تعود أزمة المياه بين الأردن والاحتلال الإسرائيلي إلى الواجهة مجددًا، بعدما تصاعد الخلاف حول تجديد اتفاقيات تزويد المملكة الأردنية بالمياه، في وقت يواجه فيه الأردن واحدة من أشد أزمات الشح المائي في العالم، بينما تحولت المياه تدريجيًا من ملف فني مرتبط بالتعاون بين البلدين إلى قضية سياسية تتأثر بمسار العلاقات الثنائية والتوترات الإقليمية.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994م (1415هـ)، والتي جعلت ملف المياه أحد أهم بنود التفاهمات بين الطرفين، بات مستقبل الإمدادات المائية الإسرائيلية للأردن موضع نقاش، وسط اتهامات بأن إسرائيل تستخدم هذا الملف كورقة نفوذ سياسي، بينما تؤكد تل أبيب أن التزاماتها القانونية محددة وأن أي كميات إضافية تعتمد على طبيعة العلاقات بين الجانبين.
اتفاقية “السلام”: المياه كجزء من التفاهمات السياسية
شكلت المياه أحد المحاور الأساسية في معاهدة “السلام” الموقعة بين الأردن والاحتلال الإسرائيلي عام 1994م، إذ نصت الاتفاقية على تعاون الطرفين في إدارة الموارد المائية المشتركة، وتطوير مصادر جديدة، والحد من الهدر والتلوث.
وبموجب الاتفاق، تعهدت تل أبيب بتزويد الأردن بنحو 50 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، مع إنشاء آليات للتعاون في مواجهة أزمة المياه المتفاقمة في المنطقة.
لكن مع مرور السنوات، ازدادت حاجة الأردن إلى المياه بسبب النمو السكاني، وتدفق موجات اللجوء، وتأثيرات التغير المناخي، ما دفع المملكة إلى الاعتماد بشكل أكبر على مصادر المياه القادمة من إسرائيل.
وفي عام 2021م (1442هـ)، وافقت تل أبيب على زيادة الكميات المخصصة للأردن بمقدار 50 مليون متر مكعب إضافية سنويًا، ليصل إجمالي الإمدادات إلى نحو 100 مليون متر مكعب سنويًا لفترة محددة.
لماذا يعتمد الأردن على المياه الإسرائيلية؟
يعد الأردن من أكثر دول العالم فقراً بالمياه، إذ تتجاوز احتياجاته المائية قدرته على توفير الموارد الطبيعية المتاحة، بسبب محدودية الأنهار والمصادر الجوفية، وارتفاع الطلب نتيجة النمو السكاني.
وتتركز مصادر المياه الأردنية في:
- المياه الجوفية التي تعاني من الاستنزاف.
- مياه السدود التي تتأثر بتراجع معدلات الأمطار.
- مشاريع التحلية ونقل المياه التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة.
وتجعل هذه الظروف الأردن بحاجة إلى التعاون الإقليمي، خصوصًا مع دولة الاحتلال التي تمتلك قدرات متقدمة في مجال تحلية مياه البحر وإدارة الموارد المائية.
الخلاف الجديد: هل تتحول المياه إلى أداة ضغط؟
بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، لم توافق الحكومة الإسرائيلية على تمديد اتفاقية زيادة إمدادات المياه للأردن بالشروط التي تطلبها عمّان، والتي تشمل تمديد الاتفاق لفترة أطول.
وترى مصادر أردنية أن تأخير التجديد يثير مخاوف من استخدام المياه كورقة تفاوضية، خصوصًا في ظل تراجع العلاقات السياسية بين البلدين منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023م (ربيع الأول–ربيع الآخر 1445هـ).
في المقابل، تقول تل أبيب إن التزاماتها بموجب معاهدة “السلام” مستمرة، لكنها تعتبر أن توفير كميات إضافية من المياه مرتبط بما تصفه بـ”العلاقات الدافئة” والتعاون السياسي بين الطرفين.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن بلادهم واصلت تزويد الأردن بالكميات المطلوبة وفق الاتفاقيات، لكنهم أشاروا إلى عدم وجود التزام بتقديم كميات إضافية خارج الاتفاق الأساسي.
غزة وتدهور العلاقات الأردنية الإسرائيلية
لم تعد أزمة المياه منفصلة عن المشهد السياسي الأوسع في المنطقة، إذ شهدت العلاقات الأردنية الإسرائيلية تراجعًا واضحًا منذ الحرب على قطاع غزة التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023م (1445هـ).
فقد استدعت عمّان سفيرها لدى ما يسمى “إسرائيل” في نوفمبر/تشرين الثاني 2023م (ربيع الآخر 1445هـ)، احتجاجًا على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، كما تصاعدت الانتقادات الأردنية للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
ويرى مراقبون أن ملف المياه أصبح جزءًا من مجموعة ملفات خلافية تشمل القضية الفلسطينية، والتنسيق الأمني، ومستقبل العلاقات السياسية بين البلدين.
“إسرائيل” وقدراتها المائية: بين الوفرة التقنية والحسابات السياسية
في الوقت الذي يعاني فيه الأردن من نقص حاد في المياه، تمكنت “إسرائيل” من تطوير قطاع واسع لتحلية مياه البحر، ما جعلها من الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال.
وتعتمد نسبة كبيرة من إمدادات المياه المنزلية في “إسرائيل” على محطات التحلية، التي توفر مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنويًا، مع خطط لزيادة القدرة الإنتاجية خلال العقود المقبلة.
لكن هذا التفوق التقني لا يلغي البعد السياسي للملف، إذ يرى منتقدون أن السيطرة على مصادر المياه تمنح “إسرائيل” نفوذًا إضافيًا في علاقاتها مع جيرانها.
التغير المناخي يزيد تعقيد الأزمة
لا تقتصر أزمة المياه بين الأردن والاحتلال الإسرائيلي على الخلافات السياسية، بل تأتي ضمن أزمة إقليمية أوسع بسبب تغير المناخ.
فالشرق الأوسط يعد من أكثر مناطق العالم تعرضًا للجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يؤدي إلى:
- انخفاض معدلات هطول الأمطار.
- تراجع مخزون المياه الجوفية.
- زيادة الطلب على المياه للشرب والزراعة.
وتحذر تقارير أممية من دخول العالم مرحلة متزايدة من انعدام الأمن المائي، حيث أصبحت المياه عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
محاولات البحث عن حلول بديلة
يسعى الأردن منذ سنوات إلى تقليل اعتماده على مصادر المياه الخارجية عبر مشاريع استراتيجية، أبرزها:
- مشاريع تحلية مياه البحر.
- تطوير شبكات نقل المياه.
- تقليل فاقد المياه في شبكات التوزيع.
- التعاون مع دول أخرى في مشاريع مائية إقليمية.
كما طُرحت سابقًا مبادرات ثلاثية بمشاركة الإمارات وإسرائيل والأردن لإقامة مشاريع مشتركة في مجال المياه والطاقة، إلا أن التوترات السياسية ألقت بظلالها على هذه الخطط.
الخلاصة
تكشف أزمة المياه بين الأردن والاحتلال الإسرائيلي أن الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط لم تعد مجرد قضايا خدمية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالسياسة والأمن والاستقرار الإقليمي.
فبالنسبة للأردن، يمثل الماء قضية بقاء وأمن قومي في ظل ندرة الموارد، بينما ترى تل أبيب أن إدارة هذا الملف جزء من علاقاتها الإقليمية ومصالحها الاستراتيجية.
وبين الحاجة الأردنية والقدرة الإسرائيلية، يبقى ملف المياه اختبارًا جديدًا لطبيعة العلاقة بين الطرفين، ومدى قدرة اتفاقية ما يسمى السلام على الصمود أمام التحولات السياسية والصراعات المتزايدة في المنطقة.






اترك تعليقاً