرية الأمريكية على قرية يمنية، أو على الأبرياء الذين قضوا في الهجوم على مركز احتجاز المهاجرين في اليمن، أو في الغارات على قوارب تهريب المخدرات في البحر الكاريبي، أو على الهجوم على مدرسة شجرة طيبة الابتدائية في إيران.
يمكن تصنيف بعض تلك الهجمات كجرائم حرب. وبعضها الآخر … جرائم قتل عمد. ويمكن إرجاع هذه الوفيات، وغيرها الكثير، إلى دونالد ترامب وازدرائه لأرواح الناس في جميع أنحاء هذا الكوكب.
قال ترامب عن الصومال: “إنها قذرة للغاية، مقرفة”، لكن في الحقيقة، هذا وصف أدق لحال هذا البلد الذي يصدّر المجازر عامًا بعد عام، ويقوده رجل يتلذذ بها. وتابع حديثه عن الصومال: “إنه مكان مروع”.
ومرة أخرى، ينبغي اعتبار كل اتهام يوجهه بمثابة اعتراف أيضاً.
مُترجم من تقرير نيك تيرس المنشور على موقع “إنك ستيك ميديا”:
“What’s the Human Cost of Trump’s Shadow War on Somalia?”





اترك تعليقاً