أعلن رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو حلّ حزبه السياسي، في خطوة تمثل نهاية تجربة سياسية بدأت بانشقاقه عن حزب العدالة والتنمية، لكنها انتهت بعد سنوات من التراجع التنظيمي والسياسي. ويثير القرار تساؤلات حول مستقبل النواب المتبقين، وانعكاساته على توازن القوى داخل المعسكر المحافظ، وما إذا كان يصب في مصلحة الحزب الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
من هو حزب داود أوغلو؟
أسس داود أوغلو حزب المستقبل (Gelecek Partisi) في ديسمبر/كانون الأول 2019، بعد استقالته من حزب العدالة والتنمية الذي كان أحد أبرز منظريه وقادته، حيث شغل منصب وزير الخارجية ثم رئيس الوزراء بين عامي 2014 و2016.
جاء تأسيس الحزب احتجاجًا على ما اعتبره مؤسسوه ابتعاد حزب العدالة والتنمية عن مبادئ الإصلاح والديمقراطية، واتهموا القيادة الحالية بتكريس السلطة وتراجع الحريات.
ورغم الضجة التي رافقت تأسيسه، فإن الحزب واجه صعوبات كبيرة في بناء قاعدة جماهيرية مستقلة، وظلت شعبيته محدودة مقارنة بالحزب الحاكم.
كيف دخل البرلمان؟
في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة عام 2023، لم يخض حزب المستقبل الانتخابات بقائمة مستقلة، بل انضم إلى تحالف المعارضة وخاضها عبر قوائم حزب السعادة، ما أتاح له الفوز بعشرة مقاعد في البرلمان.
لكن هذه الكتلة البرلمانية لم تبقَ متماسكة طويلًا.
فخلال السنوات التالية:
- انضم ثلاثة نواب مجددًا إلى حزب العدالة والتنمية.
- وغادر ثلاثة آخرون إلى أحزاب واتجاهات سياسية مختلفة.
- ولم يبقَ سوى أربعة نواب، أصبح مصيرهم غير واضح بعد إعلان حل الحزب.
ومن المتوقع أن يحدد هؤلاء النواب وجهتهم خلال الفترة المقبلة، سواء بالانضمام إلى أحزاب قائمة أو الاستمرار مستقلين حتى نهاية الدورة البرلمانية.
لماذا فشل الحزب؟
يرى مراقبون أن تجربة حزب المستقبل واجهت عدة تحديات رئيسية، أبرزها:
- عدم قدرة الحزب على بناء هوية سياسية تختلف بوضوح عن العدالة والتنمية.
- استمرار شعبية أردوغان داخل القاعدة المحافظة، ما حدّ من قدرة الأحزاب المنشقة على استقطاب الناخبين.
- اعتماد الحزب على تحالفات انتخابية بدلًا من امتلاك قاعدة تنظيمية قوية.
- الانقسامات الداخلية واستمرار انتقال النواب والكوادر إلى أحزاب أخرى.
وبذلك تحولت تجربة الحزب تدريجيًا من مشروع منافس إلى كيان صغير يعاني من نزيف سياسي مستمر.
المستفيد الأكبر: حزب العدالة والتنمية
يُنظر إلى قرار الحل باعتباره مكسبًا سياسيًا للحزب الحاكم.
فحزب المستقبل كان يستهدف أساسًا الناخب المحافظ نفسه الذي يعتمد عليه حزب العدالة والتنمية، إلا أنه لم ينجح في اقتطاع نسبة مؤثرة من هذا الجمهور.
ومع عودة عدد من نوابه وكوادره إلى الحزب الحاكم، يتعزز الانطباع بأن محاولة تأسيس بديل محافظ لأردوغان لم تحقق أهدافها.
كما يمنح اختفاء الحزب فرصة للعدالة والتنمية لتعزيز صورته باعتباره الممثل الرئيسي – وربما الوحيد – للتيار المحافظ التقليدي في تركيا.
لكن هناك منافس جديد
في المقابل، لا يعني اختفاء حزب المستقبل انتهاء المنافسة داخل الساحة المحافظة.
فثمة أحزاب وحركات سياسية ناشئة تسعى إلى استقطاب المحافظين الذين يشعرون بالإحباط من الحزب الحاكم، وتحاول تقديم نفسها بوصفها البديل الجديد داخل هذا التيار.
ولهذا قد تنتقل بعض الكوادر والناخبين السابقين لحزب المستقبل إلى هذه التشكيلات الجديدة بدل العودة إلى العدالة والتنمية.
ماذا عن النواب الأربعة؟
يبقى السؤال الأبرز هو مستقبل النواب الأربعة الذين لم يحددوا موقفهم بعد.
وتتمثل السيناريوهات الأكثر ترجيحًا في:
- الانضمام إلى حزب العدالة والتنمية.
- الالتحاق بأحزاب محافظة أو معارضة أخرى.
- البقاء نوابًا مستقلين حتى الانتخابات المقبلة.
وسيكون قرارهم مؤشرًا مهمًا على الاتجاه الذي يسلكه التيار المحافظ خارج الحزب الحاكم.
دلالات سياسية
لا يمثل حل حزب المستقبل مجرد نهاية حزب صغير، بل يعكس أيضًا الصعوبات التي واجهتها معظم الأحزاب المنشقة عن العدالة والتنمية خلال السنوات الماضية.
فباستثناء نجاحات محدودة، لم تتمكن هذه الأحزاب من تحويل الثقل السياسي لقادتها السابقين إلى قاعدة انتخابية مستقرة، بينما ظل الحزب الحاكم يحتفظ بالكتلة الأكبر من أصوات المحافظين.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، قد يؤدي اختفاء حزب داود أوغلو إلى مزيد من إعادة تشكيل المشهد المحافظ، سواء عبر عودة جزء من قواعده إلى العدالة والتنمية، أو انتقالها إلى أحزاب جديدة تحاول وراثة المساحة التي تركها الحزب المنحل.






اترك تعليقاً