الهروب من المضيق.. كيف يمكن للنفط العربي تجاوز هرمز؟

64802 مضيق هرمز

أعادت التطورات التي شهدتها منطقة الخليج المتعلقة بالحرب الأمريكية – الإيرانية، طرح سؤال لطالما ظل حاضرًا في حسابات أمن الطاقة: ماذا يحدث إذا تعطل مضيق هرمز، وهل تملك الدول العربية المنتجة للنفط والغاز طرقًا فعلية لتصدير إنتاجها بعيدًا عن هذا الممر الحيوي؟

الإجابة التي تكشفها خريطة خطوط الأنابيب والموانئ العربية تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد العثور على طريق آخر على الخريطة، فالبدائل موجودة بالفعل، لكنها موزعة بين دول الخليج، ومصممة في معظمها لخدمة إنتاج كل دولة على حدة، وليست شبكة إقليمية متكاملة يمكن لكل المنتجين اللجوء إليها عند إغلاق المضيق.

وهذا يعني أن قدرة الخليج على تجاوز هرمز لا تتوزع بالتساوي، فالسعودية والإمارات تمتلكان اليوم أبرز البدائل الجاهزة، بينما يواجه العراق والكويت وقطر والبحرين قيودًا جغرافية وبنيوية تجعل فك ارتباطها بالمضيق أكثر صعوبة.

images 5 1
مضيق هرمز

هرمز.. عنق الزجاجة الذي يصعب استبداله

قبل البحث عن البدائل، يجب فهم حجم الدور الذي يؤديه المضيق في تجارة الطاقة العالمية، فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتصدير النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية، كما أن أن نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا كانت تمر عبر المنطقة قبل الاضطرابات الأخيرة.

وفي النصف الأول من عام 2025، بلغ متوسط تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، قبل أن تنخفض بصورة حادة في الربع الثاني من عام 2026 ، إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا، مقابل 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من عام 2025.

لكن أهمية هرمز لا تتعلق فقط بحجم النفط الذي يمر عبره، وإنما بحقيقة أن معظم البنية التحتية النفطية الخليجية صُممت تاريخيًا على أساس أن هذا الطريق سيكون متاحًا.

ولهذا فإن بناء بديل ليس مجرد إنشاء أنبوب أو ميناء، بل إعادة تشكيل شبكة الإنتاج والنقل والتخزين والتصدير بأكملها.

السعودية.. صاحبة أقوى ورقة بديلة

تملك السعودية أكبر قدرة عربية قائمة على تجاوز هرمز، وتبدأ القصة من المنطقة الشرقية، حيث يتصل مركز بقيق بخط الشرق-الغرب المعروف باسم «بترولاين»، الذي ينقل النفط عبر الأراضي السعودية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر.

وتبلغ الطاقة الأساسية للخط نحو 5 ملايين برميل يوميًا، إلا أن السعودية تمكنت من رفع قدرته القصوى إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا عبر استخدام خطوط كانت مخصصة لنقل سوائل الغاز.

وفي الربع الأول من عام 2026، أعلنت أرامكو أن التدفقات عبر الخط وصلت إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميًا، مع تحويل صادرات بعيدًا عن هرمز. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 5 ملايين برميل من هذه الطاقة يمكن تخصيصها للتصدير، بينما تستخدم الكمية المتبقية لتلبية احتياجات السوق المحلية.

وهنا تظهر ميزة السعودية الأساسية: النفط يستطيع الوصول إلى البحر الأحمر دون المرور بالمضيق، لكن هذا الطريق لا ينهي المشكلة بالكامل.

البحر الأحمر.. البديل الذي يواجه تحديات

الوصول إلى ينبع يخرج النفط من هرمز، لكنه لا يعني وصوله مباشرة إلى الأسواق الآسيوية، فالناقلات المتجهة إلى آسيا تحتاج في الحالة التقليدية إلى المرور عبر باب المندب، ما يعني انتقال الأزمة من ممر استراتيجي إلى آخر.

وتستطيع السعودية تجاوز هذا العائق لبعض الشحنات عبر إرسال النفط شمالًا في البحر الأحمر ثم استخدام قناة السويس أو خط سوميد المصري للوصول إلى البحر المتوسط.

وقد استخدمت أرامكو بالفعل ميناء سيدي كرير لتحميل شحنات سعودية تتجنب هرمز وباب المندب معًا، لكن هذا المسار أطول وأكثر تكلفة من الطرق التقليدية.

وهنا تكمن المفارقة: السعودية تملك طريقًا بديلًا قويًا، لكنها لا تستطيع استخدامه لتأمين صادرات جيرانها بصورة تلقائية، لأن خام الكويت أو قطر أو العراق لا يمكنه ببساطة الدخول إلى «بترولاين»، لأن شبكات النقل الحالية لا تربط حقول هذه الدول بالخط السعودي بطاقة تسمح بتحويل كميات ضخمة من الإنتاج.

RC2Z88A6VQTF 1719819469
شركة أرامكو

الإمارات.. أقصر طريق إلى البحر المفتوح

إذا كانت السعودية تمتلك أكبر بديل، فإن الإمارات تمتلك واحدًا من أكثر البدائل مباشرة، فخط أنابيب أبوظبي للنفط الخام يمتد من حبشان إلى الفجيرة على خليج عُمان، أي خارج مضيق هرمز.

دخل الخط الخدمة عام 2012م، ويمتد لنحو 404 كيلومترات، بطاقة تصميمية تقارب 1.5 مليون برميل يوميًا، مع إمكانية رفعها إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميًا.

وعند وصول النفط إلى الفجيرة، تستطيع الناقلات التوجه مباشرة نحو المحيط الهندي والأسواق الآسيوية دون المرور بهرمز أو باب المندب.

وهذه ميزة استراتيجية كبيرة، لأن الإمارات لا تستبدل ممرًا بحريًا بآخر داخل سلسلة الاختناق نفسها، وإنما تخرج مباشرة إلى بحر مفتوح، لكن المشكلة أن قدرة الخط الإماراتي، رغم أهميتها، لا تكفي لتغطية كامل الإنتاج.

ولهذا بدأت أبوظبي تنفيذ خط ثانٍ إلى الفجيرة، وأعلنت أدنوك في مايو 2026م، ، أن المشروع وصل إلى نحو 50% من التنفيذ، مع هدف مضاعفة قدرة التصدير عبر الفجيرة بحلول عام 2027م.

1452306.jpeg
شركة أدنوك

العراق.. طريق إلى البحر موجود، لكن النفط في المكان الخطأ

يمتلك العراق من الناحية النظرية بديلًا مهمًا خارج الخليج، فخط العراق-تركيا يتيح نقل النفط من شمال العراق إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، بعيدًا عن مضيق هرمز.

وعادت صادرات من حقول كركوك عبر هذا المسار في مارس 2026م، ثم أبرمت بغداد وأنقرة في أغسطس من العام نفسه، اتفاقًا مؤقتًا لتمديد تشغيل الخط.

لكن حجم التدفقات ظل محدودًا، عند نحو 170 ألف برميل يوميًا، مع هدف مبدئي لرفعها إلى قرابة 250 ألف برميل يوميًا.

وتكمن المشكلة الأساسية في الجغرافيا النفطية للعراق، لأن أغلبية إنتاج البلاد تأتي من الحقول الجنوبية، خصوصًا في البصرة وغرب القرنة ومجنون والرميلة، وقد صممت منظومة التصدير العراقية أساسًا باتجاه الخليج.

أي أن وجود خط إلى جيهان لا يعني أن ملايين البراميل المنتجة في الجنوب تستطيع الوصول إليه، ولهذا فإن العراق يحتاج إلى إعادة بناء شبكة داخلية تربط الجنوب بالشمال قبل أن يستطيع تحويل إنتاجه بعيدًا عن هرمز على نطاق واسع.

مشروع العراق الأطول.. من البصرة إلى البحر المتوسط

ضمن خطط بغداد المستقبلية، يجري بحث مسارات تربط البصرة بحديثة ثم كركوك وجيهان، ومسار آخر يمتد من البصرة عبر حديثة باتجاه بانياس في سوريا.

وأجازت الحكومة العراقية في يوليو 2026م، دراسات للمسارين، ويستهدف التصور الخاص بالمسار السوري قدرة قد تصل إلى مليوني برميل يوميًا، لكنه مشروع ضخم يحتاج، وفق التقديرات الواردة في التقرير، إلى نحو أربع سنوات واستثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار.

لذلك يبقى جيهان اليوم المنفذ العراقي الوحيد العامل خارج الخليج، لكنه بعيد جدًا عن أن يكون بديلًا كاملًا للمنظومة الجنوبية.

الكويت.. بلا منفذ جاهز خارج هرمز

تظهر مشكلة الكويت بوضوح أكبر، حيث أن البلاد لا تملك حاليًا خطًا وطنيًا ينقل إنتاجها النفطي إلى ميناء بحري مفتوح خارج هرمز.

ولهذا برز خيار الربط بالشبكة السعودية، خصوصًا خط الشرق-الغرب، بحيث يمكن نقل جزء من النفط الكويتي مستقبلًا إلى موانئ سعودية على البحر الأحمر، لكن هذا الخيار لا يزال مرتبطًا بالمفاوضات والاستثمارات والبنية التحتية العابرة للحدود.

وبالتالي، فإن الكويت تبقى حتى الآن شديدة الاعتماد على استمرار الملاحة عبر هرمز.

قطر.. أزمة الغاز أصعب من أزمة النفط

ربما تكون قطر من أكثر الدول تعرضًا للقيود إذا تعطل هرمز، لأن الدوحة لا تصدر فقط النفط، وإنما تعتمد بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي المسال، الذي يشكل أحد أعمدة تجارتها الخارجية.

وفي عام 2024م، مر نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عبر هرمز، وكانت قطر صاحبة النصيب الأكبر من هذه الحركة، مع صادرات قدرت بنحو 9.3 مليارات قدم مكعبة يوميًا عبر المضيق.

وخلال النصف الأول من عام 2025م ارتفعت التدفقات الإجمالية للغاز الطبيعي المسال عبر هرمز إلى أكثر من 20% من التجارة العالمية.

المشكلة هنا أن خط أنابيب نفطي جديد لا يمكنه حل المشكلة القطرية، فالغاز يُنتج ويُعالج ويُسال في منشآت رأس لفان، داخل الخليج. والخروج الدائم من هرمز يحتاج إلى إنشاء بنية جديدة بالكامل للتسييل والتصدير خارج الخليج، سواء في السعودية أو الإمارات أو سلطنة عُمان.

وهذا يعني استثمارات هائلة وزمنًا طويلًا، وليس حلًا يمكن تشغيله بمجرد تعطل المضيق.

البحرين.. الارتباط بالسعودية لا يلغي المشكلة

البحرين ترتبط بشبكات الطاقة السعودية، لكنها لا تمتلك في الوقت الحالي منفذًا مستقلًا يسمح لها بإخراج صادراتها البحرية إلى خارج الخليج من دون المرور بهرمز.

وبالتالي فإن الحل البحريني المحتمل يرتبط أيضًا بالقدرة السعودية على نقل الخام أو المنتجات إلى موانئ تقع خارج نطاق المضيق.

وهذا يجعل البحرين أقرب إلى نموذج «الارتباط بشبكة الجوار» بدل امتلاك مسار وطني مستقل.

عُمان.. الموقع المثالي الذي لا يملك الشبكة الإقليمية

على الخريطة، تبدو سلطنة عُمان وكأنها الحل الأسهل، فموانئ مثل الدقم تقع على بحر العرب، خارج هرمز، وعلى طرق بحرية مفتوحة تربط الخليج بالمحيط الهندي.

لكن امتلاك ميناء خارج المضيق لا يكفي وحده، لأنه لكي تصبح عُمان منفذًا للنفط الكويتي أو القطري أو العراقي، يجب أن تصل تلك الإمدادات إلى أراضيها عبر خطوط أنابيب عابرة للحدود، ومحطات ضخ وتخزين، وترتيبات تجارية وسياسية معقدة.

ولا توجد اليوم شبكة بهذا الحجم، لذلك تظل الدقم خيارًا استراتيجيًا مهمًا للمستقبل، لكنها ليست حلًا جاهزًا تستطيع دول الخليج استخدامه بمجرد إغلاق هرمز.

المشكلة الحقيقية.. لا توجد شبكة عربية مشتركة

تكشف خريطة البدائل العربية حقيقة أكثر أهمية من أسماء الأنابيب والموانئ.

العالم العربي لديه بدائل متعددة، لكنه لا يملك بديلًا عربيًا موحدًا.. السعودية تستطيع تحويل ملايين البراميل إلى البحر الأحمر، والإمارات تستطيع إخراج جزء كبير من خامها عبر الفجيرة، والعراق يستطيع استخدام جيهان بكميات محدودة، وعُمان تمتلك موانئ مفتوحة على بحر العرب.

لكن هذه البنى لا تتصل ببعضها بطريقة تسمح بتحويلها إلى شبكة طاقة عربية متكاملة.

فالنفط السعودي لا يمكنه تلقائيًا إنقاذ صادرات الكويت، وخط الإمارات لا يشكل منفذًا للعراق، وخط جيهان لا يستطيع استيعاب معظم نفط جنوب العراق، بينما لا ترتبط الموانئ العُمانية حاليًا بشبكة خليجية عابرة للحدود.

أما قطر، فإن معضلتها تختلف جذريًا لأن الجزء الأكبر من صادراتها الاستراتيجية يتعلق بالغاز المسال، الذي يحتاج إلى منشآت تسييل وتصدير وليس مجرد أنابيب لنقل الخام.

من استفاد من الاستثمار المبكر؟

أزمة عام 2026م، قدمت اختبارًا عمليًا لهذه الخريطة، فالدول التي استثمرت مبكرًا في خطوط الالتفاف امتلكت قدرة أكبر على المناورة.

السعودية كانت قادرة على استخدام «بترولاين» ونقل كميات كبيرة إلى ساحل البحر الأحمر، والإمارات تمكنت من الاستفادة من خط أبوظبي-الفجيرة.

أما الدول التي تفتقر إلى خطوط بديلة جاهزة، فوجدت نفسها أمام خيارات محدودة أو مكلفة، مثل الاتفاقات المؤقتة أو انتظار عودة الملاحة الطبيعية أو البحث عن استثمارات ضخمة في بنية تحتية جديدة.

ولهذا فإن أمن الطاقة لا يتعلق بحجم الاحتياطيات فقط، بل أيضًا بالمكان الذي تستطيع الدولة أن تخرج منه نفطها عندما تتعطل الطريق الرئيسية.

images 6 1
أزمة مضيق هرمز تتصاعد

العراق كشف المفارقة الأوضح

اختصارًا للمشكلة، يمكن النظر إلى العراق. فالبلد يمتلك احتياطيات وإنتاجًا نفطيًا ضخماً، لكنه وجد نفسه في أغسطس 2026م، مضطرًا إلى الحصول على إذن إيراني خاص لمرور عدد من ناقلاته عبر مضيق هرمز.

المفارقة هنا أن العراق ليس بلا نفط ولا بلا موانئ ولا بلا خطوط تصدير، لكنه يفتقر إلى الربط الكافي بين مناطق الإنتاج الكبرى والطرق البديلة.

وهذا يوضح لماذا لا يكفي رسم خط على الخريطة باعتباره «بديلًا لهرمز».

البديل الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة عناصر في الوقت نفسه: إنتاج يصل إلى الأنبوب، وطاقة نقل كافية، وميناء قادر على استقبال الصادرات وإرسالها إلى السوق العالمية.

هل يمكن بناء بديل عربي حقيقي؟

من الناحية الهندسية والاقتصادية، يمكن تصور شبكة عربية أكثر تكاملًا، تربط حقول الخليج بخطوط تمر عبر السعودية والعراق وعُمان، وصولًا إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط وبحر العرب.

لكن إنشاء مثل هذه الشبكة يحتاج إلى مليارات الدولارات، وتفاهمات سياسية طويلة الأجل، واستقرار أمني في مناطق واسعة من المنطقة.

كما أن خطوط الأنابيب العابرة للحدود لا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية؛ فهي تحتاج إلى اتفاقات سيادية، وضمانات أمنية، وقواعد لتقاسم رسوم النقل، وآليات للتعامل مع الطوارئ والحروب.

وبالتالي، فإن بناء «شبكة هرمز البديلة» ليس مشروعًا هندسيًا فحسب، وإنما مشروع سياسي واقتصادي عربي كامل.

هرمز سيبقى مهمًا حتى مع وجود البدائل

وجود البدائل لا يعني أن مضيق هرمز فقد أهميته. على العكس، تكشف الأزمة أن حتى أكبر خطوط الالتفاف لا تستطيع ببساطة استبدال المضيق لكل المنتجين وفي كل الظروف.

السعودية يمكنها تجاوز هرمز بدرجة كبيرة، والإمارات بدرجة مهمة، لكن الكويت وقطر والبحرين تبقى أكثر تعرضًا، بينما يحتاج العراق إلى سنوات واستثمارات هائلة لإعادة تصميم شبكة النقل الداخلية والخارجية.

ولهذا فإن أي تعطيل طويل للمضيق سيظل قادرًا على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، حتى مع استمرار بعض التدفقات عبر الطرق البديلة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *