تتسع تداعيات الحرب في السودان لتتجاوز جبهات القتال، مع ظهور مؤشرات جديدة على تفاقم أزمات الغذاء والزراعة والوقود والنقد والمساعدات الإنسانية، بينما لا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب تواجه خلافات بين الأطراف بشأن شروط وقف إطلاق النار ومستقبل قوات الدعم السريع.
وفي أحدث التطورات، قررت الحكومة السودانية المتحالفة مع الجيش تمديد فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد حتى نهاية عام 2026، في وقت تهدد فيه الآفات والجفاف ما تبقى من الموسم الزراعي في أجزاء من دارفور، بالتزامن مع أزمة وقود وارتفاع حاد في الأسعار ومواصلة البنك المركزي إجراءات استبدال العملة.
إبقاء شريان أدري مفتوحًا إلى دارفور
أعلنت وزارة الخارجية السودانية، الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول 2026، تمديد فتح معبر أدري الحدودي بين السودان وتشاد لمدة ثلاثة أشهر إضافية، تبدأ في 1 أكتوبر/تشرين الأول وتستمر حتى 31 ديسمبر/كانون الأول.
ويسمح القرار للمنظمات الدولية بمواصلة إدخال المساعدات الإنسانية عبر المعبر إلى المناطق المتضررة من الحرب في دارفور.
ويعد أدري أحد أهم طرق إيصال الغذاء والدواء والإمدادات الإنسانية إلى ملايين الأشخاص الذين يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في دارفور وكردفان.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأن المعبر يقع في ولاية غرب دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بينما تتخذ الحكومة المتحالفة مع الجيش قرار تمديد فتحه بصورة دورية للسماح بمرور المساعدات.
وقالت وزارة الخارجية إن القرار يؤكد التزام الحكومة بتسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ووفق القانون الإنساني الدولي.
وفي الوقت نفسه، طالبت الوزارة باستكمال الترتيبات الفنية وآليات المراقبة في المعبر، قائلة إن الهدف هو تعزيز الرقابة والشفافية وضمان وصول الإمدادات إلى المستفيدين.
وكانت الحكومة قد جددت فتح المعبر لمدة ثلاثة أشهر في نهاية يونيو/حزيران، قبل أن تمدد العمل به مجددًا حتى نهاية العام.
90% من الموسم الزراعي في شعيرية فشل
لكن استمرار دخول المساعدات يأتي بالتزامن مع مؤشرات مقلقة بشأن قدرة السكان على إنتاج غذائهم بأنفسهم.
ففي شعيرية بولاية شرق دارفور، قالت غرفة الطوارئ المحلية إن نحو 90% من الموسم الزراعي فشل بالفعل بسبب نقص الأمطار.
والآن يواجه الجزء المتبقي من الموسم تهديدًا آخر يتمثل في انتشار الآفات الزراعية.
وقال مزارعون إن الحشرات انتشرت في الحقول وبدأت تهاجم محاصيل الذرة والدخن والسمسم والفاصولياء، فيما حذرت غرفة الطوارئ من أن استمرار التفشي قد يقضي على ما تبقى من الإنتاج الزراعي ويهدد مصادر رزق آلاف الأسر.
وطالبت الغرفة المنظمات الإنسانية ووكالات الإغاثة والسلطات الزراعية بتوفير المبيدات ومعدات الرش والدعم للمزارعين بصورة عاجلة.
وقال مزارعون لموقع «دارفور24» إن الآفات تستطيع إتلاف المحاصيل خلال فترة قصيرة، فيما أشاروا إلى أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج يزيد من صعوبة مواجهة الأزمة.
ولم يصدر، بحسب التقرير، رد رسمي شامل على طلبات غرفة الطوارئ حتى الآن.
ويمثل رقم 90% تقديرًا صادرًا عن غرفة طوارئ شعيرية المحلية، وليس تقييمًا زراعيًا وطنيًا أو أمميًا مستقلًا.
من أزمة المحاصيل إلى خطر الجوع

لا تأتي أزمة شعيرية بمعزل عن الظروف التي تشهدها بقية مناطق دارفور.
فقد أدى ضعف الأمطار خلال الموسم الحالي إلى تضرر الإنتاج الزراعي والرعي في مناطق أخرى من الإقليم، بينما اضطرت أسر في شرق دارفور بالفعل إلى مغادرة قراها بعدما فقدت مصدرها الأساسي للغذاء والدخل نتيجة فشل الزراعة.
وتزيد الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 من صعوبة التعامل مع هذه الأزمات، بعدما أدت إلى نزوح الملايين وتعطيل الأسواق والخدمات الصحية والإنتاج الزراعي وطرق التجارة.
ويعني تزامن الحرب والجفاف والآفات الزراعية وصعوبة وصول المساعدات أن خسارة المحاصيل الحالية لا تقتصر آثارها على المزارعين، بل قد تنعكس على توافر الغذاء وأسعاره خلال الأشهر المقبلة.
أزمة وقود في الخرطوم والولايات
وفي مناطق سيطرة الجيش، تواجه الحكومة أزمة اقتصادية أخرى تتمثل في نقص الوقود وارتفاع أسعاره.
وأمر رئيس الوزراء كامل إدريس، الأربعاء، بضخ كميات إضافية من المشتقات النفطية إلى محطات الوقود، بعد عودة الطوابير الطويلة إلى الخرطوم وعدد من الولايات.
وبحسب أسعار نقلها سائقون ومتعاملون في السوق، بلغ سعر غالون البنزين في السوق الموازية نحو 60 ألف جنيه سوداني، مقارنة بنحو 37 ألف جنيه في محطات الوقود الرسمية.
أما الديزل، فتراوح سعره في السوق الموازية بين 65 و70 ألف جنيه للغالون، مقابل نحو 45 ألف جنيه في المحطات المحددة رسميًا.
كما بدأت ولايتا الجزيرة والبحر الأحمر تطبيق زيادات جديدة على الأسعار الرسمية اعتبارًا من 1 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي ولاية الجزيرة، ارتفع سعر لتر البنزين إلى 8,950 جنيهًا، بينما رفعت ولاية البحر الأحمر السعر إلى 7,748 جنيهًا للتر، مقارنة بـ7,064 جنيهًا سابقًا.
وتربط تقارير اقتصادية أزمة الوقود بعدة عوامل، بينها تعطل مصفاة الجيلي شمالي الخرطوم لفترة طويلة، ونقص العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد وارتفاع تكاليف الطاقة.
وتأتي الأزمة في وقت تجاوز فيه سعر الدولار 8,000 جنيه سوداني في السوق الموازية خلال الأيام الأخيرة، ما يضيف ضغوطًا جديدة على أسعار النقل والغذاء والسلع الأساسية.
سحب الإصدارات القديمة من فئة 500 جنيه

وبالتزامن مع أزمة الوقود وتراجع العملة، بدأ البنك المركزي السوداني، اعتبارًا من 1 أكتوبر/تشرين الأول، مرحلة جديدة من عملية استبدال النقد.
وأعلن البنك سحب الإصدارات القديمة من ورقة 500 جنيه سوداني المطبوعة عام 2023 وما قبله من التداول خلال فترة تستمر ثلاثة أشهر.
وبحسب الخطة، يتعين على حائزي الأوراق المستهدفة إيداعها بقيمتها الاسمية في حسابات لدى المصارف التجارية قبل نهاية يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.
واعتبارًا من 1 يناير/كانون الثاني 2027، ستفقد تلك الإصدارات صفتها كعملة قانونية ولن يصبح من الممكن استخدامها في المعاملات أو تسوية الديون.
وتستهدف المرحلة الحالية بصورة خاصة مناطق دارفور وكردفان، بعدما حالت الحرب والاضطرابات الأمنية دون تنفيذ مراحل الاستبدال السابقة فيها بالطريقة نفسها التي نُفذت بها في الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض.
وتأتي الخطوة ضمن عملية أوسع بدأها البنك المركزي في ديسمبر/كانون الأول 2024 لاستبدال عدد من إصدارات العملة، في ظل محاولة السلطات استعادة السيطرة على النظام النقدي الذي تضرر بشدة نتيجة الحرب.
خلاف حول مقترح أميركي لوقف الحرب
وبينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لا تزال الجهود الدبلوماسية لوقف القتال تواجه خلافات بشأن شروط أي هدنة جديدة.
وتتضمن خطة أميركية مطروحة وقفًا لإطلاق النار لمدة 90 يومًا، تعقبه عملية تفاوض سياسية.
لكن أمجد فريد، المستشار البارز للسلطات المتحالفة مع الجيش السوداني، انتقد الخطة بصيغتها الحالية، وقال في تصريحات لرويترز إنها قد تدفع البلاد نحو نموذج انقسام شبيه بليبيا.
وقال فريد إن المقترح لا يعالج، من وجهة نظر معسكر الجيش، مسألة انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق المدنية بصورة كافية، مطالبًا بأن يكون أي انسحاب خاضعًا لمراقبة دولية.
وهذا التقييم يمثل موقفًا لمسؤول مرتبط بالسلطات المتحالفة مع الجيش وليس تقييمًا مستقلًا للخطة الأميركية.
وتخوض قوات الدعم السريع والجيش السوداني حربًا منذ أبريل/نيسان 2023، فيما يسيطر كل طرف وحلفاؤه على مناطق مختلفة من البلاد.
حرب تتجاوز ساحات القتال

ولا تشير المعلومات المتاحة خلال الساعات الأخيرة إلى تحول كبير ومؤكد في السيطرة على مدينة أو بلدة رئيسية في دارفور أو كردفان أو الخرطوم أو الجزيرة أو النيل الأزرق.
لكن غياب تحول ميداني كبير لا يعني هدوء الأزمة.
فالمرحلة الحالية تكشف عن جبهة أخرى للحرب لا تقل خطورة: القدرة على إيصال الغذاء، وإنقاذ الموسم الزراعي، وتوفير الوقود، والحفاظ على قيمة العملة، واستمرار الخدمات الأساسية.
وفي دارفور خصوصًا، يتزامن استمرار الحاجة إلى إبقاء معبر أدري مفتوحًا أمام المساعدات مع فشل واسع للمحاصيل في بعض المناطق، بينما تعتمد ملايين الأسر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة والرعي.
ومع دخول الحرب عامًا جديدًا دون تسوية سياسية، باتت آثارها تمتد من خطوط المواجهة إلى الحقول والأسواق ومحطات الوقود والبنوك وطرق المساعدات الإنسانية، ما يجعل الأزمة السودانية في الوقت نفسه حربًا عسكرية وأزمة غذاء واقتصاد ونزوح متفاقمة.





اترك تعليقاً