عندما بدأت العمل على هذا التقرير ، وجمع الوثائق والشهادات حول واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العالم، لم تستوقفني الأرقام الضخمة بقدر ما استوقفني مشهدان صغيران بديا للوهلة الأولى عابرين، لكنهما كانا كفيلين باختصار مأساة شعب بأكمله.
في إحدى قرى حوض تاريم الممتد على أطراف صحراء تكلامكان، احتضن شيخ إيغوري نسخة من المصحف الشريف وأجهش بالبكاء، لم تكن دموعه دموع خشوع فحسب، بل دموع رجل عثر أخيراً على ما حُرم منه سنوات طويلة.. ظل يقلب الصفحات بيدين مرتجفتين كمن يستعيد جزءاً من روحه غاب عنه زمناً.
وفي مدينة أخرى، كان شاب إيغوري يجوب الطرقات باحثاً عن نسخة من القرآن، لا ليقرأها فقط، بل ليقدمها مهراً للفتاة التي يريد الزواج منها.. لم يكن يملك ذهباً ولا مالاً ، لكنه كان يرى في المصحف أثمن ما يمكن أن يقدمه شريكاً لحياته.
بين هذين المشهدين تمتد حكاية شعب كامل.. شعب عاش لعقود طويلة بعيداً عن عدسات الكاميرات واهتمام العالم، ثم وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين.. شعب تحوّل من أقلية مسلمة تعيش على أطراف الإمبراطورية الصينية إلى عنوان دائم في تقارير حقوق الإنسان، وموضوع اشتباك سياسي محتدم بين الشرق والغرب، وورقة تستخدمها القوى الكبرى في صراع النفوذ المتصاعد بين واشنطن وبكين.
لكن خلف الضجيج السياسي، وخلف البيانات الرسمية المتبادلة، وخلف الاتهامات والاتهامات المضادة، تبقى الحقيقة الأهم والأكثر بساطة: هناك ملايين البشر من الإيغور يعيشون قصة لم تبدأ مع المعسكرات، ولا مع العقوبات الغربية، ولا مع الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، بل بدأت منذ عقود طويلة من الصراع على الهوية والذاكرة والانتماء.
هذا التقرير محاولة للبحث وسط ركام الدعاية والمصالح عن الإنسان الإيغوري نفسه الذي نسيه العالم الإسلامي واهتم به الغرب من أجل المصالح ؛ عن قصته، وعن تاريخه، وعن معاناته، وعن الكيفية التي تحولت بها قضيته من مأساة إنسانية إلى إحدى أوراق الصراع الدولي في عالم لا يتحرك غالباً بدافع المبادئ وحدها.

الإيغور ليسوا خبراً عابراً
قضية الإيغور لم تظهر مع تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، ولم تبدأ معاناتهم عندما اكتشفت وسائل الإعلام الغربية قضيتهم، أو عندما تحولت كلمة “شينجيانغ” إلى عنوان دائم في تقارير حقوق الإنسان الدولية، فالقصة أقدم من ذلك بكثير.. قصة شعب مسلم ، استقر على تخوم الصين الغربية منذ قرون، واعتبر نفسه امتداداً ثقافياً وحضارياً لفضاء آسيا الوسطى أكثر مما اعتبر نفسه جزءاً من المركز الصيني.
اليوم، وبينما يتجادل السياسيون والدبلوماسيون حول توصيف ما يحدث هناك، ما بين “مكافحة الإرهاب” و”جرائم ضد الإنسانية” و”إبادة ثقافية”، يقف مايقرب من 15 مليون إيغوري أمام سؤال وجودي: هل يمكن لشعب أن يفقد لغته وذاكرته وعاداته ودينه تدريجياً دون أن يختفي جسدياً؟.
من طريق الحرير إلى خطوط المراقبة الرقمية
وصل الإسلام إلى الأراضي التي يسكنها الإيغور قبل أكثر من ألف عام، جاء أولاً عبر القوافل التي عبرت طريق الحرير من فارس وآسيا الوسطى، ثم حمله التجار العرب القادمون من حضرموت وجنوب الجزيرة العربية عبر الموانئ الصينية الجنوبية. لم يكن الإسلام بالنسبة للإيغور مجرد دين، بل تحول إلى العمود الفقري لهويتهم، وحتى اليوم ما زالت بعض المصطلحات الدينية ذات أصول فارسية متداولة بينهم، فالصلاة تسمى “نماز”، والوضوء يعرف بألفاظ متأثرة بالفارسية، في انعكاس واضح للمسار التاريخي الذي سلكه الإسلام نحو تلك البلاد.
لكن تلك الهوية الدينية والثقافية تحولت مع الزمن إلى مصدر قلق متزايد لدى الدولة الصينية، خصوصاً بعد أن بدأت بكين تنظر إلى الإقليم باعتباره نقطة حساسة أمنياً وجيوسياسياً، لا مجرد منطقة حدودية بعيدة، فالإقليم الذي يسميه الإيغور “تركستان الشرقية” وتسميه الصين “شينجيانغ” ليس مجرد مساحة جغرافية واسعة تمثل نحو سدس مساحة البلاد.. إنه بوابة الصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، وقلب مشروع “الحزام والطريق” الذي يراهن عليه الرئيس الصيني لإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية. وفوق ذلك كله، فإن تحت رماله وثرواته الطبيعية يكمن سبب آخر يجعل بكين تنظر إليه باعتباره منطقة لا تقبل المجازفة : النفط والغاز والفحم واليورانيوم والمعادن النادرة التي أصبحت عصب الاقتصاد العالمي الحديث.
عام 2016.. حين تحولت شينجيانغ إلى أكبر مختبر أمني في العالم
بعد أحداث العنف التي شهدتها أورومتشي عام 2009، ثم الهجمات الدامية التي ضربت مناطق مختلفة من الصين خلال السنوات اللاحقة، بدأت بكين تتبنى مقاربة أمنية أكثر تشدداً، لكن التحول الحقيقي جاء مع تعيين تشن كوانغو أميناً للحزب الشيوعي في الإقليم عام 2016.
خلال سنوات قليلة فقط، انتشرت عشرات آلاف نقاط المراقبة والحواجز الأمنية، وجرى توظيف أعداد هائلة من عناصر الشرطة، وتحولت المدن والقرى إلى فضاء مراقب على مدار الساعة بالكاميرات وتقنيات التعرف على الوجوه والبيانات الحيوية.
لم تعد المسألة تتعلق بملاحقة شخص ارتكب جريمة أو يشتبه في تخطيطه لهجوم. بل أصبح الهدف، بحسب كثير من الباحثين، التنبؤ بمن قد يشكل خطراً مستقبلياً. هكذا دخل الإقليم عصر “الأمن الاستباقي”أصبحت الهواتف الذكية مصدراً للمعلومات الأمنية، وصارت برامج المراقبة قادرة على تحليل السلوك الفردي، وتم جمع بيانات الحمض النووي والبصمات والتسجيلات الصوتية لملايين الأشخاص.
في مكان آخر من العالم قد يبدو ذلك مشهداً من رواية “1984” لجورج أورويل، أما في شينجيانغ فقد أصبح واقعاً يومياً يعيشه الملايين.
عندما يصبح الصيام مؤشراً أمنياً
أخطر ما في التجربة الصينية الجديدة أنها لم تعد تركز على الأفعال فقط، بل على الهوية نفسها، حيث تحدثت تقارير حقوقية متعددة عن إدراج ممارسات دينية اعتيادية ضمن مؤشرات الاشتباه الأمني. اللحية الطويلة، الامتناع عن التدخين أو شرب الخمر، الإصرار على الطعام الحلال، التواصل مع أقارب في الخارج، تحميل تطبيقات محظورة مثل واتساب، أو اختيار أسماء إسلامية للأطفال.. كلها أمور أدرجت في بعض الفترات ضمن مؤشرات تستدعي المراقبة أو الاستجواب أو إعادة التقييم الأمني. وتقول بكين إن هذه الإجراءات ضرورية لـ”مكافحة التطرف” ، بينما يرى منتقدوها أنها تمثل تجريماً تدريجياً للهوية الإسلامية ذاتها.
المعسكرات.. بين الرواية الصينية والرواية الأخرى
عندما بدأت صور المنشآت الضخمة والأسوار والحراسات المشددة تتسرب إلى الخارج، أنكرت الصين في البداية وجود معسكرات احتجاز واسعة النطاق، ثم تغير الخطاب الرسمي لاحقاً.
أصبحت هذه المنشآت توصف بأنها “مراكز تدريب مهني” تهدف إلى ماتم وصفه بـ”مكافحة التطرف” وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، لكن شهادات معتقلين سابقين، وتقارير أممية، وتحقيقات صحفية، رسمت صورة مختلفة تتحدث عن الاحتجاز الإجباري، وإعادة التثقيف السياسي، والفصل بين أفراد الأسر، والضغط النفسي المكثف لإعادة تشكيل القناعات والولاءات.

وقد خلص تقييم أممي بارز إلى أن بعض الانتهاكات الموثقة قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وهو توصيف ما تزال بكين ترفضه بالكامل.
مع دخول عام 2026 لم تنتهِ المعركة حول الرواية، فالصين ما زالت تنفي الاتهامات وتصفها بأنها أكاذيب مدفوعة بأجندات معادية، بينما تواصل منظمات حقوقية وأطراف أممية الحديث عن استمرار أنماط من القمع والقيود والعمل القسري.
السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه
لكن وسط كل هذا الجدل تبرز مفارقة صادمة: لماذا أصبح صوت الإيغور أعلى في الكونغرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية منه في كثير من العواصم الإسلامية؟، ولماذا تحولت مأساة شعب مسلم إلى بند دائم في الصراع الأمريكي الصيني، بينما غابت عن أجندات كثيرة في العالم الإسلامي؟.. هنا تبدأ المنطقة الرمادية.
فالولايات المتحدة التي تقود اليوم حملة دولية واسعة بشأن الإيغور هي نفسها دولة تحكم علاقاتها الخارجية اعتبارات المصالح قبل أي شيء آخر، والدول الأوروبية التي تتحدث عن حقوق الإيغور لا تتردد أحياناً في تجاهل مآسٍ إنسانية أخرى عندما تتعارض مع حساباتها الاقتصادية والسياسية.
بمعنى آخر، فإن معاناة الإيغور حقيقية، لكن توظيفها السياسي حقيقي أيضاً، وهذا هو الوجه الأكثر قسوة في القصة كلها : شعب يتعرض للاضطهاد من جهة، ويُستخدم أحياناً كورقة ضغط في صراع العمالقة من جهة أخرى.
من معسكرات شينجيانغ إلى أروقة الكونغرس.. كيف أصبحت مأساة الإيغور سلاحاً في الحرب الباردة الجديدة؟
في عالم السياسة الدولية لا توجد قضايا إنسانية معزولة تماماً عن المصالح، وقد يكون هذا أحد أكثر الدروس قسوة في قصة الإيغور. فعلى مدى عقود طويلة، كانت أخبار المسلمين في تركستان الشرقية تمر بصمت شبه كامل، لم تكن شاشات التلفزيون الغربية تخصص ساعات طويلة للحديث عنهم، ولم تكن البرلمانات الأوروبية تعقد جلسات استثنائية لمناقشة أوضاعهم، ولم تكن الشركات العالمية تتعرض لضغوط كبيرة بسبب تعاملاتها الاقتصادية مع الإقليم.
لكن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع صعود الصين إلى موقع المنافس الأول للولايات المتحدة، فكلما ازداد التوتر بين واشنطن وبكين، ازداد حضور ملف الإيغور في الخطاب السياسي الغربي.
أصبحت القضية جزءاً من ملفات أوسع تتعلق بالتكنولوجيا والتجارة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والنفوذ العالمي، وصار اسم شينجيانغ يتردد في خطابات الساسة الغربيين بنفس القدر الذي تتردد فيه أسماء تايوان وبحر الصين الجنوبي وهونغ كونغ.
لم يكن ذلك بالضرورة دليلاً على أن معاناة الإيغور مختلقة، بل على العكس، لكن ما حدث هو أن قضية إنسانية حقيقية دخلت فجأة إلى قلب أكبر مواجهة جيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. وهنا بدأت الأسئلة الصعبة: هل كان الغرب سيتحدث بالحدة نفسها لو أن الانتهاكات المزعومة وقعت في دولة حليفة له؟، وهل كانت الحكومات الغربية ستفرض العقوبات ذاتها لو لم تكن الصين تمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر لنفوذها العالمي؟.. هذه الأسئلة لا تبرئ بكين، لكنها تكشف جانباً آخر من المشهد.

انتقائية الضمير الدولي
عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، تبدو الذاكرة السياسية للقوى الكبرى قصيرة وانتقائية، لأن العديد من الدول التي تقود اليوم حملات الإدانة ضد الصين لديها سجل طويل من الصمت أو التردد تجاه انتهاكات وقعت في أماكن أخرى من العالم عندما كانت المصالح الاقتصادية أو العسكرية تقتضي ذلك.
وفي المقابل، استخدمت بكين هذا التناقض كسلاح دعائي فعال، فكلما تعرضت لانتقادات بشأن الإيغور، ردت بالإشارة إلى حروب الغرب وأخطائه وسجله الحقوقي، متهمة خصومها باستغلال القضية لأهداف سياسية، وبين الخطابين المتصارعين تضيع حقيقة بسيطة: أن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تصبح رهينة لمعادلات القوة، فالضحية لا تهمه هوية الجهة التي تدافع عنه، بقدر ما يهمه أن يتوقف الظلم الواقع عليه، لكن عالم السياسة لا يعمل بهذه البساطة.
لماذا يصمت العالم الإسلامي؟
إذا كان الصوت الغربي مرتفعاً أحياناً، فإن الصمت في أماكن أخرى كان أكثر لفتاً للانتباه، فالصين أصبحت الشريك التجاري الأول لعشرات الدول الإسلامية.. مليارات الدولارات من الاستثمارات والقروض ومشروعات البنية التحتية ربطت اقتصادات عديدة بمبادرة الحزام والطريق، ومع هذا التشابك الاقتصادي الهائل، تراجع حضور قضية الإيغور في كثير من المنابر الرسمية.
المفارقة أن شعباً مسلماً يواجه اتهامات باضطهاد ديني وثقافي، بينما تفضل دول إسلامية عديدة التعامل مع الملف باعتباره شأناً داخلياً صينياً.
وفي الوقت الذي كانت فيه منظمات حقوقية دولية تصدر تقارير متتالية عن المعسكرات والقيود الدينية، كانت وفود رسمية من دول مختلفة تزور بكين وتوقع اتفاقيات اقتصادية بمليارات الدولارات. هنا لا يتعلق الأمر بالصين وحدها، إنه اختبار عالمي قديم: إلى أي مدى تستطيع المبادئ الصمود عندما تصطدم بالمصالح؟.
العمل القسري.. الخيط الذي وصل شينجيانغ بالعالم
ربما لم تدرك شركات عالمية كثيرة في البداية أن قضية الإيغور ستصل إلى مصانعها ومتاجرها وأسواقها. لكن هذا ما حدث بالفعل، فمع تصاعد التقارير التي تحدثت عن برامج نقل العمال من الإيغور إلى المصانع داخل الإقليم وخارجه، بدأ الحديث عن احتمال وجود منتجات تدخل إلى الأسواق العالمية عبر سلاسل توريد مرتبطة بالعمل القسري. فجأة لم تعد القضية مجرد شأن حقوقي محلي، أصبحت مرتبطة بالقطن والطاقة الشمسية والملابس والإلكترونيات والسيارات، ووجدت شركات كبرى نفسها مطالبة بإثبات أن منتجاتها لا تعتمد على مواد خام أو عمالة مرتبطة بانتهاكات محتملة في شينجيانغ.
وبينما رأت الحكومات الغربية في ذلك مبرراً لفرض قيود تجارية وعقوبات، اعتبرت بكين الأمر جزءاً من محاولة أوسع لإبطاء صعودها الاقتصادي، وهكذا امتدت المعركة من المعسكرات إلى الأسواق العالمية.
الشتات الإيغوري.. أمة تبحث عن صوت
خارج الصين يعيش مئات الآلاف من الإيغور موزعين بين تركيا وآسيا الوسطى وأوروبا وأمريكا الشمالية، وبالنسبة لكثير منهم، لم تعد القضية تتعلق بالسياسة أو الجغرافيا، إنها قضية عائلات انقطعت أخبارها.. آباء لا يعرفون مصير أبنائهمـ وأبناء لا يعرفون إن كان آباؤهم أحياء أم لا.
منظمات الشتات الإيغوري تتحدث منذ سنوات عن انقطاع الاتصالات بين الأسر، وعن خوف كثير من المقيمين في الخارج من التواصل مع أقاربهم داخل شينجيانغ خشية تعريضهم للمساءلة.
ومهما اختلفت الروايات حول حجم هذه الظاهرة، فإن الشعور السائد لدى جزء كبير من الشتات الإيغوري هو أنهم يخوضون معركة للحفاظ على الذاكرة أكثر من أي شيء آخر.. ذاكرة اللغة.. ذاكرة الدين.. ذاكرة المكان.. ذاكرة الأسماء التي يخشون أن تذوب في بحر الأغلبية.
ماذا تريد بكين فعلاً؟
السؤال الأكثر أهمية في الملف كله ليس ما يقوله خصوم الصين، بل ما الذي تسعى إليه الصين نفسها؟من وجهة نظر الدولة الصينية، فإن ما يحدث في شينجيانغ هو – على حد قولها – مشروع لإنتاج الاستقرار، فبكين تبرر ماتفعله ضد الإيغور بأنها تنظر إلى القرن العشرين باعتباره قرن الفوضى والانقسامات والاحتلالات الأجنبية التي كادت تدمر البلاد، وأنها ترى أن وحدة الدولة فوق كل اعتبار. ومن هذا المنطلق تعتبر أي نزعة انفصالية أو دينية أو قومية تهدد الانسجام الوطني خطراً استراتيجياً يجب احتواؤه، لكن يفضح هذه النوايا هو سعي بكين لإعادة تشكيل البشر أنفسهم، وهنا يكمن جوهر الانتقادات الموجهة إلى السياسات الصينية.
فالاستقرار يصبح إشكالياً عندما يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن جزء من هويته كي يثبت ولاءه للدولة. وما بين روايتينبين الرواية الصينية والرواية الغربية مساحة واسعة من الحقيقة لا تزال غائمة.. الصين تؤكد أنها نجحت في “القضاء على الإرهاب” ومنعت وقوع هجمات واسعة النطاق منذ سنوات، ومنتقدوها يردون بأن الأمن تحقق على حساب الحقوق الأساسية لملايين الأشخاص. الصين تتحدث عن التدريب المهني والتنمية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشةـ والمنظمات الحقوقية تتحدث عن رقابة جماعية واعتقالات واسعة وإعادة هندسة ثقافية.
قد تشهد المنطقة بالفعل تنمية اقتصادية ضخمة، وقد تكون هناك أيضاً انتهاكات خطيرة للحقوق والحريات. لكن مايحدث للإيغور والاضطهاد الذي يتعرضون إليه ، واختزالهم في ملف أمني، تضيع إنسانيتهم، وحين يختزلهم الغرب في ورقة ضغط ضد الصين، تضيع إنسانيتهم أيضاً، إنهم ليسوا مجرد رقم في تقرير أممي، وليسوا مجرد أداة في حرب تجارية، وليسوا مجرد عنوان في خطاب انتخابي. إنهم شعب كامل له تاريخ يمتد لقرون، وثقافة تشكلت على مفترق الحضارات، وإيمان ظل جزءاً من هويته رغم التحولات السياسية الكبرى التي اجتاحت المنطقة.
حين يصبح الدفاع عن الإيغور امتحاناً للأخلاق لا للسياسة
ربما تكون مأساة الإيغور واحدة من أكثر القضايا كشفاً لطبيعة عالمنا المعاصرـ فهي تكشف كيف تستطيع دولة قوية أن تستخدم التكنولوجيا والرقابة لإحكام السيطرة على مجتمع كامل ـ وتكشف في الوقت نفسه كيف تستطيع قوى دولية أخرى تحويل معاناة البشر إلى ورقة في صراع النفوذ.
لكن وسط كل هذا الضجيج السياسي تبقى حقيقة لا يمكن الهروب منها.. الإيغور لا يحتاجون إلى من يستخدمهم ضد الصين، كما لا يحتاجون إلى من يبرر ما يحدث لهم باسم الأمن أو التنمية أو مكافحة التطرف.. إنهم يحتاجون فقط إلى ما يحتاجه أي إنسان على وجه الأرض: أن يُنظر إليهم كبشر قبل أن يكونوا أرقاماً، وكأصحاب حقوق قبل أن يكونوا موضوعاً للمساومات.وعندما وعندما يأتي اليوم الذي يدافع فيه العالم عن الإيغور لأنهم مظلومون، لا لأنهم مفيدون في الصراع مع بكين، عندها فقط يمكن القول إن الإنسانية انتصرت على السياسة.
أما حتى ذلك الحين، فسيظل ملايين الإيغور عالقين بين قوى إحداهما تخشى هويتهم، والأخرى تستثمر في مأساتهم ، وعالم إسلامي نسى أن لهؤلاء حق عليهم.






اترك تعليقاً