مراجعة كتاب On Grand Strategy
ليست المشكلة دائمًا في أن تكون ضعيفًا أمام خصم أقوى منك؛ فقد تكون المشكلة الأخطر أن تمتلك من القوة ما يغريك بأهداف أكبر من قدرتك على الاحتمال.
إمبراطوريات امتلكت جيوشًا هائلة ثم انهارت، وقادة انتصروا في معارك متتالية قبل أن يقودهم نجاحهم نفسه إلى الكارثة، ودول استطاعت هزيمة خصومها عسكريًا ثم وجدت نفسها عاجزة عن تحويل النصر إلى مكسب سياسي دائم.
هذه المفارقة هي المدخل الحقيقي إلى كتاب «في الاستراتيجية الكبرى» (On Grand Strategy) للمؤرخ الأمريكي جون لويس غاديس.
فالكتاب لا يسأل بالدرجة الأولى: كيف تصبح قويًا؟
بل يسأل سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف تستخدم ما لديك من قوة لتحقيق ما تريد، من دون أن تدفعك طموحاتك إلى ما يتجاوز قدرتك؟
ومن هنا يصوغ غاديس مفهومه للاستراتيجية الكبرى بوصفها، في جوهرها، عملية مواءمة بين تطلعات يمكن أن تتسع بلا نهاية، وقدرات تظل – مهما عظمت – محدودة.
قد تبدو هذه الفكرة شديدة البساطة، لكنها تصبح، على امتداد الكتاب، مفتاحًا لإعادة قراءة نحو ألفين وخمسمئة عام من التاريخ: من خشايارشا وغزوه لليونان، إلى روما، وأوغسطين، وماكيافيللي، وإليزابيث الأولى، وفيليب الثاني، وكلاوزفيتز، وتولستوي، ولينكولن، وصولًا إلى روزفلت والحرب العالمية الثانية.
وفي كل مرة تقريبًا يعود السؤال نفسه: هل عرف القائد حدود قوته؟
الاستراتيجية ليست أن تعرف ماذا تريد فقط
الإنسان يستطيع أن يضع قائمة طويلة من الأهداف. والدولة تستطيع أن ترغب في التوسع والنفوذ والأمن وإضعاف الخصوم والسيطرة على الموارد وإعادة تشكيل بيئتها الإقليمية. لكن وجود الهدف لا يصنع استراتيجية.
الاستراتيجية تبدأ عندما يُجبر صاحب القرار نفسه على السؤال:
- ما الذي أريده فعلًا؟
- ما الأولوية بين هذه الأهداف؟
- ما مقدار القوة التي أمتلكها؟
- كم من الوقت أستطيع الاستمرار؟
- ما الثمن الذي يمكنني احتماله؟
- وأي هدف ينبغي أن أتخلى عنه إذا أصبح ثمنه أكبر من فائدته؟
هنا تحديدًا يميز غاديس بين الطموح والاستراتيجية.
الطموح يخبرك إلى أين تريد الوصول، أما الاستراتيجية فتخبرك إلى أي مدى تستطيع السير من دون أن تنهار في الطريق.
ولهذا فإن إحدى أهم أفكار الكتاب أن حسن الاستراتيجية لا يظهر فقط في القدرة على التقدم، وإنما في القدرة على معرفة متى يجب التوقف.
والتاريخ، كما يقدمه غاديس، مزدحم بقادة عرفوا كيف يبدؤون الحروب ولم يعرفوا كيف ينهونها، وعرفوا كيف يوسعون سلطتهم ولم يعرفوا أين تنتهي الحدود التي يستطيعون الاحتفاظ بها.
الثعلب والقنفذ.. صورتان للعقل الاستراتيجي
يستعير غاديس العمود الفكري الأبرز في كتابه من المفكر البريطاني إشعياء برلين، الذي أعاد إحياء مقولة يونانية قديمة: «الثعلب يعرف أشياء كثيرة، أما القنفذ فيعرف شيئًا واحدًا كبيرًا».
القنفذ يرى العالم من خلال فكرة كبرى واحدة. لديه تفسير مركزي، ومبدأ مسيطر، واتجاه ثابت. وهذه القدرة قد تمنحه وضوحًا وقوة هائلة.
أما الثعلب فيعرف أن الواقع أعقد من أن تحتويه فكرة واحدة. يراقب الظروف ويتكيف معها، ويغير الطريق إذا وجد أمامه حاجزًا، ويستطيع التعامل مع حقائق متناقضة في الوقت نفسه.
لكن غاديس لا يقول إن على القائد أن يكون ثعلبًا بدل أن يكون قنفذًا.
فالثعلب الخالص قد يصبح انتهازيًا بلا وجهة، ينتقل من قرار إلى آخر من دون هدف أكبر يقوده. والقنفذ الخالص قد يتحول إلى أسير لفكرته، يواصل الاندفاع حتى عندما يخبره الواقع بأن الطريق يقوده إلى الهاوية.
الاستراتيجي الكبير هو الذي يجمع بين الاثنين:
أن يعرف الشيء الكبير الذي يريد الوصول إليه كالقنفذ، وأن يعرف أشياء كثيرة عن الطريق المؤدي إليه كالثعلب.
أي أن يكون ثابتًا في الغاية، مرنًا في الوسائل. وهذه الفكرة ربما تكون أفضل مفتاح لفهم الكتاب كله.
خشايارشا.. حين تعجز القوة عن إلغاء الجغرافيا
يجد غاديس في غزو الملك الفارسي خشايارشا لليونان مثالًا مبكرًا على الخلل بين الإمكانات والطموحات.
الإمبراطورية الفارسية كانت هائلة، ومواردها البشرية والمادية تفوق ما تملكه المدن اليونانية الصغيرة.
على الورق، يبدو السؤال محسومًا: لماذا لا تنتصر القوة الأكبر؟ لكن الاستراتيجية لا تُصنع على الورق.
كلما ابتعد الجيش عن مركز قوته، ازدادت خطوط إمداده طولًا وتعقيدًا، وصار البحر والجبل والمسافة والطعام والزمن جزءًا من المعركة. وهنا يقدم غاديس واحدًا من أعمق الدروس الاستراتيجية وأكثرها بداهة في الوقت نفسه:
الواقع لا يخضع لإرادة القائد.
يمكنك أن تأمر جيشك بالتحرك، لكنك لا تستطيع أن تأمر المسافات بالاختفاء، ولا الشتاء بأن يتأخر، ولا الموارد بأن تصبح بلا نهاية.
وهذه الفكرة ستتكرر لاحقًا بصورة أكثر مأساوية مع نابليون عندما توغل في روسيا.
فقد يكون الجيش قويًا بما يكفي لهزيمة جيش آخر، لكنه ليس بالضرورة قويًا بما يكفي لهزيمة الجغرافيا والزمن والاستنزاف في وقت واحد.
لماذا يهزم النجاح صاحبه أحيانًا؟
من أجمل ما يلفت إليه الكتاب أن الفشل لا يأتي دائمًا بعد سلسلة من الإخفاقات.
أحيانًا يأتي بعد سلسلة من النجاحات. وهنا تكمن خطورته.
فالنجاح يولّد الثقة، والثقة قد تتحول إلى اعتقاد بأن القواعد التي تحكم الآخرين لم تعد تنطبق عليك.
ينتصر القائد مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، فيتصور أن الجرأة هي سبب انتصاره دائمًا، وأن مزيدًا من الجرأة سيجلب مزيدًا من الانتصارات.
وهكذا تتحول الوسيلة التي صنعت الصعود إلى سبب السقوط.
نابليون هو النموذج الأوضح. عبقري عسكري لا خلاف على قدرته الاستثنائية في قيادة الجيوش والمناورة، لكنه أخفق في نقطة أكثر جوهرية: تحديد حدود الممكن.
كانت قوته تتسع، ومع اتساعها كانت أهدافه تتسع معها، حتى أصبحت المساحة التي يريد إخضاعها أكبر من قدرته على الاحتفاظ بها.
ليست العبرة هنا بأن نابليون لم يكن ذكيًا؛ بل تكاد تكون العبرة عكس ذلك تمامًا:
يمكن للذكاء الهائل أن يصبح خطرًا إذا لم يصاحبه شعور بالتناسب.
فالعبقرية تجيب عن سؤال: كيف أفعل هذا؟
أما الحكمة الاستراتيجية فتسبقها بالسؤال: هل ينبغي أن أفعله أصلًا؟
ماكيافيللي.. بين العالم كما ينبغي أن يكون والعالم كما هو
لا يتعامل غاديس مع الاستراتيجية بوصفها مسألة جيوش ومعارك فقط.
ولهذا يستدعي ماكيافيللي، وأوغسطين، وتولستوي، وإشعياء برلين إلى كتاب يحمل كلمة «الاستراتيجية» في عنوانه.
فصانع القرار لا يتحرك في عالم مثالي.
قد يرغب في أن يكون جميع حلفائه مخلصين، وجميع الاتفاقات محترمة، وجميع الخصوم عقلانيين، وكل خيار أخلاقيًا ونظيفًا، لكن السياسة لا تقدم له هذه البيئة.
وتكمن المعضلة في ألا يتحول الاعتراف بفساد الواقع إلى استسلام له.
إن أحد الأسئلة المضمرة في الكتاب هي: كيف يحافظ القائد على غاياته الكبرى من دون أن يتعامل مع العالم بالسذاجة؟
وكيف يكون واقعيًا من دون أن تتحول الواقعية إلى تبرير لكل شيء؟
لا يقدم غاديس نظرية أخلاقية مكتملة، لكنه يرفض في الوقت نفسه صورة الاستراتيجي باعتباره شخصًا لا يهتم إلا بالقوة.
فالوسيلة يمكن أن تقضي على الغاية التي اختيرت من أجلها.
والقائد الذي يريد حماية دولته قد يستخدم من الوسائل ما يجعل الدولة التي يحميها مختلفة تمامًا عما أراد حمايته في البداية.
وهنا تصبح الأخلاق نفسها عنصرًا استراتيجيًا، لا مجرد قيد خارجي على الاستراتيجية.
لينكولن.. القوة في المرونة لا في الجمود
إذا كان الكتاب يعرض نماذج لقادة هزمهم الإفراط في الطموح، فإن أبراهام لينكولن يظهر فيه نموذجًا لقائد امتلك ما يريده غاديس من «الحس الاستراتيجي».
لم يكن سر لينكولن، في قراءة المؤلف، أنه كان يعرف مسبقًا كل خطوة ينبغي اتخاذها. بل العكس. كانت قوته في قدرته على الاحتفاظ بالغاية الكبرى مع تعديل الطريق المؤدي إليها. وهذا فارق أساسي.
هناك من يظن أن تغيير الوسيلة دليل على ضعف المبدأ. أما غاديس فيرى أن المرونة قد تكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذ المبدأ. فالقائد الذي يرفض تغيير الخطة عندما تتغير الظروف لا يكون وفيًا لهدفه؛ قد يكون وفيًا فقط لخطته. والخطة ليست غاية. هذه الفكرة تصلح خارج السياسة والحرب أيضًا.
كم من مشروع يفشل لأن أصحابه يخلطون بين الهدف والطريقة التي اختاروها للوصول إليه؟ وحين تفشل الطريقة، يتمسكون بها دفاعًا عن الهدف، مع أن التخلي عنها ربما يكون الشرط الضروري لإنقاذه.
الاستراتيجية ليست فن التنبؤ بالمستقبل
من أهم أسباب حضور تولستوي في الكتاب أن غاديس يريد كسر وهم شائع لدى القادة: أنهم يستطيعون التحكم في التاريخ.
في «الحرب والسلام» تبدو المعارك، في كثير من الأحيان، أكبر من الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يديرونها.
يصدر القائد أمرًا واضحًا، لكنه عندما يصل إلى الميدان يكون قد دخل شبكة من الظروف والحوادث والأخطاء والمعلومات الناقصة وردود أفعال آلاف الأشخاص.
لا يتحرك التاريخ بالطريقة النظيفة التي تتحرك بها الأسهم على الخرائط العسكرية.
ولهذا فإن الاستراتيجي الجيد لا يكون هو الشخص الذي يستطيع توقع كل شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع ذلك. بل هو الذي يستطيع العيش مع المفاجأة.
يخطط، لكنه لا يعبد خطته. يضع تصورًا، لكنه يحتفظ بالقدرة على الاعتراف بأن الواقع تغيّر. يفكر في المستقبل، لكنه يعلم أن المستقبل سيحتوي دائمًا على شيء لم يتوقعه.
وهنا يتحول التواضع من فضيلة أخلاقية إلى فضيلة استراتيجية. فالاعتراف بأنك قد تكون مخطئًا يفتح لك باب تصحيح القرار.
أما القائد الذي يربط مكانته الشخصية بصحة تقديراته، فقد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستمرار في الخطأ حتى النهاية؛ لأن التراجع لم يعد بالنسبة إليه تعديلًا في السياسة، بل اعترافًا بالهزيمة الشخصية.
الانتصار في المعركة ليس هو الانتصار في الحرب
ربما كان هذا من أهم الدروس التي ينبغي أن يتوقف عندها قارئ الكتاب. هناك ثلاثة مستويات كثيرًا ما يجري الخلط بينها: النجاح التكتيكي، والنجاح العسكري، والنجاح الاستراتيجي.
قد تنتصر في معركة، لكن ذلك لا يعني أنك ربحت الحرب.
وقد تنتصر في الحرب، لكن ذلك لا يعني أنك حققت الغاية التي دخلت الحرب من أجلها.
ولذلك فإن أحد أهم الأسئلة التي تسبق استخدام القوة هو: ماذا سيحدث في اليوم التالي للنصر؟
- من سيحكم؟
- ومن سيدفع تكاليف النظام الجديد؟
- وكيف ستحافظ عليه؟
- وهل لديك الموارد السياسية والاقتصادية والبشرية للاستمرار؟
- وهل سيصبح وضعك بعد الانتصار أفضل فعلًا من وضعك قبله؟
إذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فقد يتحول الانتصار العسكري إلى عبء استراتيجي.
وهنا يقترب غاديس كثيرًا من كلاوزفيتز: الحرب ليست عالمًا منفصلًا عن السياسة، وإنما أداة لها.
فلا قيمة لنجاح الأداة إذا كانت الغاية نفسها غامضة أو مستحيلة.
القائد العظيم يعرف ما الذي لا يفعله
الثقافة الشعبية تميل إلى تصوير القيادة في صورة الحركة المستمرة: تقدم، هجوم، قرار، مبادرة، مخاطرة. لكن غاديس يقدم صورة مختلفة. أحيانًا يكون القرار الاستراتيجي الأهم هو الامتناع. ألا تدخل الحرب. ألا تفتح جبهة أخرى. ألا تطارد الخصم إلى مكان يستطيع استنزافك فيه. ألا تحاول تحقيق جميع أهدافك في الوقت نفسه. ألا تنفق موارد هائلة من أجل مكسب هامشي. ألا تعتبر كل تراجع هزيمة.
إن ترتيب الأولويات يعني بالضرورة التخلي عن أشياء. والاستراتيجية التي لا تقول لصاحبها «لا» ليست استراتيجية؛ إنها قائمة أمنيات. هذه النقطة تمنح الكتاب أهمية خاصة؛ لأن القوى الكبرى كثيرًا ما تقع في فخ قدرتها.
الدولة الضعيفة تعرف تلقائيًا أن مواردها محدودة. أما الدولة القوية فقد تنسى ذلك.
كل مشكلة تبدو قابلة للحل لأنها تمتلك جيشًا واقتصادًا ونفوذًا وأجهزة قادرة على التدخل.
لكن امتلاك أداة قادرة على فعل شيء لا يعني أن استخدام هذه الأداة حكيم. القدرة ليست مبررًا.
وهذه واحدة من أكثر الأفكار قيمة في «في الاستراتيجية الكبرى».
روزفلت وتشرشل.. لا تختار السياسة دائمًا شركاء مثاليين
في الحرب العالمية الثانية ينتقل النقاش من الاستراتيجية الفردية إلى إدارة التحالفات الكبرى.
روزفلت وتشرشل لم يكونا أمام خيار التعاون مع أطراف تتفق معهما في كل شيء.
كان الاتحاد السوفييتي بزعامة ستالين حليفًا ضروريًا في مواجهة ألمانيا النازية، رغم التناقض العميق بين الأنظمة والمصالح.
وهنا تظهر إحدى قواعد السياسة الدولية التي لا يحبها أصحاب التصورات النقية: قد تحتاج إلى التعاون مع طرف تختلف معه لمواجهة خطر أشد. لكن نجاح هذا النوع من التحالف يعتمد على أمرين متناقضين في الظاهر: أن تتعاون بقدر كافٍ لهزيمة العدو المشترك، وألا تنسى أن المصالح التي فرقت بينكما ستعود بمجرد زوال ذلك العدو.
القائد الاستراتيجي لا يفكر فقط في الحرب القائمة، بل في النظام الذي سيولد بعدها.
فكل تحالف يغير موازين القوى، وكل نصر يصنع واقعًا جديدًا، والخصم الذي تسعى إلى هزيمته اليوم ليس المشكلة الوحيدة التي ستواجهها غدًا.
كتاب في الحكمة أكثر منه كتابًا في الحرب
من يفتح «في الاستراتيجية الكبرى» بحثًا عن دليل تقني لإدارة الحروب قد يفاجأ. فالكتاب لا يقدم جداول لتقدير القوة، ولا خطوات عشرًا لبناء استراتيجية ناجحة، ولا نموذجًا يمكن لصانع القرار ملؤه ثم الخروج بخطة. بل إن الكتاب، بمعنى ما، يقاوم هذا النوع من التفكير.
غاديس لا يعتقد أن الاستراتيجية يمكن اختزالها إلى معادلة. هناك معرفة يمكن تدريسها، لكن «الحكم» نفسه يحتاج إلى تدريب طويل. ومن هنا أهمية التاريخ في الكتاب.
التاريخ لا يمنحك وصفة لما ينبغي فعله؛ لأن المواقف لا تتكرر بصورة كاملة. لكنه يريك كيف أخطأ الآخرون. كيف تجاهلوا القيود. كيف أصبح النجاح سببًا في غرورهم. كيف حافظ بعضهم على الهدف بينما عدّل الوسائل. وكيف أدى إصرار بعضهم على فكرة واحدة إلى تجاهل كل الحقائق التي تناقضها.
بهذا المعنى يصبح التاريخ مختبرًا للعقل الاستراتيجي.
أين ينجح غاديس؟
أكبر نجاحات الكتاب أنه يجعل الاستراتيجية مفهومًا حيًا. لا يقدمها في لغة أكاديمية جافة، وإنما من خلال البشر: طموحاتهم وغرورهم وأخطائهم ومخاوفهم ومفاجآتهم.
ويتميز غاديس أيضًا بقدرته على الجمع بين مجالات لا تجتمع عادةً في كتب الاستراتيجية؛ فهيرودوت وتوسيديدس وصن تزو وماكيافيللي وكلاوزفيتز يقفون إلى جانب أوغسطين وشكسبير وتولستوي وإشعياء برلين.
والمغزى واضح: لكي تفهم الاستراتيجية، لا يكفي أن تدرس الحرب. عليك أن تفهم الإنسان.
كما يتميز الكتاب بفكرة مركزية قوية بما يكفي لربط هذه المساحة التاريخية الهائلة: العلاقة بين الغاية والقدرة، وبين الطموح والحدود.
ولا ينتهي القارئ من الكتاب وهو يحمل «نظرية غاديس» في عشر قواعد، بقدر ما يكتسب حساسية أكبر تجاه سؤال التناسب:
- هل الهدف يستحق التكلفة؟
- هل الوسيلة تخدم الغاية؟
- هل لدي القدرة على الاستمرار؟
- ماذا لو لم يجرِ الواقع وفق خطتي؟
- وأين ينبغي أن أتوقف؟
وهذه أسئلة أهم، في بعض الأحيان، من الأجوبة الجاهزة.
وأين يضعف الكتاب؟
مع اتساع عنوان «الاستراتيجية الكبرى»، يبقى عالم غاديس التاريخي محدودًا نسبيًا.
الثقل الأكبر في الكتاب يعود إلى التجربة الغربية: اليونان وروما وأوروبا والولايات المتحدة.
صحيح أن صن تزو حاضر، لكن حضوره لا يغير حقيقة أن القارئ لا يجد معالجة حقيقية للتقاليد الاستراتيجية الصينية، أو الهندية، أو الإسلامية، أو العثمانية، رغم أن التاريخ الذي أنجب دولًا وإمبراطوريات امتدت قرونًا يقدم مادة هائلة لدراسة الاستراتيجية الكبرى. وهذا قصور مهم.
فكتاب يريد أن يبحث في مبادئ الاستراتيجية عبر التاريخ كان سيصبح أغنى لو وضع، مثلًا، تجربة بناء الدولة الإسلامية الأولى أو صعود العثمانيين وإدارتهم للتوسع والتحالفات والحدود إلى جانب تجارب روما وإسبانيا وبريطانيا.
كما أن غاديس يميل إلى التركيز على القادة الأفراد بصورة كبيرة. وهذا مفيد في دراسة الحكم والقيادة، لكنه قد يقلل من أهمية المؤسسات والاقتصاد والبنى الاجتماعية والبيروقراطيات.
فالدول لا تنتصر لأن القائد حكيم فقط، ولا تنهزم لأن الحاكم أخطأ وحده.
قد تكون المؤسسة أقوى من صاحب القرار، وقد تستطيع دولة بمؤسسات متينة امتصاص أخطاء قادتها، بينما تتحول أخطاء أقل في دولة هشة إلى كارثة.
كذلك، لا ينبغي قراءة الأمثلة التاريخية في الكتاب باعتبارها قوانين. التاريخ قادر دائمًا على تقديم حالات تؤيد الفكرة وحالات أخرى تعقدها.
وغاديس نفسه يقدم كتابه باعتباره تأملًا تاريخيًا وفكريًا أكثر من كونه نظرية مغلقة للاستراتيجية. وهذا يفسر قوته وضعفه معًا.
ما الذي يبقى بعد إغلاق الكتاب؟
بعد مئات الصفحات، يمكن رد قدر كبير من الكتاب إلى فكرة واحدة: الإنسان يستطيع أن يريد أكثر بكثير مما يستطيع أن يفعل.
ومن هنا تبدأ الاستراتيجية. فهي ليست فن الحلم بلا حدود، وليست فن تقليص الأحلام خوفًا من المخاطرة.
إنها فن بناء الجسر بين ما نريده وما نستطيعه.
وإذا كانت هناك صفة تتكرر لدى القادة الذين يحظون بتقدير غاديس، فهي الحس بالتناسب.
أن تدرك الفرق:
- بين المهم والثانوي.
- بين الممكن والمستحيل.
- بين ما تستطيع تحقيقه وما تستطيع الاحتفاظ به.
- بين انتصار يستحق الثمن وانتصار يستهلكك.
- وبين المرونة التي تحفظ الغاية والتنازل الذي يبددها.
لماذا يستحق «في الاستراتيجية الكبرى» القراءة؟
لأن السؤال الذي يطرحه لا يخص الجنرالات وحدهم. ينطبق على الدول والمنظمات والحركات والمؤسسات وحتى الأفراد.
مواردنا جميعًا محدودة، بينما الأشياء التي نرغب فيها أكثر من أن تحصى. ولهذا فإن كل قرار جاد يحمل، بشكل أو بآخر، مشكلة استراتيجية:
- ما الذي سأعطيه الأولوية؟
- وأي ثمن أقبل دفعه؟
- وأي معركة لا تستحق أن أخوضها؟
- ومتى أغير الطريق؟
- ومتى أصر على الهدف؟
إن غاديس لا يعطي القارئ إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، وربما تكون هذه إحدى فضائل الكتاب.
فهو يحاول أن يدرب العقل على أن يسأل السؤال الصحيح قبل أن يندفع إلى الإجابة.
ولهذا فإن «في الاستراتيجية الكبرى» ليس أفضل كتاب لمن يبحث عن «خطوات بناء استراتيجية» بالمعنى التنفيذي، ولا هو موسوعة شاملة لتاريخ الفكر الاستراتيجي.
لكنه كتاب ممتاز لمن يريد أن يفهم كيف يفكر الاستراتيجي.
خلاصة المراجعة
ربما يكون أخطر وهم في عالم القوة هو الاعتقاد بأن امتلاك الوسائل يجعل كل الغايات ممكنة.
يأتي «في الاستراتيجية الكبرى» ليقول العكس. ليس السؤال كم تملك من القوة، وإنما كم تطلب منها.
وليس القائد العظيم هو الذي يواصل التقدم دائمًا، وإنما الذي يعرف متى يتقدم، وأين يتوقف، وما الذي يتخلى عنه حتى يحافظ على ما هو أهم.
وقد تهزم الدولة خصمًا أضعف منها ثم تخرج من الصراع أضعف مما دخلته. وقد يربح القائد كل معاركه تقريبًا ثم يخسر مشروعه كله. وقد يكون التراجع خطوة نحو الغاية، بينما يصبح التقدم خطوة بعيدًا عنها.
من هنا يبدو الكتاب، في جوهره، أقل اهتمامًا بتعليم القارئ كيف يفرض إرادته على العالم، وأكثر اهتمامًا بتعليمه كيف يمنع إرادته من أن تعميه عن العالم.
إنها فكرة متواضعة ظاهريًا، لكنها تمس أصل العمل الاستراتيجي:
لا تجعل أهدافك أكبر من قدرتك، ولا تجعل حدود قدرتك أصغر مما تستطيع تحقيقه، واعرف دائمًا ما الذي يستحق أن تنفق قوتك من أجله.
ولهذا يستحق كتاب جون لويس غاديس القراءة؛ لا لأنه يمنح وصفة للنصر، بل لأنه يذكّر بأن أعظم الاستراتيجيات تبدأ قبل المعركة، بالسؤال الذي يتجاهله كثير من الأقوياء:
ماذا نريد حقًا، وكم نستطيع أن ندفع من أجله؟





اترك تعليقاً