بعد سنوات من النزوح الجماعي، لا تزال أزمة الروهينجا عالقة بين وعود متكررة بإعادتهم إلى ميانمار وواقع ميداني وسياسي لا يوفر الشروط اللازمة لعودة آمنة ومستدامة. وبينما تقدم السلطات في ميانمار بعض التنازلات والإشارات السياسية المتعلقة بإعادة اللاجئين، فإن التنفيذ الفعلي لعمليات العودة ما زال محدوداً، في وقت تتدهور فيه أوضاع أكثر من مليون لاجئ يعيشون في مخيمات كوكس بازار في بنغلادش.
وتشير قراءة نشرها The Diplomat في أغسطس/آب 2026 إلى أن ما تقدمه ميانمار في ملف إعادة الروهينجا لا يزال أقرب إلى تنازلات رمزية منه إلى خطوات عملية قادرة على إنهاء الأزمة. فالمشكلة لا تتعلق بمجرد إعلان الاستعداد لاستقبال اللاجئين، وإنما بتهيئة الظروف السياسية والأمنية والقانونية التي تجعل العودة ممكنة وآمنة وتحفظ حقوق العائدين.
وتظل قضية الجنسية والحقوق المدنية والأمن من أبرز العقبات أمام العودة. فالروهينجا، الذين تعرضوا لعقود من التمييز والاضطهاد، لا يواجهون أزمة نزوح مؤقتة فحسب، بل أزمة مرتبطة بوضعهم القانوني والسياسي داخل ميانمار، الأمر الذي يجعل أي عودة من دون ضمانات حقيقية عرضة لإعادة إنتاج أسباب النزوح.
كوكس بازار.. مأساة تتفاقم
وفي الجانب الآخر من الحدود، يعيش الروهينجا في مخيمات مكتظة في منطقة كوكس بازار، حيث أصبحت الحياة اليومية أكثر صعوبة مع تراجع التمويل الإنساني الدولي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا يعيشون في بنغلادش، وأنهم يعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية لتوفير الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية والحماية. كما أن أكثر من نصف مليون طفل من الروهينجا يعيشون في المنفى، فيما يظل أكثر من 235 ألف طفل في سن الدراسة خارج التعليم وفق بيانات اليونيسف لعام 2026.
ويزيد نقص التمويل من هشاشة هذا الوضع. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من وجود فجوات كبيرة في تمويل الخدمات الصحية في مخيمات كوكس بازار، مشيرة إلى أن استمرار نقص الموارد يهدد قدرات الاستجابة للأمراض ومراقبة الأوبئة وتقديم الخدمات الصحية الأساسية.
كما بدأت برنامج الأغذية العالمي في 2026 تطبيق نظام للمساعدات الغذائية يعتمد على تحديد الأسر الأكثر احتياجاً، في ظل محدودية الموارد والحاجة إلى توجيه المساعدات إلى مستويات انعدام الأمن الغذائي المختلفة. ويشمل البرنامج نحو 1.2 مليون لاجئ في كوكس بازار وبهاشان شار.
الكوارث الطبيعية تضيف عبئاً جديداً
ولا تقتصر معاناة اللاجئين على نقص الغذاء والخدمات. فالمخيمات المكتظة، التي أقيم جزء كبير منها في مناطق معرضة للفيضانات والانهيارات الأرضية، تواجه مخاطر متكررة خلال موسم الأمطار.
وشهدت مخيمات كوكس بازار في يوليو/تموز 2026 فيضانات وانهيارات أرضية أدت إلى سقوط ضحايا وتضرر مساكن وخدمات أساسية، كما أجبرت عائلات على الانتقال مؤقتاً إلى أماكن أكثر أمناً. وأظهرت الكارثة مرة أخرى هشاشة البنية التحتية في المخيمات وخطورة استمرار أعداد كبيرة من اللاجئين في ظروف سكنية مؤقتة.
وتعمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية على الحد من هذه المخاطر، إلا أن حجم الاحتياجات يفوق الموارد المتاحة. وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين استمرار دعم أكثر من 1.1 مليون لاجئ في كوكس بازار وبهاشان شار، مع التركيز على الحماية والمأوى والصحة والتعليم وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
أزمة سياسية وإنسانية مفتوحة
تكشف الصورة الحالية عن مفارقة واضحة: فبينما تتحدث ميانمار عن إعادة الروهينجا، يعيش اللاجئون في بنغلادش في ظروف تجعل استمرار اللجوء أكثر قسوة يوماً بعد آخر.
فالعودة لا يمكن أن تكون مجرد عملية نقل للسكان عبر الحدود، بل تحتاج إلى معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار، وضمان الأمن والحقوق المدنية والقانونية، وتهيئة ظروف تسمح لهم بالعيش بكرامة في مناطقهم الأصلية.
ومن دون تحقيق هذه الشروط، فإن الوعود بإعادة الروهينجا ستظل محدودة الأثر، بينما يستمر العبء الإنساني على بنغلادش والمنظمات الدولية، ويظل أكثر من مليون شخص عالقين بين وطن لا يضمن لهم حتى الآن شروط العودة، ومخيمات لا تستطيع توفير حياة مستقرة لهم.
وهكذا، تبدو أزمة الروهينجا اليوم أقل ارتباطاً بغياب الوعود السياسية، وأكثر ارتباطاً بغياب التنفيذ والضمانات. فالمطلوب ليس مجرد إعلان عن إعادة اللاجئين، وإنما بناء الظروف التي تجعل العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة.






اترك تعليقاً