كيف نستدرك جيل الأطفال خارج المدرسة في السودان ؟ .. إنقاذ التعليم واجب المرحلة

images 14

ليست الحرب في السودان معركة على الأرض وحدها؛ فهناك معركة أخرى أكثر هدوءًا، لكنها قد تكون أشد أثرًا على مستقبل البلاد: معركة إنقاذ جيل كامل من الضياع التعليمي.

فبحسب أحدث بيانات اليونيسف، لا يزال أكثر من 8 ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدارس، بينما لم تعد قرابة نصف مباني المدارس تعمل كفصول دراسية؛ بسبب إغلاقها أو استخدامها كملاجئ أو تعرضها لأضرار واستعمالات أخرى مرتبطة بالحرب. وفي مايو/أيار 2026 تمكنت اليونيسف من الوصول إلى أكثر من 800 ألف طفل بالتعليم، لكن الفجوة لا تزال هائلة.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تمر علينا كأرقام أخرى في نشرة عن السودان. فكل رقم منها يمثل طفلًا توقّف عن قراءة كتاب، وفتاة انقطعت عن معلمتها، وطفلًا كان يمكن أن يتعلم الكثير بعد سنوات، لكنه يجد نفسه اليوم أمام مستقبل مجهول.

والأخطر أن فقدان التعليم في زمن الحرب لا يعني مجرد تأجيل الدراسة. كلما طال الانقطاع، زادت احتمالات التسرب النهائي، وتفاقمت الفجوات التعليمية، وأصبح الرجوع إلى المدرسة أكثر صعوبة. ولهذا تؤكد التجارب التاريخية والخلاصات أن التعليم في الأزمات ليس ترفًا يمكن تأجيله حتى انتهاء الحرب، بل وسيلة تمنح الأطفال الاستقرار والحماية والأمل، وتساعد المجتمعات على التعافي.

لا نملك انتظار نهاية الحرب

قد يكون من الطبيعي أن يقول البعض: كيف نطالب بإعادة التعليم فيما الحرب لم تنتهِ؟

لكن السؤال الأصح هو: كيف نمنع الحرب من أن تنهي تعليم الأطفال أيضًا؟

فالمدرسة ليست بالضرورة مبنى إسمنتيًا. والتعليم لا يتوقف على وجود سبورة وفناء ومقاعد مدرسية. وفي ظروف الطوارئ يمكن إنشاء مسارات بديلة وآمنة للتعلم، وهو ما تعمل عليه بالفعل برامج التعليم في حالات الطوارئ في السودان.

ومن هنا ينبغي أن يتحول السؤال من «متى تعود المدارس؟» إلى «كيف نُبقي الأطفال يتعلمون حتى تعود المدارس بما يتوفر من إمكانيات؟».

التعليم المنزلي.. جسر لا بديل دائم

من أهم الحلول الممكنة في المناطق التي يتعذر فيها الوصول إلى المدارس، دعم التعلم المنزلي المنظم، بحيث لا يتحول المنزل إلى مكان للعزلة التعليمية، بل إلى مساحة مؤقتة لاستمرار التعلم.

ويمكن للمعلمين والمتطوعين توفير أو إعداد دروس مبسطة ومناهج مختصرة، وتوزيعها ورقيًا أو إلكترونيًا بحسب الإمكانات المتاحة، مع وضع جدول أسبوعي واضح للمواد الأساسية: القراءة والكتابة وتعلم القرآن والرياضيات واللغة العربية والعلوم، إلى جانب التربية الإسلامية والمهارات الحياتية.

وفي المناطق التي تتوفر فيها شبكة الإنترنت، يمكن إنشاء مجموعات تعليمية بإشراف معلمين موثوقين، أما المناطق التي تعاني من ضعف الاتصال، فيمكن الاعتماد على الكتب المطبوعة، والملفات الصوتية، والدروس المسجلة، والإذاعة التعليمية.

ولا ينبغي أن يكون الهدف إنشاء مدرسة افتراضية مثالية، بل توفير الحد الأدنى الذي يمنع الطفل من فقدان الصلة بالتعلم وأن يحصل على أساسيات التعليم.

«معلم لكل مجموعة».. مبادرات صغيرة تصنع فارقًا كبيرًا

يمكن للمعلمين السودانيين، داخل البلاد وفي دول اللجوء والاغتراب، أن يكونوا حجر الأساس في مبادرات مجتمعية صغيرة.

فبدل انتظار مشروع ضخم، يمكن لمعلم واحد أن يتكفل بمجموعة محدودة من الأطفال، ويجتمع بهم في مساحة آمنة متاحة في المجتمع، أو يتابعهم عبر التعليم عن بعد، ثم يتوسع المشروع تدريجيًا.

وهنا يمكن تأسيس مبادرات من نوع:

  • معلم لكل عشرة أطفال.
  • حلقة قراءة أسبوعية للأطفال.
  • مجموعة مراجعة للطلاب.
  • برنامج لتعويض الفاقد التعليمي والاستدراك.
  • شبكة معلمين متطوعين لمتابعة الأطفال النازحين.

هذه المبادرات لا تحل أزمة التعليم وحدها، لكنها تفعل شيئًا بالغ الأهمية: تمنع الطفل من أن يصبح منسيًا.

المعلمون أنفسهم يحتاجون إلى من يسندهم

لا يمكن إنقاذ التعليم من دون إنقاذ المعلم.

وتشير التقارير إلى أن أعدادًا كبيرة من المعلمين السودانيين يواجهون ظروفًا قاسية.

ولهذا فإن دعم التعليم ينبغي ألا يقتصر على الكتب والحقائب المدرسية، بل يجب أن يشمل دعم المعلمين ماليًا ومهنيًا ونفسيًا، وتوفير مواد تعليمية جاهزة لهم، وتدريب المتطوعين على مساعدة الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة.

فالمعلم الذي يواصل التدريس وسط الحرب لا يقدم درسًا فحسب؛ بل يحافظ على الخيط الأخير الذي يربط الطفل بمستقبله.

يمكن للناس في كل مكان أن يشاركوا

إنقاذ تعليم أطفال السودان ليس مسؤولية الحكومات والمنظمات الدولية وحدها.

يمكن للمجتمعات، والمؤسسات التعليمية، والمدارس، والجامعات، والمعلمين، والمهنيين، وأهل الخير، والجاليات السودانية في الخارج، أن يشاركوا كل بحسب قدرته.

هناك من يستطيع تمويل طالب.

ومن يستطيع شراء الكتب والدفاتر.

ومن يستطيع التطوع بالتدريس.

ومن يستطيع إعداد أو توفير محتوى تعليمي مجاني.

ومن يستطيع ترجمة المواد التعليمية.

ومن يستطيع التبرع بأجهزة أو أدوات تعليمية عبر جهات موثوقة.

ومن يستطيع مساعدة طفل على الاستعداد للامتحانات.

ومن يستطيع أن يفتح مساحة آمنة للتعلم بالتنسيق مع المجتمع المحلي.

والأهم: يمكن لمن لا يستطيع تقديم المال أو التدريس أن يساهم في نشر القضية والتعريف بالمبادرات الموثوقة حتى تصل المساعدة إلى أصحابها.

من «حقيبة مدرسية» إلى منظومة إنقاذ تعليمية

المطلوب أكبر من حملات موسمية لتوزيع الحقائب.

نحن بحاجة إلى الانتقال من المساعدة المتفرقة إلى منظومة تعليمية مرنة تستطيع العمل في الحرب والنزوح.

وتشمل هذه المنظومة:

  • مساحات تعلم آمنة في المناطق التي تسمح الظروف فيها بذلك.
  • تعليم منزلي منظم للأطفال الذين لا يستطيعون الوصول إلى المدارس.
  • برامج تعويض الفاقد التعليمي لمن انقطعوا مدة طويلة.
  • دروس عن بعد حيث تتوفر الكهرباء والإنترنت.
  • مواد ورقية وصوتية للمناطق التي لا تتوفر فيها التكنولوجيا.
  • تدريب ودعم المعلمين والمتطوعين.
  • برامج خاصة للفتيات والأطفال الأكثر عرضة للتسرب.
  • دعم نفسي واجتماعي مناسب للأطفال إلى جانب التعليم.
  • منح تعليمية صغيرة تساعد الأسر النازحة على إبقاء أبنائها في مسار التعلم.
  • إعادة تأهيل المدارس الآمنة تدريجيًا كلما سمحت الظروف.
  • برامج تعليم مهني وتقني للشباب الذين تجاوزوا سن المدرسة أو انقطعت مسيرتهم التعليمية.

وهذه ليست أفكارًا نظرية بالكامل؛ فهناك بالفعل تجارب ناجحة تجمع بين إعادة تأهيل المدارس، وتوفير المواد التعليمية، وتدريب المعلمين، وإنشاء مساحات تعلم آمنة. بحاجة للتواصي بتجاربها والاستفادة من رصيد خبرتها.

التعليم يحتاج إلى تمويل مستمر لا تعاطف عابر

من أكبر الأخطاء أن نتعامل مع تعليم الأطفال باعتباره ملفًا ثانويًا مقارنة بالغذاء والدواء.

نعم، الطفل يحتاج إلى الغذاء والماء والدواء والحماية أولًا، لكن التعليم جزء من الاستجابة الإنسانية نفسها؛ لأنه يحافظ على الاستقرار ويمنح الطفل مساحة آمنة ويقلل خطر الجهل والاستغلال ويهيئ الطريق للتعافي بعد انتهاء الحرب.

وهذا يعني أن المطلوب ليس حملة تعاطف لأسبوع أو شهر، وإنما التزام طويل الأمد. ولذلك يُنصح بتسخير مشاريع استثمارات خاصة بتمويل التعليم والإغاثة بشكل مستمر بدل الاعتماد على تبرعات تنقطع.

فلنحوّل التضامن إلى مشروع

ربما لا يستطيع شخص واحد أن يعيد فتح آلاف المدارس.

لكن يمكنه أن يساعد في تعليم طفل. وقد لا تستطيع مجموعة صغيرة بناء نظام تعليمي كامل. لكنها تستطيع أن تؤسس فصلًا مؤقتًا. وقد لا يستطيع معلم إنقاذ ملايين الطلاب. لكنه يستطيع أن يمنع عشرة أو عشرين طفلًا من فقدان عام آخر.

وهنا تكمن قوة المبادرات المجتمعية: أنها لا تنتظر أن يصبح الحل كاملًا حتى تبدأ.

يمكن إطلاق صندوق مجتمعي شفاف لدعم التعليم، أو إنشاء شبكة من المعلمين المتطوعين، أو تنظيم برنامج «كفالة تعليمية» للأطفال النازحين، أو إعداد مكتبة رقمية وورقية مجانية، أو إنشاء مجموعات للتعلم المنزلي، أو التعاون مع منظمات سودانية موثوقة للوصول إلى المناطق المتضررة.

ويمكن أن تكون هذه المبادرات منظمة وشفافة وآمنة، لكي لا تعرض الأطفال أو المتطوعين للخطر، بحيث تنسق مع الجهات المحلية والمنظمات الإنسانية المختصة، خصوصًا في مناطق النزاع.

لا تجعلوا الحرب تسرق المستقبل أيضًا

الحرب قد تهدم مدرسة، لكنها لا ينبغي أن تهدم معنى التعليم. قد تجبر طفلًا على النزوح، لكنها لا ينبغي أن تجبره على التخلي عن الكتاب. قد تغلق أبواب الفصل، لكن يمكن أن يبقى باب التعلم مفتوحًا.

إنقاذ تعليم أطفال السودان ليس ترفًا ولا مشروعًا مؤجلًا إلى ما بعد الحرب. إنه جزء من صناعة المستقبل نفسه.

فالطفل الذي يتعلم اليوم هو شاب أكثر قدرة على بناء بلده غدًا. والمعلم الذي يواصل أداء رسالته وسط الخراب يحفظ شيئًا من مؤسسات المجتمع التي تحاول الحرب تفكيكها. والمجتمع الذي يصر على تعليم أبنائه يعلن أن الحرب، مهما طالت، لن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في مستقبل السودان.

لقد حذر المراقبون من أن السودان يخاطر بخسارة جيل آخر بسبب الحرب.

فلنجعل هذه التحذيرات بدايةً للعمل لا خاتمةً للرثاء.

لنبدأ بما نستطيع: طفل واحد، فصل واحد، معلم واحد، كتاب واحد، ساعة تطوع واحدة.

فربما لا نستطيع إيقاف الحرب اليوم، لكننا نستطيع أن نقاوم آثارها على عقول الأطفال ومستقبلهم.

وفي السودان اليوم، قد يكون إنقاذ كتاب في يد طفل صورة من صور إنقاذ جيل كامل.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *