بعد سنوات ظل فيها ملف الروهينجا محصورًا إلى حد بعيد بين حكومات ومنظمات دولية ومفاوضات لإعادتهم إلى ميانمار، بدأت ملامح تحول مختلف بالظهور؛ إذ يتشكل تدريجيًا صوت سياسي روهينجي عابر للحدود تقوده أجيال من الشباب والناشطين، مستفيدًا بصورة خاصة من وسائل التواصل الاجتماعي لطرح قضايا الهوية والمواطنة والعدالة والعودة.
وسلط تحليل نشرته صحيفة The Daily Star، الأحد 16 أغسطس/آب 2026 الموافق 3 ربيع الأول 1448هـ، الضوء على هذه الظاهرة، معتبرًا أن سنوات النزوح الطويلة لم تنتج مجتمعًا من اللاجئين فحسب، بل أسهمت في ظهور شتات روهينجي مترابط رقميًا يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى قوة سياسية ومدنية لها حضورها في النقاش حول مستقبل الجماعة.
من شعب مشتت إلى مجتمع متصل
توزع الروهينجا خلال عقود من الاضطهاد والنزوح بين بنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا ودول أخرى، ثم اتسع الشتات بصورة كبيرة بعد موجة النزوح الجماعي من أراكان عام 2017. وفي الوقت الراهن يعيش قرابة 1.2 مليون من الروهينجا في بنغلاديش، بينما توجد تجمعات أخرى في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.
لكن البعد الجديد لا يكمن فقط في انتشارهم جغرافيًا، بل في قدرة أفراد هذه التجمعات على التواصل المستمر رغم الحدود والمسافات.
فمنصات التواصل الاجتماعي تحولت بالنسبة لكثير من الروهينجا إلى مساحة يتبادلون فيها الأخبار والآراء، ويوثقون الانتهاكات، ويناقشون قضايا الهوية والمواطنة والعودة، وينقلون روايتهم مباشرة إلى الصحفيين والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية. ويرى تحليل The Daily Star أن الإنترنت بات بمثابة «مجال عام» بديل لجماعة حُرمت طويلًا من المشاركة السياسية الفعلية داخل موطنها.
وتشير بيانات أوردها التحليل إلى حجم هذا النشاط؛ إذ رصدت دراسة لنشاط الشتات الروهينجي على فيسبوك بين عامي 2017 و2022 نحو 47 صفحة نشرت قرابة 35 ألف منشور، حصدت مجتمعة ما يقرب من 8 ملايين تفاعل. ولم يقتصر المحتوى على السياسة، بل شمل حقوق الإنسان والتعليم والأخبار وتنمية الشباب والثقافة وشؤون مجتمعات الشتات.
الروهينجا يريدون التحدث باسم أنفسهم
أهمية هذا التحول تتجاوز زيادة النشاط على وسائل التواصل.
فلعقود، كان مستقبل الروهينجا يناقش في اجتماعات تضم ميانمار وبنغلاديش والأمم المتحدة وقوى إقليمية ودولية، بينما بقي تمثيل الروهينجا أنفسهم محدودًا مقارنة بحجم القرارات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
واليوم يبرز جيل يسعى إلى تغيير هذه المعادلة؛ فلا يريد أن يقتصر دوره على تلقي المساعدات أو انتظار نتائج المفاوضات، بل يريد المشاركة في تحديد ما المقصود أصلًا بالعودة الآمنة، وما شكل المواطنة المطلوبة، وكيف يمكن ضمان الأمن والعدالة وحرية الحركة والتعليم والعمل بعد العودة إلى أراكان.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في ظل إخفاق محاولات الإعادة السابقة في تحقيق عودة جماعية مستدامة، واستمرار القتال داخل ولاية أراكان وتعقّد المشهد السياسي في ميانمار.
فأي حل مستقبلي لا يتعلق بمجرد نقل اللاجئين من مخيمات بنغلاديش إلى الجانب الآخر من الحدود، وإنما بالظروف التي سيعودون إليها والحقوق التي سيحصلون عليها.
ولهذا يرى التحليل أن وجود جسم مدني وسياسي روهينجي قادر على بلورة مواقف واضحة قد يمنح الجماعة للمرة الأولى قدرة أكبر على التأثير في شروط أي تسوية مستقبلية.
الشباب في الواجهة
ومن أبرز التغيرات التي ترافق تشكل هذا الصوت الجديد اتساع حضور الشباب.
فالعمل السياسي والمدني الروهينجي أصبح من مهام الشباب الذين ولد بعضهم في المخيمات أو غادر أراكان في سن صغيرة، وأصبح الهاتف المحمول بالنسبة إليهم وسيلة لتوثيق حياتهم، ونشر قصص مجتمعهم، والتواصل مع الشتات في دول أخرى.
ويمكن لهذا الجيل أن يشكل حلقة وصل بين الروهينجا داخل المخيمات، والمجتمعات الموجودة في الخارج، والمؤسسات الدولية التي تتعامل مع الأزمة.
فرصة تحمل مخاطرها
غير أن صعود هذا النشاط الرقمي لا يعني بالضرورة ظهور صوت سياسي موحد للروهينجا.
فالشتات نفسه متنوع في رؤاه وأجياله وأوضاعه الاجتماعية والسياسية، كما أن الوصول إلى الإنترنت والتعليم واللغات ليس متساويًا بين جميع اللاجئين. ولهذا يحذر التحليل من التعامل مع النشطاء الأكثر حضورًا على الإنترنت باعتبارهم ممثلين تلقائيًا لجميع الروهينجا.
كذلك يمكن للمنصات الرقمية التي تمنح المهمشين مساحة للتعبير أن تتحول إلى بيئة لنشر المعلومات المضللة والاستقطاب والتجسس أو التأثير السياسي.
وتكتسب هذه المخاوف حساسية خاصة في الحالة الروهينجية، بعدما لعبت وسائل التواصل سابقًا دورًا في انتشار خطاب الكراهية والتحريض ضدهم في ميانمار، وفق ما يشير إليه التحليل.
ولهذا فإن التحدي ليس في إنشاء «صوت روهينجي واحد»، وإنما في بناء فضاء سياسي ومدني يسمح بالاجتماع، مع ظهور قيادات وتمثيل أكثر شرعية وقدرة على التعبير عن قطاعات مختلفة من المجتمع.
هل يصبح الشتات طرفًا في الحل؟
حتى الآن، تعامل العالم مع أزمة الروهينجا في جانب كبير منها باعتبارها أزمة إنسانية: مخيمات تحتاج إلى الغذاء والمياه والتعليم والصحة، ولاجئون ينتظرون أن تسمح الظروف بعودتهم.
لكن استمرار الأزمة قرابة عقد كامل بدأ يفرز واقعًا مختلفًا.
فاللاجئون أنشأوا شبكات اجتماعية وإعلامية ومدنية تتجاوز المخيمات والحدود، وبدأت هذه الشبكات تدريجيًا تنتج رؤى سياسية تتعلق بما يريدونه هم من أي تسوية مستقبلية.
وهنا تظهر أهمية التحول الجديد: بدل أن يبقى الروهينجا موضوعًا للمفاوضات، يمكن أن يصبحوا طرفًا فيها.
فإذا جاءت لحظة تسمح بتسوية سياسية حقيقية في أراكان، فإن قضية المواطنة والأمن والعودة والمحاسبة لن يكون من الممكن حسمها بصورة مستدامة عبر الحكومات وحدها.
وبعد سنوات طويلة تحدث فيها الآخرون عن الروهينجا، يبدو أن جيلًا جديدًا منهم يحاول اليوم أن يفرض معادلة مختلفة: أن يتحدث الروهينجا عن أنفسهم، وأن يكون لهم دور في تحديد المستقبل الذي سيعودون إليه.





اترك تعليقاً