“السيطرة على الحصبة في مخيمات الروهينجا تتطلب تدخلات مخصصة”

تواجه بنغلاديش مرة أخرى تهديداً للصحة العامة مألوفاً ويمكن الوقاية منه. فمنذ أوائل يناير 1447هـ (2026م)، شهدت البلاد طفرة في حالات الإصابة بالحصبة، مع وجود آلاف الإصابات المشتبه بها وارتفاع عدد الوفيات. وما يثير القلق بشكل خاص هو المكان الذي بدأ فيه هذا التفشي ويستمر في التفاقم: مخيمات لاجئي الروهينجا في “كوكس بازار”. فهذه المخيمات مكتظة للغاية، حيث تستضيف أكثر من 1.1 مليون لاجئ (وفقاً لمفوضية اللاجئين، 11 جمادى الآخرة 1447هـ (31 ديسمبر 2025م))، ومن بينهم حوالي 190 ألف طفل دون سن الخامسة. ويخلق هذا السياق الديموغرافي والمعيشي ظروفاً ملائمة للغاية للانتشار السريع لمرض معدٍ مثل الحصبة.

كما تزيد خلفية لاجئي الروهينجا من حدة ضعفهم، إذ وصلوا إلى بنغلاديش بمناعة منخفضة للغاية ضد الحصبة؛ حيث لم يتم تطعيم العديد من الأطفال قط بسبب الفجوات الطويلة في التحصين في ولاية راخين، مما خلق كتلة كبيرة من المعرضين للإصابة غذت تفشي الحصبة عام 1438هـ (2017م) بسرعة، مع أكثر من 1700 حالة مشتبه بها في غضون أشهر من نزوحهم.

واستجابة لذلك، أطلقت حكومة بنغلاديش والمنظمات الشريكة حملات تطعيم واسعة وسريعة ضد الحصبة والحصبة الألمانية. وصلت هذه الحملات إلى آلاف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و15 عاماً في غضون أشهر، مما أدى لزيادة تغطية الجرعة الأولى وتقليل الانتقال بسرعة. كما تم تسيير حملات متابعة للوصول إلى الأطفال الذين فاتهم التطعيم في المرة الأولى. ورغم فعالية هذه الجهود في احتواء التفشي الفوري، إلا أنها كانت في الغالب استجابات طارئة، حيث ظل الحفاظ على مستويات عالية من المناعة عبر جدول كامل من جرعتين وتحصين روتيني قوي يمثل تحدياً.

وفي الوقت نفسه، تستمر معدلات المواليد المرتفعة، وحركة السكان، والاضطرابات الدورية في الخدمات في توليد القابلية للإصابة. وعلاوة على ذلك، يستمر لاجئو الروهينجا في دخول بنغلاديش، وكثير منهم لديهم مناعة منخفضة مماثلة. وتخلق هذه الديناميكيات مجموعة متزايدة من الأفراد المحصنين جزئياً أو غير المحصنين، مما يحول المخيمات إلى بؤرة دائمة يمكن أن تنتشر فيها الحصبة بسرعة وتعاود الظهور رغم السيطرة السابقة.

وهذا الواقع الوبائي له عواقب مباشرة على بنغلاديش خارج حدود المخيمات؛ فمنطقة “كوكس بازار” مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمجتمعات المحيطة عبر الأسواق والعمالة والنقل والخدمات المشتركة. وتخلق التفاعلات اليومية بين اللاجئين والمجتمع المضيف مسارات مستمرة لانتقال المرض. وعندما توجد فئة كبيرة معرضة للخطر في مثل هذا القرب، فإن الخطر لا يبقى محصوراً داخل حدود المخيم؛ بل يمتد خطر العدوى إلى المناطق المجاورة، ومنها إلى مناطق أوسع ومراكز حضرية.

وهذا النمط واضح بالفعل: فقد تم تحديد الموجة الأولى من الإصابات في مخيمات الروهينجا في 5 رجب 1447هـ (4 يناير 2026م)، وبعد ذلك تزايدت الحالات وانتشرت خارج “كوكس بازار”. وفي غضون أسابيع، تم الإبلاغ عن انتقال العدوى عبر مناطق متعددة، بما في ذلك المراكز الحضرية الكبرى، مع تشير التقديرات الحالية إلى وجود ما يصل إلى 7600 حالة إصابة مشتبه بها وما لا يقل عن 113 حالة وفاة مشتبه بها على مستوى البلاد بين 25 شعبان 1447هـ (15 مارس 2026م) و16 رمضان 1447هـ (5 أبريل 2026م).

ورغم أن الإشارات المبكرة تشير إلى انتشار واسع النطاق، إلا أن البيانات الوبائية الخاصة بالمخيمات تظل محدودة وغالباً ما تكون أقل وضوحاً ضمن التقارير الوطنية الأوسع. إن هذا النقص النسبي في التركيز، مقترناً بظروف اللاجئين الصحية السيئة -بما في ذلك المستويات العالية من نقص التغذية ومرافق الرعاية الصحية المنهكة والمكتظة- قد يؤدي إلى مضاعفات أكثر خطورة ووفيات أعلى بين الأطفال المصابين.

إن هذا الواقع المترابط يعني أنه لا يمكن فصل صحة لاجئي الروهينجا عن صحة المواطنين البنغلاديشيين؛ فحماية مجموعة تحمي الأخرى، وإهمال واحدة يقوض كليهما. من الناحية الوبائية، يمكن لمخيمات اللاجئين أن تعمل كمستودعات عالية الخطورة تديم انتقال العدوى وتنشره خارج نطاقها الجغرافي المباشر. ومن منظور الصحة العامة، فإنها تمثل جبهة أمامية يجب تأمينها إذا أريد لعملية الاحتواء الوطني أن تنجح. وفي الوقت ذاته، فإن ضمان الاهتمام المنصف بلاجئي الروهينجا ليس مجرد ضرورة للصحة العامة، بل هو أيضاً مسؤولية بنغلاديش كدولة مضيفة، انطلاقاً من مبادئ حقوق الإنسان والكرامة.

واستجابة للتفشي الحالي، بدأت الحكومة حملة تطعيم طارئة، حيث تم إعطاء الأولوية للمناطق عالية الخطورة، بما في ذلك “كوكس بازار”، مع خطط للتوسع على مستوى البلاد. وتعكس هذه الجهود التزام البلاد القوي بالتحصين والسيطرة على الأوبئة.

ومع ذلك، فإن الاستجابة الحالية تشوبها محدودية مهمة: فجزء كبير من الاستراتيجية مصمم حول التغطية الجغرافية للمناطق وعامة السكان، بدلاً من معالجة ديناميكيات الانتقال المتميزة داخل مخيمات الروهينجا بشكل كامل. وبينما يتم إدراج اللاجئين في التخطيط على مستوى المناطق، تطلب المخيمات تدخلات أكثر استدامة وتخصيصاً؛ إذ يصعب ضمان التغطية الكاملة بجرعتين بسبب الولادات المستمرة والتنقل والفجوات في الخدمات الروتينية. والأطفال الذين ولدوا بعد الحملات السابقة أو الذين فاتهم التطعيم لا يتم الوصول إليهم دائماً بشكل منهجي، ونتيجة لذلك، تستمر كتلة كبيرة من الأطفال المعرضين للإصابة في التراكم داخل المخيمات.

ويخلق هذا فجوة حرجة في استجابة بنغلاديش لتفشي المرض. فطالما استمر انتقال العدوى بين سكان الروهينجا، يمكن للحصبة أن تستمر في الدوران والانتقال إلى المجتمعات المجاورة. وبدون وضع المخيمات في قلب تخطيط الاستجابة، يظل الجهد الوطني غير مكتمل.

ما الذي يجب فعله إذن؟ يجب تكثيف جهود التطعيم في مخيمات الروهينجا واستدامتها كجزء من استراتيجية مستمرة، لضمان حصول جميع الأطفال -بمن فيهم المواليد الجدد والذين فاتهم التطعيم سابقاً- على تحصين كامل. كما يجب دمج أنظمة المراقبة بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة لتمكين الاكتشاف السريع والاستجابة المنسقة. ويجب أن تصل رسائل الصحة العامة إلى كلا المجتمعين لمعالجة المعلومات المضللة وتشجيع الإقبال على اللقاح. والأهم من ذلك هو وجود تنسيق أقوى بين المبادرات الإنسانية والمبادرات التي تقودها الحكومة، بحيث يتم دمج الخدمات الصحية للاجئين ضمن التخطيط الوطني مع وجود تنسيق واضح ومساءلة مشتركة.

في الختام، إن معالجة الحصبة في مخيمات الروهينجا ليست مهمة هامشية؛ بل هي جوهر احتواء التفشي في بنغلاديش. إن الوضع الحالي يمثل تحذيراً وفرصة في آن واحد: تحذير من أن الفجوات غير المحلولة يمكن أن تدفع بمخاطر واسعة النطاق، وفرصة لتبني استجابة أكثر شمولاً وفعالية. لقد أظهرت بنغلاديش قيادة في الصحة العامة من قبل، ويمكنها فعل ذلك مجدداً عبر ضمان عدم التخلي عن أي فئة سكانية. فإذا كانت الحصبة في أي مكان تمثل تهديداً في كل مكان، فإن حماية البلاد يجب أن تبدأ من “كوكس بازار”.

المصدر: ذا ديلي ستار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *