القتال قتال العقائد لا المصالح

ليست كل الدول سواء في مستوى الخطر الذي تمثله. فالدولة التي تقوم على رابطة وطنية أو مصلحة سياسية، مهما بلغت قوتها، تظل حساباتها في الغالب محكومة بمنطق الربح والخسارة، وقابلة للمراجعة والتفاوض وإعادة التموضع.

أما الدولة أو الحركة التي تقوم على عقيدة راسخة أو مشروع أيديولوجي شامل، فإنها تستمد من تلك العقيدة طاقة مستمرة على الصبر والتضحية، وتجعل الصراع جزءًا من رسالتها لا مجرد وسيلة لتحقيق مصالحها.

ولهذا كان التاريخ يُظهر مرارًا أن أصحاب المشاريع العقائدية يمتلكون قدرة استثنائية على الاحتمال وإعادة إنتاج أنفسهم حتى بعد الهزائم.

فالفكرة إذا استقرت في النفوس أصبحت مصدرًا دائمًا للتعبئة، لا ينقطع بزوال قائد أو خسارة معركة.

ومن الشواهد التاريخية على ذلك جماعة الحشاشين (النزاريين الإسماعيليين)، التي أسسها حسن الصباح في القرن الخامس الهجري. فقد استطاعت، رغم قلة عددها مقارنة بالدولة السلجوقية، أن تُحدث اضطرابًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا عبر شبكة من الأتباع الذين كانوا يقدمون على تنفيذ عمليات اغتيال عالية الخطورة، مدفوعين بولاء عقدي شديد، مع علم كثير منهم أن فرص النجاة تكاد تكون معدومة.

ولم يكن إنهاء دولتهم في فارس إلا بعد الحملة المغولية بقيادة هولاكو، ثم أُزيل آخر وجودهم السياسي في الشام على يد السلطان الظاهر بيبرس.

وهذا يبرز حقيقة مهمة في قراءة الصراعات؛ فمصدر القوة لا يُقاس دائمًا بحجم الجيوش أو الثروة أو السكان، بل بقدرة الفكرة على تحريك أتباعها، وبمدى استعدادهم لبذل التضحيات في سبيلها. فالعقائد تمنح أصحابها صبرًا واستمرارية يصعب أن توفرهما المصالح العابرة أو الروابط الوطنية المجردة.

ومن هنا، فإن تقدير المخاطر لا ينبغي أن ينحصر في القدرات العسكرية والاقتصادية للدول، بل يجب أن يشمل طبيعة المشروع الذي يحركها. فالدول ذات الطابع المدني أو الوطني قد تتغير سياساتها بتغير الحكومات أو الظروف، أما الدول أو الحركات التي تحمل مشروعًا عقائديًا متكاملًا فإنها غالبًا ما تنظر إلى الصراع بوصفه جزءًا من هويتها ورسالتها، لا مجرد خيار سياسي مؤقت.

ولذلك، فإن المشاهد الفاصلة في التاريخ كثيرًا ما تكون بين مشاريع كبرى تتجاوز حدود المصالح الآنية؛ إذ إن العقيدة هي التي تمنح أصحابها القدرة على الصمود الطويل، وتحدد مدى استعدادهم للتضحية. ولهذا كان الحذر من القوى التي تحمل مشروعًا عقائديًا راسخًا أولى من الاكتفاء بالنظر إلى حجم قوتها المادية؛ لأن الصراعات الكبرى في التاريخ لا تحسمها الإمكانات وحدها، وإنما تحسمها أيضًا الأفكار التي تؤمن بها الأمم، والمشاريع التي تعيش وتموت من أجلها.

وفي الختام، فإن الخريطة الكبرى للصراع لن يبقى على رقعتها إلا أصحاب المشاريع الكبرى والعقائد الراسخة. أما من يستخف بالعقيدة بوصفها المحرك الأعمق للقوة والصمود، فإنه لا يسيء قراءة خصمه فحسب، ولا يجهل حقيقة دموعه التي تذرف في مآتمه فقط، بل يسيء تقدير مستقبل أمته؛ والتاريخ لا يعذر من أخطأ فهم سنن الله فيه.

تبقى الخرائط وتتبدل الحدود، وتنهض دول وتسقط أخرى، لكن الذي يظل حاضرًا في ميادين الصراع على امتداد محور التاريخ والزمن، هو المشروع الذي يحمل أصحابه عقيدته ويقاتلون من أجلها ويقيمون لخدمتها الدول ويسقطون لنصرتها الدول.

فمن انشغل بتقييم الدول بعدد الدبابات مغفلا ثقل العقائد التي تحركها، فحاله يشبه من يحسب سرعة السهم ويتجاهل اليد التي أطلقته.

فإنما القتال قتالُ عقائد، وما أطال أمدَ الصراعات عبر التاريخ مثلُ العقائد، ومن لم يدرك ذلك فإنه يقرأ التاريخ بعينٍ واحدة، لا تصلح لقيادةٍ، ولا لصناعة مجدٍ، ولا لبناء مستقبل.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *