علاقة خفية بين شبكة إجرامية ومكتب التحقيقات الفيدرالي: قصة ماير لانسكي ودوره في تسليح الجماعات اليهودية قبل قيام كيان “إسرائيل”
تعد العلاقة بين ماير لانسكي، أحد أبرز رؤوس الجريمة المنظمة في تاريخ الولايات المتحدة، وج. إدغار هوفر، المدير التاريخي لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل والغموض في التاريخ السياسي الأمريكي.
خلفية العلاقة
تشير بعض التقارير إلى أنه في عام 1946، استُخدمت شبكات تهريب مرتبطة بعالم الجريمة لنقل أسلحة إلى الجماعات اليهودية المسلحة في فلسطين، مثل الأرغون والهاغاناه، في فترة كانت تشهد تصاعد التوتر مع الانتداب البريطاني.
وتذهب التقارير إلى أن لانسكي لعب دورًا في تسهيل عمليات التهريب، مستفيدًا من علاقاته الواسعة في عالم المال والتهريب، بل وتؤكد بعضها أنه تمتع بنوع من الحماية والحصانة أو التغاضي من السلطات الأمريكية، وعلى رأسها مكتب التحقيقات الفدرالي.
لطالما تساءل المؤرخون عن سبب إنكار ج. إدغار هوفر المستمر لوجود “المافيا” أو “الجريمة المنظمة” ككيان وطني موحد حتى أواخر الخمسينيات. هذا التجاهل المريب سمح لشخصيات مثل ماير لانسكي ببناء إمبراطوريات عابرة للحدود.
سلاح “الابتزاز”: هل كان لدى لانسكي ملفات سرية؟
الفرضية الأكثر شيوعاً (والتي أكدها مقربون من لانسكي لاحقاً) هي أن لانسكي كان يمتلك “مستمسكات” أو صوراً تدين هوفر في حياته الخاصة.
كان لانسكي يُعرف بلقب “محاسب المافيا”، لكن قوته الحقيقية كانت تكمن في المعلومات. يُشاع أنه حصل على صور فوتوغرافية تظهر هوفر في أوضاع محرجة أو مع صديقه المقرب كلايد تولسون.
في زمن كانت فيه السمعة هي كل شيء، كان مجرد التلميح بوجود مثل هذه الصور كافياً لضمان بقاء لانسكي خارج رادار الملاحقة الفيدرالية المباشرة لسنوات طويلة.
عام 1946: تهريب السلاح ودعم العصابات الصهيونية
خلال تلك الفترة، وتحديداً قبل قيام ما يسمى دولة “إسرائيل” عام 1948، لعب لانسكي دوراً محورياً في دعم المنظمات المسلحة مثل “الهاغاناه”.
استخدم لانسكي نفوذه في الموانئ الأمريكية (التي كانت تخضع لسيطرة النقابات التابعة للمافيا) لتسهيل شحن الأسلحة والمعدات العسكرية إلى فلسطين، متجاوزاً الحظر الرسمي.
يرى البعض أن السلطات الأمريكية غضت الطرف عن هذه التحركات ليس فقط بسبب “الابتزاز”، بل أحياناً بسبب تقاطع المصالح السياسية في تلك المرحلة المضطربة من الحرب الباردة وبدايات تشكل الشرق الأوسط الجديد.
“كنت أشعر أنني وحش”: جنود إسرائيليون يتحدثون عن “الإصابة الأخلاقية” والصمت
“عملية العشاء الرباني”
لا يمكن إغفال أن التعاون بين المافيا والحكومة الأمريكية بدأ رسمياً خلال الحرب العالمية الثانية. لانسكي نفسه ساعد الاستخبارات البحرية في حماية الموانئ من التجسس النازي.
هذا التعاون منح شخصيات مثل لانسكي ‘رصيداً’ من الخدمات لدى الدولة، مما جعل ملاحقتهم لاحقاً أمراً معقداً وحساساً.
المؤكد تاريخيًا أن شبكات تهريب السلاح كانت نشطة قبل 1948 وأن الجماعات اليهودية سعت للحصول على دعم خارجي وأن بعض الشخصيات في الولايات المتحدة، بما فيها من خارج الأطر الرسمية، قدمت دعمًا بطرق مختلفة.
بينما لا توجد وثيقة رسمية في أرشيف الـ FBI تعترف بمنح لانسكي “حصانة” مقابل صمته، إلا أن الوقائع التاريخية تشير إلى حصانة واقعية. لانسكي لم يقضِ يوماً واحداً في السجن بتهمة تتعلق بالجريمة المنظمة الكبرى، ومات في منزله في ميامي عام 1983.
إن قصة لانسكي وهوفر تظل تذكيراً بكيف يمكن للقوة المالية، والمعلومات الاستخباراتية، والابتزاز السياسي أن تصنع طبقة من الحماية العابرة للحدود.
تعكس هذه القصة طبيعة تلك المرحلة المعقدة، حيث تداخلت: السياسة الدولية وحركات الاحتلال
وشبكات غير رسمية للتمويل والتسليح.
كما تبرز كيف يمكن أن تتحرك قوى “غير تقليدية” في لحظات التحول التاريخي الكبرى.
يبقى اسم ماير لانسكي حاضرًا في هذا الملف بوصفه رمزًا لتقاطع عالم الجريمة مع مشاريع سياسية كبرى.





اترك تعليقاً