من قصف سفينة مدنية إلى «سفينة ترامب»: هل تتحول الحرب مع إيران إلى مشروع عسكري مفتوح؟

MH 60 1024x576 1

في تطور جديد يعكس اتساع نطاق المواجهة الأمريكية مع إيران، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن مروحية عسكرية أمريكية استهدفت سفينة شحن مدنية في خليج عُمان، بعدما اتهمت واشنطن طاقمها بمحاولة كسر الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.

وبحسب الرواية الأمريكية، أطلقت مروحية من طراز MH-60 صاروخين على غرفة محركات السفينة Vela Nova التي ترفع علم بنما، بعد أن قالت القيادة المركزية إن الطاقم تجاهل تحذيرات متكررة. وتقول واشنطن إن السفينة كانت متجهة إلى إيران، وإن الضربة أوقفت رحلتها.

لكن الحادثة لا تقف عند حدود استهداف سفينة واحدة؛ فهي تكشف طبيعة مرحلة أكثر خطورة في الحرب، حيث لم يعد الضغط على إيران يقتصر على العقوبات أو العمليات العسكرية المباشرة، بل امتد إلى فرض حصار بحري على حركة التجارة المرتبطة بها.

وتقول القيادة المركزية الأمريكية إن قواتها، منذ إعادة فرض الحصار الشهر الماضي، اعترضت أو غيّرت مسار 55 سفينة تجارية، وعطلت ثلاث سفن أخرى، وصعدت على متن سفينتين. كما أفادت تقارير أمنية بحرية بأن السفينة المستهدفة كانت تبحر غرباً في خليج عُمان على بعد نحو 71 ميلاً بحرياً من الساحل الباكستاني، وأن حريقاً اندلع إثر الضربة قبل إخماده، فيما تم إحصاء أفراد الطاقم السبعة عشر دون الإبلاغ عن مفقودين.

وتكتسب الواقعة حساسية أكبر بالنظر إلى أن الضربات الأمريكية السابقة على سفن مدنية خلال فرض الحصار أدت، وفق تقارير سابقة، إلى مقتل بحارة هنود. وهو ما يثير سؤالاً أوسع حول المخاطر التي يفرضها تحويل الممرات البحرية الدولية إلى ساحة للمواجهة العسكرية.

الحصار كأداة للحرب

المسألة الأساسية هنا ليست السفينة وحدها، بل ما يعنيه استمرار الحصار الأمريكي على إيران. فطهران تربط فتح مضيق هرمز برفع الحصار، ما يجعل حركة السفن التجارية في الخليج وخليج عُمان جزءاً من المعادلة العسكرية والسياسية.

وبذلك تتحول التجارة البحرية إلى إحدى ساحات اختبار الإرادة بين واشنطن وطهران: الولايات المتحدة تريد منع وصول الإمدادات والتجارة إلى إيران، بينما ترى طهران أن استمرار الحصار يمثل عملاً حربياً يستوجب مواجهته.

وهذا يرفع احتمالات اتساع دائرة التصعيد، لأن أي حادث جديد قد لا يبقى محصوراً في سفينة تجارية، بل يمكن أن يتحول إلى مواجهة أوسع في منطقة تعتمد عليها أسواق الطاقة العالمية.

وفي واشنطن… سباق نحو قوة بحرية أكبر

وفي الخلفية، يظهر توجه أمريكي آخر يعكس حجم الرهان على القوة العسكرية: مشروع ما يسمى «السفينة الحربية من فئة ترامب» ضمن مبادرة «الأسطول الذهبي».

ووفق تحليل نشره موقع Responsible Statecraft، ارتفعت الكلفة التقديرية للسفينة الأولى إلى نحو 23 مليار دولار، فيما يطرح المشروع سفناً ضخمة مزودة بمجموعة واسعة من القدرات، تشمل صواريخ مضادة للسفن والهجمات البرية، وصواريخ فرط صوتية، وصواريخ كروز نووية، إضافة إلى أسلحة ليزرية ومدفع كهرومغناطيسي. ويرى التحليل أن جمع هذا العدد من التقنيات المتقدمة في منصة واحدة قد يجعلها شديدة التعقيد والكلفة، في وقت تتغير فيه طبيعة الحرب البحرية بفعل الطائرات والسفن غير المأهولة والصواريخ المضادة للسفن.

واللافت أن المشروع لا يأتي في فراغ استراتيجي. فالولايات المتحدة تخوض بالفعل مواجهة واسعة مع إيران، وتستخدم القوة البحرية والجوية لفرض أهدافها في المنطقة، بينما تتجه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع قدرات البحرية.

وفي مشروع قانون الدفاع الأمريكي للسنة المالية 2027، أقر مجلس النواب مبدئياً تخصيص مليار دولار لبرنامج السفينة الحربية الجديدة، لكنه وضع قيداً مهماً يتمثل في منع منح العقود قبل أن يثبت وزير البحرية أن التقنيات التي يعتمد عليها المشروع ناضجة بما يكفي. وهذا يعكس وجود تحفظات داخل الكونغرس نفسه بشأن المخاطرة بإنتاج سفن باهظة الثمن قبل التأكد من جاهزية تقنياتها.

مفارقة الحرب الأمريكية الجديدة

المفارقة أن الولايات المتحدة تواجه في الوقت نفسه تحدياً بحرياً من نوع مختلف تماماً: سفينة تجارية مدنية يتم إيقافها بصاروخ من مروحية، ومشاريع لبناء سفن حربية عملاقة بمليارات الدولارات.

وهنا يبرز السؤال: هل تحتاج الحروب الحديثة فعلاً إلى مزيد من المنصات العسكرية العملاقة، أم أن طبيعة الصراع تتجه نحو أسلحة ومنصات أصغر وأرخص وأكثر انتشاراً؟

فالمراقبون يحذرون من أن السفينة الجديدة قد تصبح هدفاً جذاباً للصواريخ المضادة للسفن والغواصات والأسلحة فرط الصوتية، خصوصاً أن البرنامج يمتد لعقود في وقت تتوسع فيه قدرات الأنظمة غير المأهولة. كما يشير الموقع إلى أن البحرية الأمريكية تعاني أصلاً من تأخيرات في برامج بناء السفن، بينما يبقى حجم أسطولها أقل من المستوى الذي يفرضه القانون الأمريكي.

وهكذا، تبدو الحرب مع إيران اختباراً ليس فقط للقوة العسكرية الأمريكية، وإنما لفلسفة واشنطن في إدارة الحروب: هل يكون الرد بالمزيد من الحصار والضربات، أم بالمزيد من الإنفاق على أسلحة ضخمة ومكلفة؟

من الخليج إلى مستقبل البحرية الأمريكية

ضرب سفينة مدنية في خليج عُمان، في نظر واشنطن، رسالة مفادها أن الحصار لن يكون قابلاً للتجاوز. أما في الجانب الآخر، فإن بناء سفن حربية بمليارات الدولارات يمثل رسالة مختلفة: الولايات المتحدة تريد الحفاظ على قدرتها على فرض القوة في البحار لعقود قادمة.

لكن كلا المسارين يحملان مخاطرة واحدة: كلما توسعت الأدوات العسكرية، ازدادت احتمالات أن تتحول المواجهة المحدودة إلى حرب مفتوحة يصعب التحكم في مسارها.

فالحصار يضع السفن التجارية أمام خطر التعرض للاعتراض أو الضرب، بينما تدفع المشاريع العسكرية العملاقة نحو سباق تسلح طويل الأمد. وبين الاثنين تبقى منطقة الخليج ومضيق هرمز في قلب المعادلة، باعتبارهما من أكثر النقاط حساسية في أي مواجهة أمريكية إيرانية.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: إلى أي مدى ستواصل واشنطن فرض حصارها على إيران؟

بل: هل تكشف هذه الحرب عن بداية مرحلة أمريكية جديدة، تُستبدل فيها سياسة الردع المحدود باستراتيجية تقوم على الحصار، والضربات المباشرة، وإعادة بناء قوة بحرية ضخمة؟

وإذا كان الأمر كذلك، فإن حادثة Vela Nova قد لا تكون سوى حلقة صغيرة في مسار أكبر بكثير من مجرد اعتراض سفينة تجارية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *