بعد ما يقارب عقد من الزمن على فرار مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا من ميانمار إلى بنغلاديش، تحولت الأزمة من حالة طوارئ إنسانية مؤقتة إلى واحدة من أطول أزمات اللجوء في العالم، وسط تراجع فرص العودة الآمنة، وتصاعد الحرب الأهلية في ميانمار، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والأمنية على بنغلاديش التي تستضيف أكثر من مليون لاجئ في مخيمات مكتظة بمدينة كوكس بازار قرب الحدود.
وتواجه الحكومة البنغلاديشية الجديدة معضلة معقدة؛ فهي تتمسك رسميًا بأن إعادة الروهينجا إلى ولاية راخين في ميانمار هي الحل الدائم للأزمة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الظروف السياسية والأمنية في ميانمار تجعل العودة الطوعية الآمنة بعيدة المنال في الوقت الراهن.
من موجة نزوح إلى أزمة ممتدة
بدأت أكبر موجات نزوح الروهينغا إلى بنغلاديش عامي 2016 و2017م (1438هـ)، عندما فر نحو 730 ألف شخص من ولاية راخين إثر حملة عسكرية شنها جيش ميانمار، وصفتها منظمات حقوقية بأنها إبادة عرقية تعرض لها الروهينجا..
وكانت بنغلاديش قد تعاملت مع الأزمة باعتبارها وضعًا مؤقتًا، على أمل أن تؤدي الضغوط الدولية والاتفاقيات الثنائية مع ميانمار إلى إعادة اللاجئين سريعًا، إلا أن السنوات اللاحقة أثبتت أن الأزمة أصبحت أكثر تعقيدًا.
فلم تنجح محاولات إعادة التوطين التي قادتها دكا بالتعاون مع ميانمار والأمم المتحدة، إذ رفض معظم اللاجئين العودة دون ضمانات تتعلق بالأمن والحقوق والمواطنة، وهي مطالب لم تقدم حكومة ميانمار تعهدات كافية بشأنها.
انقلاب ميانمار غيّر موازين القوى
زاد انقلاب الجيش في ميانمار عام 2021م (1442هـ) من تعقيد الأزمة، إذ تحولت البلاد إلى ساحة حرب أهلية واسعة، ولم تعد الحكومة المركزية تسيطر على مناطق عديدة، بما فيها ولاية راخين التي أصبحت تحت نفوذ متزايد لجماعة جيش أراكان، وهي جماعة مسلحة عرقية تمثل غالبية الراخين البوذيين.
ويمثل صعود جيش أراكان تحولًا مهمًا في ملف الروهينجا، لأن الجماعة باتت تسيطر على معظم ولاية راخين، بما فيها المناطق الحدودية مع بنغلاديش، ما يجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية لعودة اللاجئين.
وترى تحليلات سياسية أن استمرار اعتماد بنغلاديش على التفاوض مع حكومة ميانمار العسكرية فقط لم يعد واقعيًا، بسبب تغير خريطة السيطرة على الأرض.
تراجع المساعدات يزيد معاناة اللاجئين
في الوقت نفسه، يواجه أكثر من مليون لاجئ روهينجي ظروفًا إنسانية صعبة بسبب انخفاض التمويل الدولي.
فخلال السنوات الماضية، اعتمدت المخيمات بشكل كبير على المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، والتي شملت الغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، والتعليم، وبرامج التدريب.
لكن تراجع اهتمام المانحين الدوليين وظهور أزمات إنسانية أخرى حول العالم أدى إلى انخفاض التمويل، ما دفع المنظمات إلى تقليص بعض برامجها.
كما خفض برنامج الأغذية العالمي المساعدات الغذائية المقدمة للاجئين، الأمر الذي زاد المخاوف من تفاقم الفقر والاعتماد على المساعدات.
قيود العمل والتعليم تسببت في مشكلات جديدة
تفرض بنغلاديش قيودًا على عمل الروهينجا خارج إطار البرامج الإنسانية، بحجة أن السماح لهم بالاندماج الاقتصادي قد يشجع على بقائهم الدائم في البلاد ويؤثر على فرص العمال البنغلاديشيين.
لكن هذه السياسة أدت، بحسب مراقبين، إلى نتائج عكسية، إذ يعمل كثير من اللاجئين بشكل غير رسمي، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والحصول على أجور منخفضة.
كما ساهمت القيود المفروضة على التعليم والحركة في زيادة اعتماد اللاجئين على المساعدات، وخلقت بيئة مناسبة لنشاط الجماعات المسلحة داخل المخيمات.
تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة داخل المخيمات
شهدت مخيمات الروهينجا خلال السنوات الماضية تصاعدًا في نفوذ جماعات مسلحة، أبرزها جيش إنقاذ روهينجا أراكان (ARSA)، الذي ارتبط اسمه بأحداث أمنية ساهمت في تصعيد الأزمة عام 2017م.
كما ظهرت صراعات بين جماعات مسلحة متنافسة داخل المخيمات، مرتبطة خصوصًا بالسيطرة على شبكات تهريب المخدرات والأنشطة غير القانونية.
وتحاول السلطات البنغلاديشية احتواء هذه الجماعات عبر حملات أمنية واتفاقات تهدئة، لكن استمرار غياب قيادة مدنية قوية تمثل اللاجئين يبقى تحديًا أساسيًا.
الحاجة إلى تغيير سياسة بنغلاديش
يرى خبراء أن السياسة القائمة على انتظار تغير الظروف في ميانمار فقط لم تعد كافية، وأن على الحكومة البنغلاديشية اتباع نهج مزدوج يقوم على إبقاء هدف العودة قائمًا، مع تحسين ظروف حياة اللاجئين في المرحلة الانتقالية.
وتشمل المقترحات:
- السماح بفرص عمل منظمة للاجئين في قطاعات محددة.
- تحسين إدارة المخيمات وتعزيز مشاركة الروهينغا في اتخاذ القرار.
- دعم قيادات مدنية جديدة بدل ترك المجال للجماعات المسلحة.
- تحسين الخدمات والبنية التحتية داخل المخيمات.
- تقليل الاعتماد الكامل على المساعدات الخارجية.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن تحسين ظروف اللاجئين لا يعني توطينهم، بل يقلل من الفوضى الأمنية ويجعل العودة المستقبلية أكثر قابلية للتحقق.
التواصل مع جيش أراكان.. خيار صعب لكنه ضروري
أمام تغير الواقع في ولاية راخين، تواجه بنغلاديش – بحسب مراقبين – خيارًا حساسًا يتمثل في التواصل مع جيش أراكان، باعتباره القوة الأكثر تأثيرًا على الأرض.
ولا يعني هذا الاعتراف بالجماعة المسلحة، لكنه يعكس محاولة للتعامل مع الطرف الذي يسيطر فعليًا على المناطق التي يفترض أن يعود إليها اللاجئون مستقبلًا.
ويرى خبراء أن أي حوار مع جيش أراكان يجب أن يرتبط بضمانات واضحة لحماية الروهينجا الموجودين في راخين، بما في ذلك حقوقهم في الحركة، والحصول على الخدمات، ومنع التهجير القسري.
عودة آمنة أم أزمة مفتوحة؟
تبقى العودة الطوعية الآمنة للروهينجا الهدف المعلن لبنغلاديش والمجتمع الدولي، لكن تحقيقها مرتبط بتطورات داخل ميانمار، وإنهاء الصراع المسلح، وضمان حقوق اللاجئين.
وفي ظل استمرار الحرب وتراجع الدعم الإنساني، تواجه بنغلاديش خطر تحول أزمة الروهينجا إلى أزمة مزمنة طويلة الأمد، بما تحمله من تداعيات أمنية واقتصادية على اللاجئين والمجتمعات المحلية المضيفة.
الخلاصة
دخلت أزمة الروهينجا مرحلة جديدة لم تعد فيها الحلول التقليدية كافية؛ فانتظار تغير الأوضاع في ميانمار دون معالجة الواقع داخل المخيمات قد يؤدي إلى مزيد من التدهور.
وتحتاج بنغلاديش إلى سياسة أكثر واقعية تجمع بين الضغط من أجل العودة الآمنة، وتحسين ظروف اللاجئين، وبناء قنوات تواصل مع القوى الفاعلة في ولاية راخين، لأن مستقبل أكثر من مليون روهينجي أصبح مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على التعامل مع واقع سياسي وأمني تغير بصورة جذرية.






اترك تعليقاً