تحقيق: مسارات جبلية خفية تُعيد فتح طريق الروهينجا إلى بنغلاديش وسط نشاط لشبكات التهريب

Screenshot 2026 07 19 120907

تكشف تحقيقات ميدانية أجرتها صحيفة The Daily Star البنغلاديشية عن تنامي عمليات تسلل لاجئي الروهينجا من ميانمار إلى بنغلاديش عبر ممرات جبلية نائية في منطقة باندربان، مستعينين بشبكات تهريب محلية تساعدهم على تجاوز نقاط التفتيش الأمنية والوصول إلى أسواق العمل داخل البلاد.

ويرسم التحقيق صورة مفصلة للرحلة التي يخوضها اللاجئون عبر الغابات والوديان والأنهار، في ظل استمرار الصراع في ولاية راخين وتدهور الأوضاع الإنسانية، الأمر الذي يدفع مزيدًا من الأسر إلى الفرار بحثًا عن الأمان وسبل العيش.

رحلة ليلية عبر الحدود

image 18

في مساء 20 مايو، رافق مراسل الصحيفة أحد سكان قبائل “مرو” إلى تلال منطقة أليكادام القريبة من الحدود مع ميانمار، حيث انتظر الرجلان بصمت قرب مجرى مائي يعرف باسم فاترا جيري.

وبعد نحو نصف ساعة من الانتظار، ظهرت أضواء مصابيح صغيرة في الظلام، قبل أن يخرج اثنا عشر شخصًا يسيرون بحذر، تتقدمهم ثلاث نساء يحملن حقائب صغيرة، ويتبعهن تسعة رجال يحاولون عبور الحدود دون إصدار أي صوت.

وأكد الدليل المحلي أن المجموعة تنتمي إلى أقلية الروهينجا، وأنها ليست سوى واحدة من عشرات المجموعات التي تعبر المنطقة بصورة متكررة.

طرق بديلة بعيدًا عن أعين الأمن

بحسب التحقيق، أصبحت المسارات الجبلية الممتدة بين فاترا بارا ودوريموخ بارا وصولًا إلى أليكادام من أكثر طرق التهريب استخدامًا خلال الأشهر الأخيرة، بعدما شددت السلطات الرقابة على المعابر التقليدية الأخرى.

ويمتد الطريق لمسافة تقارب 54 كيلومترًا عبر غابات كثيفة، وتلال وعرة، وجداول مائية وأنهار، ويستغرق اجتيازه قرابة يومين كاملين.

وتنطلق الرحلة عادة بعد حلول الظلام، حيث تتجمع مجموعات الروهينجا قرب أعمدة الحدود بين ميانمار وبنغلاديش، ثم تعبر مجرى جوروم جيري قبل مواصلة السير وسط الغابات لتجنب رصدها.

image 19

الحدود البنغلاديشية الميانمارية

تضاريس قاسية وإصابات متكررة

يصف التحقيق هذا المسار بأنه بالغ الصعوبة، إذ يضطر اللاجئون إلى اجتياز مجارٍ مائية يصل عمقها أحيانًا إلى مستوى الخصر، والسير فوق الصخور الزلقة وجذور الأشجار في ظلام دامس.

وتعرض عدد من أفراد المجموعة لإصابات وجروح في أقدامهم أثناء العبور، بينما وصل كثير منهم إلى الضفة الأخرى وهم مرهقون تمامًا بعد ساعات طويلة من المشي.

ويقضي اللاجئون بقية الليل في مناطق نائية قرب الأنهار، قبل استئناف رحلتهم مع بزوغ الفجر نحو القرى التي تبدأ منها الطرق المعبدة.

image 28

خريطة مسار عبور الروهينجا عبر حدود ميانمار–بنغلاديش: طريق ماتاموهوري

دور محوري لشبكات التهريب

يكشف التحقيق أن عمليات العبور لا تتم بصورة عشوائية، بل تنظمها شبكات تهريب محلية تعمل على جانبي الحدود.

وقبل تنفيذ عملية التسلل بعدة أيام، يصل بعض الوسطاء إلى القرى الحدودية لاستطلاع الطرق، واستئجار الدراجات النارية، وجمع معلومات عن تحركات الدوريات الأمنية مقابل مبالغ مالية.

ويقول أحد سكان المنطقة إنه وافق على تزويد المهربين بمعلومات عن الطريق بعد أن أخبره بعض الروهينغا أنهم لم يعودوا قادرين على إطعام أطفالهم داخل ميانمار.

وبحسب المصادر المحلية، يتقاضى المهربون ما بين 4500 و5000 تاكا بنغلاديشية عن كل شخص يتم تهريبه عبر الحدود.

image 20

يصل الروهينجا إلى دوريموخ بارا، حيث يبدأ الطريق المعبد، قبل أن يواصلوا رحلتهم بالدراجات النارية على مراحل إلى سوق أليكادام، على بُعد حوالي 40 كيلومترًا.

تجاوز نقاط التفتيش

يوضح التحقيق أن المهربين يعتمدون أسلوبًا ثابتًا لتجاوز الحواجز الأمنية.

فعندما تقترب الدراجات النارية من نقطة تفتيش، ينزل الركاب الروهينجا قبل الوصول إليها، ثم يسلكون ممرات جانبية داخل الغابات أو بين التلال حتى يتجاوزوا الحاجز سيرًا على الأقدام.

وفي الوقت نفسه تعبر الدراجة النارية نقطة التفتيش بصورة طبيعية، ثم تنتظر الركاب في الجهة الأخرى لاستكمال الرحلة.

ويؤكد سكان محليون أن هذه الطريقة أصبحت شائعة ومعروفة في المنطقة.

مئات الوافدين منذ بداية العام

تشير تقارير إعلامية استند إليها التحقيق إلى أن سلطات أليكادام احتجزت منذ يناير/كانون الثاني 2026 أكثر من 100 لاجئ من الروهينجا، إلى جانب ستة مشتبه بهم بالعمل في شبكات تهريب البشر.

ويرى مسؤولون محليون أن تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية داخل ولاية راخين أدى إلى ارتفاع وتيرة محاولات العبور خلال الأشهر الماضية.

image 21

نهر ماتاموهوري – أحد الطرق التي يسلكها الروهينجا في طريقهم إلى دوريموخ بارا.

لماذا يفرون؟

تحدثت الصحيفة مع عدد من اللاجئين الذين أكدوا أن القتال المستمر، ونقص الغذاء، وغياب فرص العمل جعلت البقاء في ميانمار شبه مستحيل.

وقال أحد الرجال، البالغ من العمر 42 عامًا، إنه لم يعد قادرًا على توفير الطعام لطفله، ولذلك قرر المخاطرة بحياته لعبور الحدود.

ويعمل الرجل اليوم في أحد المطاعم الصغيرة بمدينة أليكادام، من السادسة صباحًا حتى العاشرة مساءً، مقابل أجر شهري يبلغ نحو 5000 تاكا، بينما تقيم زوجته داخل أحد مخيمات اللاجئين في منطقة أوخيا مع طفلهما.

كما أكد لاجئون آخرون أنهم يقبلون بأي أجر يُعرض عليهم خشية فقدان العمل.

image 22

يعبر الروهينجا مجرى نهر تي بسرعة كبيرة قبل دخولهم بنغلاديش.

العمل خارج المخيمات

يفيد التحقيق بأن جزءًا كبيرًا من الوافدين الجدد لا يتجه إلى مخيمات كوكس بازار، بل يبقى داخل المدن والبلدات الحدودية، حيث يعملون في المطاعم والفنادق وورش البناء والأسواق بأجور منخفضة.

ويثير هذا الوضع مخاوف من تأثيره على سوق العمل المحلي، خاصة مع استمرار دخول مزيد من اللاجئين عبر المعابر غير الرسمية.

اتهامات بتزوير وثائق رسمية

يشير التحقيق أيضًا إلى أن بعض الروهينجا تمكنوا من تسجيل أنفسهم كمواطنين بنغلاديشيين باستخدام وثائق مزورة.

وفي 12 يوليو/تموز، علقت السلطات عمل رئيس مجلس محلي وثلاثة أعضاء آخرين بعد اتهامهم بإصدار شهادات جنسية مزيفة ساعدت بعض الروهينجا على التسجيل في قوائم الناخبين.

ولم تحدد السلطات موعد دخول هؤلاء الأشخاص إلى البلاد أو الطرق التي استخدموها.

image 23

تقع قرية باهارفانغا على قمة تل مطل على نهر ماتاموهوري. يستخدم الروهينجا هذا الطريق سيرًا على الأقدام.

مخاوف أمنية واجتماعية

ويرى خبراء أمنيون أن الطبيعة الجبلية الوعرة تجعل من المستحيل تقريبًا إحكام السيطرة الكاملة على الحدود.

وقال اللواء المتقاعد أن. أم. منير الزمان، رئيس معهد بنغلاديش لدراسات السلام والأمن، إن منع عمليات العبور غير النظامية يمثل تحديًا دائمًا، خاصة في المناطق الجبلية النائية التي يصعب الوصول إليها.

وأضاف أن اندماج اللاجئين في سوق العمل غير الرسمي قد يؤدي إلى توترات اجتماعية واقتصادية داخل المجتمعات المستضيفة، الأمر الذي يتطلب سياسة شاملة لمعالجة الملف.

image 24

يترجل الروهينجا من دراجاتهم النارية قرب نهر ماتاموهوري، ويعبرون مونغشا بارا عبر طريق ترابي، ثم يعبرون النهر سيراً على الأقدام، متجاوزين نقطة تفتيش الثكنات العسكرية في طريقهم إلى سوق أليكادام.

image 25

على امتداد الطريق الالتفافي نفسه بالقرب من ميندون بارا، يعود الروهينجا إلى دراجاتهم النارية بعد عبورهم نقطة التفتيش سيرًا على الأقدام.

image 26

على امتداد الطريق الالتفافي نفسه بالقرب من ميندون بارا، يعود الروهينجا إلى دراجاتهم النارية بعد عبورهم نقطة التفتيش سيرًا على الأقدام.

image 27

شكّل امتداد نهر ماتاموهوري في مونغتشا بارا طريقًا بديلًا لتجاوز نقطة تفتيش الجيش قبل الوصول إلى سوق أليكادام.

صحيفة The Daily Star البنغلاديشية

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *