من سان بطرسبرغ إلى غزة: هندسة تجميد الصراعات لتأمين الإمبراطوريات

7ab888e545a74f50b8b8cdf317c6d878

تتأرجح العقلية الاستعمارية للدول الكبرى حول مفهوم السيادة الترابية بين أمرين: حصنٌ محصّن داخل حدودها، وورقة مناورة خارجها.

ففي 31 أغسطس 1907، وقّعت بريطانيا وروسيا اتفاقية “سان بطرسبرغ”؛ وفاقٌ إنجلو-روسي حُدِّدت فيه أوراق النفوذ على ثلاثة أقاليم محورية: تقسيم إيران إلى مناطق نفوذ، وإخضاع أفغانستان للهيمنة البريطانية، وتحييد التبت.

لم يكن هذا التقارب الجيوسياسي مجرد سباقٍ تقليدي على النفوذ، بل كان خطة لتجميد النزاعات الاستعمارية الجانبية وتأمين الجبهات الخلفية، بغية التفرغ التام للمارد الألماني الصاعد في أوروبا.

لقد كشفت تلك المحطة عن قاعدة مضمرة في سلوك القوى العظمى: “احتكار السيادة ذاتياً، واختراق سيادة الآخرين كقربان لتهدئة الصراعات البينية”؛ فكسب حليف قوي أو تحييد خصم محتمل على طاولة الكبار، يظل دائماً أولوية تبرر تضحية القوى الصغرى على مذبح التوازنات الدولية.

واليوم، تُعيد واشنطن إنتاج السيناريو ذاته عبر ما يُسمّى “مجلس السلام”؛ وهو إطارٌ يُروَّج له بصفته حلاً أمنياً وإنسانياً يقي غزة ويلات الحرب وآثارها، بينما كواليسه لا تعدو كونها هندسةً جديدة لإدارة الأزمة.

هنا تلتقي الأطماع الصهيونية الميدانية في السيطرة على الأرض وتفريغها من مقومات السيادة، مع الاستراتيجية الأمريكية الراغبة في تحييد غزة أمنياً لتأمين تدفق الممرات التجارية الموازية وحماية خطوط الطاقة، لا بالشكل الذي يحقق إرادة أهلها وسيادتهم على أرضهم وثرواتهم. فالمتأمل في ماهية هذه الترتيبات، يدرك أنها لم تُصمم لإعادة حقٍّ أو إيقاف عدوان، بل جُسِّدت لخدمة هدفين استراتيجيين: تلميع الوجه الأمريكي كراعٍ وحيد للاستقرار، وتجميد البؤرة الفلسطينية لتأمين الممرات البحرية والتفرغ التام للمنافسة الإمبراطورية الشرسة مع الصين.

وهذا دأب المستعمرين؛ لا يرون في الضحية ضحية، وإنما فريسةً تحتاج للانقضاض، أو شوكةً تحتاج للإقلاع.

لذا لا ينبغي لمن يقرأ كواليس الصراع اليوم أن ينتظر عدالةً ناجزة من طاولاتٍ صُمّمت في الأصل لبيع أوراق القضايا الصغرى لصيانة توازنات الكبار؛ فالتحرر لا تصنعه الاتفاقيات، بل تنتزعه أيادي المجاهدين، وعقول المرابطين، وأقدام الثابتين، وسوادٌ يُعظّم الدين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *