أسطورة النصر العسكري.. لماذا لا تستطيع القوة وحدها إنهاء الحروب؟

0aa4b063f628a47e06b7145c6878e2428ed17871

من أفغانستان والعراق إلى غزة وأوكرانيا وإيران، تتكرر قناعة لدى صناع القرار بأن التفوق العسكري قادر على فرض نهاية حاسمة للحروب. لكن التاريخ يكشف مفارقة لافتة: فقد تنهار الجيوش وتسقط العواصم وتُدمَّر القدرات العسكرية، دون أن يعني ذلك انتهاء الحرب أو تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت من أجلها. فهل يكون النصر العسكري، بمعناه المطلق، مجرد وهم استراتيجي يدفع الدول إلى حروب تعرف كيف تبدأها، لكنها لا تعرف كيف تنهيها؟

في دراسة تحليلية نشرتها مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعنوان «أسطورة النصر العسكري: الفكرة الخطيرة التي تقود حروب الاختيار اليوم»، يناقش الباحثون ستيفن بيدل وسام وينتر-ليفي ويوري جوكوف إحدى أكثر الأفكار رسوخًا في التفكير العسكري الحديث: الاعتقاد بأن إلحاق هزيمة ساحقة بالعدو كفيل بإجباره على قبول إرادة المنتصر وإنهاء الحرب وفق شروطه.

وتذهب الدراسة إلى أن هذه القناعة ليست مجرد سوء تقدير عسكري، بل خطأ استراتيجي يؤثر في قرارات شن الحروب وإطالة أمدها، وفي كيفية بناء الجيوش وتخزين الذخائر وصياغة الأهداف السياسية.

فالحروب، وفقًا للباحثين، لا تنتهي عندما يفقد أحد الأطراف قدرته على تحقيق النصر في ساحة المعركة، وإنما عندما يصبح وقف القتال، بشروط معينة، خيارًا يفضله المتحاربون على مواصلة المقاومة.

ما الفرق بين الانتصار في المعركة والانتصار في الحرب؟

تنطلق الدراسة من التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يُخلط بينهما: النصر العسكري وتحقيق الأهداف السياسية للحرب.

فقد تنجح دولة في تدمير سلاح الجو لدى خصمها، أو تحطيم قواته البرية، أو احتلال عاصمته، لكنها تكتشف أن هذه الإنجازات لم تفرض عليه التخلي عن أهدافه أو القبول بالنظام السياسي الذي تريد إقامته.

ويرى الباحثون أن القوة العسكرية تستطيع تغيير ميزان التفاوض عبر زيادة تكلفة استمرار الحرب على الطرف الآخر، لكنها لا تستطيع دائمًا انتزاع إرادته السياسية أو القضاء على قدرته على المقاومة.

والسبب أن الطرف المهزوم قد يواصل القتال بأساليب مختلفة، حتى إن فقد جيشه النظامي ومدنه الرئيسية، كما قد يقبل تسوية غير مواتية إذا وجد أنها أفضل من استمرار الحرب.

وتستند الدراسة إلى بيانات تاريخية تشير إلى أن الأطراف المهزومة في الحروب بين الدول، منذ نهاية الحروب النابليونية عام 1815، فقدت في المتوسط الوسيط نحو 8% من قواتها، وأن الخسائر بقيت دون 10% في ثلثي الحالات.

وبحسب الباحثين، فإن هذه الأرقام تكشف أن معظم الحروب لا تنتهي باستنزاف قدرة أحد الطرفين على القتال بصورة كاملة، وإنما بقبوله شروطًا سياسية أو عسكرية تحول دون استمرار المواجهة.

حرب الخليج 1991.. انتصار حاسم دون تدمير الجيش العراقي

تستحضر الدراسة حرب الخليج عامي 1990 و1991، بوصفها أحد أشهر الأمثلة التي يستشهد بها أنصار فكرة النصر العسكري الحاسم.

فقد تمكن التحالف الذي قادته الولايات المتحدة من إخراج القوات العراقية من الكويت وتحقيق هدفه السياسي الرئيسي، خلال حملة عسكرية قصيرة نسبيًا.

لكن الجيش العراقي لم يكن قد دُمّر بالكامل عند انتهاء القتال.

ووفق الأرقام التي أوردها الباحثون، قُتل ما يصل إلى 50 ألف جندي عراقي وأُصيب نحو 75 ألفًا، من قوة تجاوز تعدادها مليون جندي، بينما بقي أكثر من 800 ألف قادرين على مواصلة القتال.

ومع ذلك، وافق الرئيس العراقي صدام حسين على وقف العمليات العسكرية، بعدما أصبحت تكلفة استمرار المقاومة واحتمال تقدم قوات التحالف نحو بغداد أعلى من المكاسب التي يمكن تحقيقها.

وفي المقابل، أعلن التحالف وقفًا لإطلاق النار، بما حمل إشارة إلى عدم مواصلة التقدم إذا توقفت القوات العراقية عن القتال.

وهكذا، انتهت الحرب بتحقيق التحالف أهدافه الرئيسية، لكن ليس نتيجة القضاء على قدرة العراق على المقاومة، بل نتيجة تلاقي قرارين سياسيين بوقف القتال وفق شروط رجحت كفة المنتصر.

العراق 2003.. سقوط بغداد لم يكن نهاية الحرب

بعد اثني عشر عامًا، قدم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 صورة مختلفة تمامًا.

فقد انهار الجيش العراقي النظامي، وسقطت بغداد، وتفككت مؤسسات السلطة، بينما فقدت القوات العراقية القدرة على مواجهة الاحتلال الأمريكي في حرب تقليدية.

ولو كان انهيار الجيش واحتلال العاصمة كافيين لتحقيق النصر النهائي، لكان يفترض أن تنتهي الحرب خلال أسابيع.

لكن ما حدث كان العكس.

فقد تحول كثير من المقاتلين إلى العمل المسلح غير النظامي، واندلعت مقاومة استمرت سنوات، رغم التفوق العسكري الأمريكي الساحق.

وتشير الدراسة إلى أن القوات الأمريكية تكبدت أقل من ثلاثة آلاف خسارة بشرية بين قتيل وجريح خلال عام 2003، مقابل أكثر من 33 ألفًا خلال السنوات الثماني التالية.

ويربط الباحثون استمرار القتال برفض قطاعات من أنصار النظام السابق قبول الترتيبات السياسية التي أعقبت الاحتلال، ولا سيما العيش تحت سلطة عراقية جديدة تشكلت برعاية الولايات المتحدة.

فالتفوق العسكري مكّن واشنطن من إسقاط النظام، لكنه لم يكن كافيًا لجعل جميع الأطراف العراقية تقبل بالنظام البديل.

وبذلك أصبحت الحرب مثالًا على الفارق بين السيطرة على الأرض وإنهاء الصراع السياسي.

أفغانستان.. حين عاد الطرف المهزوم إلى السلطة

تقدم أفغانستان، وفق الدراسة، مثالًا أكثر وضوحًا على محدودية الانتصار العسكري.

فبحلول منتصف عام 2002، كانت الولايات المتحدة قد أطاحت بحكم حركة طالبان، وسيطرت على كابول، ودفعت قيادات الحركة إلى مغادرة البلاد.

ولم تكن طالبان تملك آنذاك القدرة على مواجهة القوات الأمريكية في معركة تقليدية أو استعادة العاصمة.

لكن هذه الهزيمة لم تؤد إلى انتهاء الحرب.

فقد رفضت الحركة القبول بترتيبات سياسية تستبعدها من السلطة، وواصل عناصرها القتال من خلال حرب طويلة اعتمدت على أساليب غير نظامية.

وتشير الدراسة إلى أن ممثلين عن النظام السابق سعوا، عقب سقوط كابول، إلى التوصل إلى اتفاق يمنحهم وضعًا قانونيًا ودورًا في أفغانستان الجديدة، لكن إدارة الرئيس جورج بوش رفضت هذه المساعي، انطلاقًا من اعتقادها بأنها حققت نصرًا عسكريًا لا يستدعي التفاوض مع الطرف المهزوم.

ويرى الباحثون أن هذا القرار ساهم في إطالة الحرب، التي استمرت نحو عقدين وكلفت عشرات الآلاف من الأرواح وتريليونات الدولارات.

وفي أغسطس/آب 2021، استعادت طالبان كابول وعادت إلى الحكم، بعد انسحاب القوات الأمريكية.

وهنا تكمن المفارقة التي تبرزها الدراسة: حركة فقدت السلطة وقدراتها العسكرية التقليدية عام 2001 تمكنت، بعد عشرين عامًا، من استعادة السيطرة على البلاد، بينما عجزت أقوى قوة عسكرية في العالم عن فرض تسوية سياسية تضمن استمرار النظام الذي دعمته.

الحرب العالمية الثانية.. حتى الهزيمة الساحقة لم تُلغِ التفاوض

قد يبدو الاستشهاد بالحرب العالمية الثانية اعتراضًا قويًا على أطروحة الباحثين؛ إذ انتهت الحرب بهزيمة ألمانيا النازية واليابان واستسلامهما أمام الحلفاء.

لكن الدراسة تقدم قراءة مختلفة لهذه النهاية.

ففي اليابان، كان أكثر من ستة ملايين عسكري لا يزالون في الخدمة عند الاستسلام في أغسطس/آب 1945، رغم الدمار الهائل الذي تعرضت له البلاد وتراجع قدرتها على خوض حرب منتصرة.

وكانت القيادة اليابانية تدرك استحالة استعادة مناطق سيطرتها السابقة، لكنها كانت تراهن على أن استمرار مقاومتها سيجعل غزو الجزر اليابانية مكلفًا للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، بما يدفع واشنطن إلى تقديم شروط استسلام أقل قسوة.

وتلفت الدراسة إلى أهمية إعلان بوتسدام الصادر في 26 يوليو/تموز 1945، الذي تضمن شروطًا تتعلق بمستقبل اليابان، من بينها احتفاظها بأقاليمها الرئيسية، وعودة العسكريين إلى ديارهم، وعدم إخضاع السكان للعمل القسري.

أما المسألة الأكثر حساسية فكانت مصير الإمبراطور هيروهيتو.

فقد تجنب الإعلان تحديد مصيره، وهو ما فُهم في طوكيو على أنه احتمال للإبقاء على النظام الإمبراطوري. وبالفعل، بقي هيروهيتو إمبراطورًا حتى وفاته عام 1989.

ويرى الباحثون أن هذه الترتيبات توضح أن استسلام اليابان، رغم كونه هزيمة ساحقة، لم يكن خاليًا من حسابات التفاوض والتنازلات.

أما ألمانيا، فقد كان لديها أكثر من ثلاثة ملايين جندي لا يزالون مسلحين ويقاومون عند استسلامها في مايو/أيار 1945.

وتشير الدراسة إلى أن الحلفاء عدّلوا بعض تصوراتهم لمستقبل ألمانيا، بعدما أثارت خطة مورغنثاو، التي كانت تقوم على تفكيك القدرات الصناعية الألمانية وإضعاف البلاد بصورة دائمة، مخاوف أسهمت في تعزيز الدعوات إلى المقاومة.

وبحسب تحليل الباحثين، فإن تخفيف بعض الشروط المقترحة ساعد على تهيئة الظروف لقبول الاستسلام، رغم الخسارة الكاملة للأهداف التي خاضت ألمانيا الحرب من أجلها.

وهكذا، لا تنفي الدراسة أن الحلفاء حققوا نصرًا حاسمًا، وإنما تجادل بأن هذا النصر نفسه احتاج إلى شروط سياسية جعلت وقف القتال خيارًا قابلًا للقبول لدى الطرف المهزوم.

غزة وإيران.. عندما تصبح الهزيمة الكاملة هدفًا لا يمكن بلوغه

تنتقل الدراسة من التاريخ إلى الحروب المعاصرة، معتبرة أن الاعتقاد بإمكان تحقيق نصر عسكري نهائي ما زال يؤثر في القرارات السياسية الكبرى.

ففي غزة، يرى الباحثون أن تمسك حكومة بنيامين نتنياهو بهدف القضاء على حركة حماس عسكريًا أسهم في إطالة الحرب التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتقوم حجتهم على أن تدمير المنشآت والقدرات العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء قدرة التنظيمات المسلحة على مواصلة المقاومة، أو إزالة الأسباب السياسية التي تسمح باستمرار الصراع.

كما تتناول الدراسة الحرب الأمريكية على إيران في فبراير/شباط 2026، وتنتقد الطريقة التي صممت بها إدارة الرئيس دونالد ترامب حملتها العسكرية.

فبحسب الباحثين، انطلقت واشنطن من تصور مفاده أن الضغط العسكري المكثف قادر على إجبار إيران على الاستسلام غير المشروط، بدل استخدام العمليات العسكرية لتحسين شروط تسوية سياسية محددة.

وتنتقد الدراسة الهجمات المفاجئة التي وقعت في أثناء المفاوضات، واستهداف مسؤولين إيرانيين اعتبرتهم واشنطن سابقًا أكثر استعدادًا للتفاوض، معتبرة أن مثل هذه السياسات قد تقوض فرص الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب.

وترى أن الاستراتيجية الأمريكية أفضت إلى مأزق مكلف، مع استنزاف الذخائر وارتفاع النفقات واتساع الاضطرابات الاقتصادية، دون امتلاك تصور سياسي واضح لنهاية المواجهة.

وتكشف الحالتان، في قراءة الباحثين، مشكلة تتجاوز حجم القوة المستخدمة: فعندما يكون الهدف المعلن هو إخضاع الخصم بالكامل، تصبح التسوية السياسية علامة على الإخفاق بدل أن تكون وسيلة لإنهاء الحرب.

أوكرانيا.. حرب بدأت بتوقعات سريعة وانتهت إلى استنزاف طويل

image 76

وفي أوكرانيا، ترى الدراسة أن روسيا ارتكبت الخطأ نفسه عندما شنت غزوها في فبراير/شباط 2022، استنادًا إلى توقعات بإمكان تحقيق أهدافها بسرعة وبتكلفة محدودة.

لكن تعثر التقدم الروسي دفع موسكو إلى توسيع العمليات، بدل العودة إلى المسار التفاوضي الذي ظهر لفترة قصيرة في مارس/آذار من العام نفسه.

وفي سبتمبر/أيلول 2022، أعلنت روسيا ضم أربع مناطق أوكرانية لم تكن تسيطر عليها بالكامل، وهو قرار تعتبره الدراسة عاملًا إضافيًا في تعقيد فرص التسوية، بعدما أصبحت موسكو مقيدة بمطالب إقليمية واسعة.

وفي المقابل، يرى الباحثون أن المساعدات الأمريكية والأوروبية، مهما بلغت أهميتها، لا تضمن لأوكرانيا فرض نهاية عسكرية للحرب دون قبول روسيا بتسوية.

ولا تعني هذه القراءة، وفق منطق الدراسة، أن الطرفين يتحملان المسؤولية نفسها عن اندلاع الحرب، بل إن أي استراتيجية لإنهائها يجب أن تأخذ في الحسبان قدرة كل طرف على مواصلة القتال وإرادته السياسية.

وتخلص الدراسة إلى أن الدول الغربية كان ينبغي أن تخطط منذ البداية لاحتمال حرب طويلة، عبر توسيع قدراتها الصناعية والعسكرية وتقديم التزامات مستدامة، بدل الاعتماد على حزم مساعدات قصيرة الأمد توحي بأن الحرب قد تنتهي سريعًا.

تايوان.. خطر الحرب التي يسهل إشعالها ويصعب إيقافها

لا يقتصر التحذير على الحروب القائمة، بل يمتد إلى احتمال اندلاع مواجهة عسكرية حول تايوان.

فقد تعتقد الصين أن عملية عسكرية سريعة تستطيع فرض واقع سياسي جديد قبل أن تتمكن تايوان والولايات المتحدة من الرد بصورة فعالة.

لكن الدراسة تحذر من أن مدة الحرب لن تتحدد فقط بعدد السفن والطائرات والصواريخ التي تمتلكها بكين، وإنما أيضًا بمدى استعداد تايوان لتحمل الحصار والقصف، وبقرارات واشنطن، وبحسابات القيادة الصينية تجاه تكاليف استمرار الصراع.

وفي المقابل، فإن التفوق الأمريكي في بعض القدرات العسكرية المتقدمة لا يضمن بدوره إنهاء الحرب سريعًا إذا اختارت الصين مواصلة القتال.

ويشير الباحثون إلى أن التخطيط لحروب قصيرة وحاسمة قد يؤدي إلى تقليص مخزونات الذخيرة، وإهمال الاستعداد لتعويض خسائر القوات والمعدات، وعدم تطوير القدرة على خوض حروب استنزاف طويلة.

ومن هنا، فإن الخطر لا يقتصر على احتمال خسارة المعارك، بل يشمل الدخول في حرب لا يستطيع أي طرف إنهاءها بالشروط التي توقعها عند بدايتها.

لماذا تستمر الدول في مطاردة النصر العسكري؟

تُرجع الدراسة استمرار هذه المشكلة إلى جاذبية فكرة النصر الحاسم بالنسبة لصناع القرار.

فالتفاوض ينطوي على تقديم تنازلات، والاعتراف بقدرة الخصم على التأثير في النتائج، واحتمال استمرار المباحثات فترة طويلة دون ضمان النجاح.

أما النصر العسكري فيَعِد بنتيجة مختلفة: إخضاع الخصم بالقوة، وانتزاع القبول بشروط المنتصر، وتجنب التنازلات السياسية.

لكن هذه الصورة، وفق الباحثين، تجعل الحكومات تبالغ في تقدير قدرتها على التحكم في مسار الحروب ونهاياتها.

وقد تدفعها إلى رفض فرص التفاوض في مراحل مبكرة، أو الاستمرار في القتال بعد زوال احتمالات تحقيق الأهداف الأصلية، أو توسيع الحرب بحثًا عن نصر أكثر حسمًا.

والنتيجة أن العمليات العسكرية قد تتحول من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية محددة إلى غاية قائمة بذاتها، فتستمر المعارك رغم غياب تصور واضح لما ينبغي أن يحدث بعد توقفها.

وتلفت الدراسة كذلك إلى أن التخطيط العسكري الأمريكي كثيرًا ما ينفصل عن التخطيط للتسويات السياسية، مستشهدة بالعمليات التي نُفذت في أفغانستان بين عامي 2009 و2013، حيث لم يُدمج المسؤولون عن التسوية السياسية بصورة كافية في تصميم الحملات العسكرية.

وبذلك يصبح استخدام القوة منفصلًا عن السؤال الأهم: كيف ستغير هذه العمليات حسابات الخصم، وما الشروط التي يمكن أن تدفعه إلى وقف القتال؟

القوة قد تكسب المعارك.. لكنها لا تضمن السلام

image 77

لا تدعو الدراسة إلى تجاهل القوة العسكرية أو التقليل من أهميتها. فعلى العكس، يؤكد الباحثون أن نتائج المعارك تؤثر بصورة جوهرية في موازين التفاوض، وقد تسمح بفرض شروط شديدة القسوة على الطرف المهزوم.

لكنهم يرفضون الاعتقاد بأن القوة تستطيع، بمفردها، إلغاء إرادة الخصم أو ضمان قبوله بالنتيجة التي يحددها الطرف الأقوى.

وفي هذا الإطار، تصبح الفاعلية العسكرية الحقيقية مرتبطة بقدرة الدولة على تحويل التفوق في الميدان إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار، لا بمجرد حساب الأراضي التي سيطرت عليها أو القوات التي دمرتها.

وتكشف التجارب التي تناولتها الدراسة أن سقوط العاصمة قد يكون بداية مرحلة جديدة من القتال، وأن تفكك الجيش لا يمنع نشوء مقاومة غير نظامية، وأن الدولة المنتصرة قد تواجه بعد سنوات نتائج سياسية تناقض ما أرادت تحقيقه عندما بدأت الحرب.

ومع أن اعتبار جميع الحروب الحديثة منتهية بتسويات، صريحة أو ضمنية، يظل أطروحة تحليلية قابلة للنقاش، فإن الأمثلة التاريخية التي يستعرضها الباحثون تقدم تحذيرًا مهمًا من اختزال نهاية الحروب في حصيلة المعارك.

فقد تنجح الجيوش في تدمير القدرات العسكرية للعدو، لكنها تعجز عن إجباره على قبول النظام السياسي الذي تريد فرضه. وقد ينتصر الطرف الأقوى عسكريًا، ثم يجد نفسه أمام حرب استنزاف طويلة تلتهم المكاسب التي حققها.

وهنا تكمن الفكرة المركزية للدراسة: إن أخطر أوهام الحرب ليس الاعتقاد بإمكان الانتصار في المعركة، بل الاعتقاد بأن هذا الانتصار يمنح صاحبه القدرة على تحديد نهاية الحرب منفردًا.

فالحرب قد تبدأ بقرار من طرف واحد، لكن إنهاءها يحتاج إلى التعامل مع إرادة الطرف الآخر، مهما بلغت خسائره العسكرية.

وما دامت الدول تتجاهل هذه الحقيقة، فإنها ستظل تخوض حروبًا تملك الوسائل الكافية لإشعالها، دون أن تملك بالضرورة الوسائل السياسية اللازمة لإنهائها.


المصدر: مجلة Foreign Affairs، دراسة بعنوان The Myth of Military Victory: The Dangerous Idea Driving Today’s Wars of Choice، للباحثين Stephen Biddle وSam Winter-Levy وYuri Zhukov، نُشرت في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *