أظهرت التطورات العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أن المواجهة لم تعد تقتصر على الضربات الجوية المتبادلة، بل بدأت تُحدث تغييرات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، شملت إعادة نشر أصول عسكرية في الشرق الأوسط، وإعادة النظر في برامج تسليح باهظة الكلفة، إلى جانب تسريع تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة القادرة على العمل في الحروب عالية الكثافة.
تعزيز الانتشار العسكري في “الشرق الأوسط”
في ظل تصاعد التوتر مع إيران، بدأت الولايات المتحدة إعادة نشر طائرات التزود بالوقود جوًا إلى قواعدها في “الشرق الأوسط”، في خطوة تعكس استعدادًا لاحتمال اتساع العمليات العسكرية.
وتأتي هذه التحركات بعد تبادل الضربات بين واشنطن وطهران، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران، مع تأكيده أن بلاده قد تنفذ ضربات إضافية إذا استمرت الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز.
كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الأوساط الأمنية في تل أبيب تعتقد أن واشنطن قد تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف عملياتها العسكرية ضد إيران، في وقت يعقد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعات أمنية لبحث تطورات الأزمة.
خسائر الطائرات المسيّرة تفرض مراجعة استراتيجية
وفي موازاة التصعيد، بدأ البنتاغون مراجعة مستقبل الطائرة المسيّرة MQ-9 Reaper، بعدما أظهرت المواجهة مع إيران هشاشة الطائرات مرتفعة الكلفة أمام أنظمة الدفاع الجوي.
وتشير تقديرات أمريكية إلى أن الولايات المتحدة فقدت عشرات الطائرات من هذا الطراز خلال الحرب، بينما تبلغ قيمة الطائرة الواحدة نحو 30 مليون دولار، وهو ما دفع وزارة الدفاع إلى البحث عن بديل أقل تكلفة وأكثر قدرة على تحمل الخسائر.
ولهذا أطلق البنتاغون مشروعًا جديدًا يحمل اسم Massed Modular Aircraft (MMA)، يقوم على إنتاج طائرات مسيّرة بعيدة المدى يمكن تصنيعها بأعداد كبيرة، بحيث تستطيع تنفيذ مهام الاستطلاع والضربات الإلكترونية والهجومية، حتى مع فقدان عدد كبير منها أثناء العمليات.
ويرى المخططون العسكريون الأمريكيون أن الحروب الحديثة، سواء في أوكرانيا أو في المواجهة مع إيران، أثبتت أن الدفاعات الجوية قد تستنزف صواريخها الاعتراضية قبل أن ينفد لدى الخصم مخزون الطائرات المسيّرة، وهو ما يجعل الاعتماد على أسراب كبيرة من الطائرات منخفضة الكلفة خيارًا أكثر فاعلية.
نهاية مشروع نظارات القتال الذكية
وفي سياق مراجعة برامج التسليح، كشف تقرير صادر عن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي أن الجيش قرر وقف مشروع Integrated Visual Augmentation System (IVAS) بصيغته الحالية، بعد استثمارات تجاوزت ملياري دولار استمرت سبع سنوات.
وأوضح التقرير أن نحو 10 آلاف نظارة قتالية تعمل بالواقع المعزز ستبقى مخزنة ولن تدخل الخدمة، بعدما أظهرت الاختبارات أنها أقل كفاءة من المعدات المستخدمة حاليًا، بسبب ثقل وزنها وضعف أدائها، خصوصًا في ظروف الإضاءة المنخفضة.
وسينتقل البرنامج إلى مشروع جديد تقوده شركة Anduril لتطوير نظام أكثر تطورًا يعتمد على دمج الرؤية الليلية والذكاء الاصطناعي والواقع المعزز، مع التركيز على إشراك الجنود في تقييم النماذج الجديدة قبل اعتمادها.
دروس الحرب
تعكس هذه التطورات أن المواجهة مع إيران لم تقتصر على تبادل الضربات العسكرية، بل أصبحت اختبارًا عمليًا لقدرات الجيش الأمريكي، ودافعًا لإعادة تقييم فلسفة التسليح التي اعتمدت لسنوات على أنظمة مرتفعة الكلفة.
ويبدو أن وزارة الدفاع الأمريكية تتجه بصورة متزايدة نحو الاستثمار في أنظمة أقل تكلفة وأكثر قابلية للإنتاج الكمي، بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة التي تتسم بالاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة والذخائر منخفضة الكلفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تعزيز وجودها العسكري في “الشرق الأوسط” تحسبًا لأي تصعيد جديد.






اترك تعليقاً