«أنسولين فاسد»: الحرب في السودان تعرقل إمدادات الأدوية وتغذي التهريب

مع تدمير الصراع للإنتاج المحلي، يُجبر المرضى السودانيون على الاعتماد على أدوية مهربة باهظة الثمن.




على سرير متواضع داخل منزله المدمر جراء الحرب في حي شمال الخرطوم بالعاصمة السودانية الخرطوم، يقوم مرتضى محيي الدين، وهو مريض سكري في أوائل الخمسينيات من عمره، بحساب جرعات الأنسولين المتبقية لديه بعناية. تحوّل بحثه عن الدواء إلى معركة مريرة، ليس فقط لإيجاد العلاج اللازم للتغلب على مرض السكري، بل لضمان عدم انتهاء صلاحيته أو تلفه.

يقول محيي الدين للجزيرة، وهو يتفقد مخزونه المحدود: “أحيانًا يكون الأنسولين فاسدًا. لا يمكنك معرفة ما إذا كان تالفًا أو منتهي الصلاحية. يمكنك التحقق من تاريخ الصلاحية، لكنه قد يكون تالفًا بسبب سوء التخزين”.

أدت أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الأهلية إلى شلّ البنية التحتية للرعاية الصحية في السودان: فقد أُغلقت المستشفيات والمراكز الصحية ومصانع الأدوية، وتعطلت سلاسل الإمداد والتخزين الطبية الحيوية في جميع أنحاء البلاد.

أسفرت الحرب، التي اندلعت كصراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، عن مقتل أكثر من 50 ألف شخص وتشريد 14 مليونًا، أي ما يقارب ربع سكان البلاد.

أدى هذا الصراع المدمر إلى شلّ الإنتاج الدوائي المحلي وانهيار سلاسل الإمداد الحيوية في جميع أنحاء البلاد.

ووفقًا لبيان صحفي صادر عن منظمة الصحة العالمية بتاريخ 14 أبريل/نيسان 2026، يُمثل السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يفتقر 21 مليون شخص من أصل 34 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

وفي الفراغ الذي خلفه إغلاق شركات الأدوية، ازدهرت شبكات التهريب، وأغرقت السوق بأدوية غير مرخصة تُعرف محليًا باسم أدوية “بوكو”.

تشمل هذه الأدوية أدوية الملاريا الوريدية الأساسية التي تُهرّب عبر الحدود. ولأنها تتجاوز تمامًا ضوابط درجة الحرارة الصارمة وفحوصات الجودة أثناء النقل، فإن هذه الأدوية غالبًا ما تتلف، مما يجعلها إما عديمة الفائدة تمامًا أو سامة بشكل قاتل للمرضى.


خطر مزدوج

داخل الصيدليات المحلية في أم درمان، الواقعة على مشارف الخرطوم، لا تقتصر الأزمة على النقص فحسب. يواجه المرضى الآن خطرًا مزدوجًا يتمثل في التكاليف الباهظة ومشاكل الجودة التي تهدد الحياة، حيث غالبًا ما تتلف هذه الأدوية غير المشروعة بشدة بسبب عدم وجود تخزين وتبريد مناسبين.

قال متوكل حمزة، وهو صيدلي مقيم في أم درمان، إن الاعتماد على القنوات غير الخاضعة للرقابة يعرض الأرواح لخطر مباشر.

قال حمزة: “يتم تهريب معظم أدوية الملاريا الآن. وهي في النهاية حقن للاستخدام الوريدي، وهذا يشكل خطرًا كبيرًا على صحة المريض”.

نظرًا لأن العلاجات الوريدية تتجاوز دفاعات الجسم الطبيعية وتتطلب تعقيمًا تامًا، فإن إعطاء الحقن المهربة المخزنة بشكل غير سليم أو التالفة قد يتسبب بسرعة في التهابات حادة في مجرى الدم، أو صدمة جهازية، أو حتى الوفاة.

لقد أدت الحرب فعليًا إلى تدمير الصناعات الدوائية المحلية، مما أدى إلى تراجع سنوات من الاكتفاء الذاتي في المجال الطبي. وأشار ياسر أحمد يوسف، خبير صناعة الأدوية الذي يقع مصنعه في الخرطوم، إلى التناقض الصارخ مع حقبة ما قبل الحرب، عندما كانت المصانع المحلية قادرة على إنتاج “كميات كبيرة جدًا من الأدوية المنقذة للحياة، بما في ذلك أدوية ضغط الدم والسكري ونزلات البرد وأدوية الأطفال”.

أما الآن، فقد توقفت معظم خطوط الإنتاج عن العمل، تاركةً السكان يعتمدون على نظام رعاية صحية منهار. ووفقًا لتقرير نظام رصد توافر الموارد والخدمات الصحية (HeRAMS) الصادر في أكتوبر 2025، والذي ورد ذكره في تحليل حالة الصحة العامة لمنظمة الصحة العالمية بتاريخ 6 يناير 2026، فإن 40% من المرافق الصحية على مستوى البلاد متوقفة عن العمل تمامًا.

الوضع أكثر خطورة على المستوى الإقليمي، حيث أُغلقت 87% من المرافق الصحية في الخرطوم، و85% في شمال كردفان، التي يتنازع عليها الطرفان المتنازعان.

وفي مناطق النزاع النشط، مثل الجزيرة والخرطوم ودارفور وكردفان، تتفاقم أزمة النقص بشكل حاد.

وأشار تقرير طارئ صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان في أغسطس/آب 2025 إلى أن مستشفى الولادة الوحيد العامل في مدينة الفاشر المحاصرة يواجه وضعاً حرجاً ونقصا حاد في الأدوية وخطر الإغلاق الوشيك.

سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر، آخر معاقل القوات المسلحة السودانية في إقليم دارفور غرب البلاد، في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، مما أدى إلى محاصرة نحو 700 ألف مدني، معظمهم من النساء والأطفال. وانقطعت الإمدادات الغذائية والدوائية عن السكان تمامًا، وتعرضوا لهجمات متكررة.


انهيار المستودعات وخطوط الإمداد

في القطاع العام الممول من الحكومة، يؤكد الصندوق الوطني للإمدادات الطبية أنه يعمل على تأمين الأدوية الأساسية رغم القتال، مدعيًا أنه حقق توافرًا بنسبة 75% لأدوية السرطان، وتأمينًا كاملًا للإمدادات لمرضى الكلى.

مع ذلك، يُقر المسؤولون بأن البنية التحتية العامة في حالة يرثى لها، وأن النظام الصحي المحلي يكاد يكون مُدمرًا.

قال أبو بكر سلوحة، مدير قسم في الصندوق: “لقد تأثرنا بشدة بالحرب الدائرة في السودان. وتأثرت الإمدادات الطبية بشدة، حيث انهارت المستودعات الرئيسية في المقر الرئيسي”.

تواجه عمليات إيصال المساعدات الدولية من الدول المجاورة عقبات لوجستية هائلة.

أوضح تحليل الوضع الصادر عن منظمة الصحة العالمية في 6 يناير/كانون الثاني أن مدة عبور الإمدادات الطبية عبر الحدود قد تصل إلى 90 يومًا للوصول إلى مناطق نائية مثل دارفور، انطلاقًا من مدينة دوالا الكاميرونية مرورًا بتشاد. ومما يزيد من حدة هذه التأخيرات الخانقة، استهداف الجماعات المسلحة للبنية التحتية الطبية مرارًا وتكرارًا، ونهب الصيدليات، وتجريد المستشفيات المتبقية من إمداداتها الطبية الحيوية.

وتُبرز الهجمات الأخيرة هذا التدمير الممنهج من قبل الأطراف المتنازعة. ففي 20 مارس/آذار 2026، أسفر هجوم بطائرة مسيرة على مستشفى الضائين التعليمي في ولاية شرق دارفور عن مقتل 64 شخصًا على الأقل، بينهم كوادر طبية، وإصابة 89 آخرين. وأفادت منظمة “محامو الطوارئ” السودانية لحقوق الإنسان بأن الجيش هو من يقف وراء الهجوم.

وفي 2 أبريل/نيسان، استهدف هجوم آخر بطائرة مسيرة مستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض، ما أسفر عن مقتل 10 من العاملين فيه، بينهم مدير المستشفى أثناء إجرائه عملية جراحية. في اليوم نفسه، تعرض مستشفى العائلة في الضعين للنهب، واعتُدي على المرضى والعاملين الصحيين وطُردوا. وبالمثل، نُهب مستشفى في كورموك، بولاية النيل الأزرق، في 25 مارس/آذار، ودُمرت معداته، وأُجبر المرضى على الخروج. واتُهمت قوات الدعم السريع بالوقوف وراء هذه الهجمات.

وفي 4 أبريل/نيسان، حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، قائلاً: “يواجه السودان اليوم واحدة من أخطر حالات الطوارئ الإنسانية والصحية العامة في العالم. لقد دفع الصراع المستمر النظام الصحي إلى حافة الانهيار التام”.

وأضاف: “تُعد هذه الحوادث تذكيراً صارخاً بالحاجة المُلحة إلى تجديد التضامن الدولي واتخاذ إجراءات سياسية وإنسانية حاسمة. لا يستطيع السودان تحمل هذه الأزمة بمفرده”.

الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *