بعد سبع سنوات من إلغاء الهند الوضع الدستوري الخاص لإقليم جامو وكشمير، لم تتوقف التحولات التي أعادت رسم المشهد القانوني والسياسي والديموغرافي للمنطقة المتنازع عليها، بل امتدت إلى قوانين الإقامة وملكية الأراضي والتمثيل الانتخابي، وسط جدل متصاعد حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل إعادة دمج للإقليم في الهند، أم عملية أوسع لإعادة تشكيل هويته وتركيبته السياسية والسكانية.
في 5 أغسطس/آب 2019، ألغت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي بقيادة ناريندرا مودي المادتين 370 و35A، اللتين كانتا تمنحان جامو وكشمير قدرًا من الحكم الذاتي وضمانات دستورية خاصة. وفي الوقت نفسه، قسمت نيودلهي المنطقة إلى وحدتين اتحاديتين هما جامو وكشمير ولداخ، ووضعتهما تحت الإدارة المباشرة للحكومة المركزية الهندية.
قدمت الحكومة الهندية الخطوة باعتبارها تصحيحًا تاريخيًا طال انتظاره، ووسيلة لتعزيز اندماج كشمير مع الهند، وجذب الاستثمار والتنمية، ومواجهة التمرد المسلح.
لكن التغيير الدستوري تبعه خلال أشهر إعادة بناء واسعة للإطار القانوني الذي يحكم الإقامة وملكية الأراضي والتمثيل السياسي.
قوانين الإقامة وفتح باب التملك
في عام 2020، أصدرت الحكومة الهندية قواعد جديدة للإقامة أتاحت الحصول على صفة «المقيم» لمن عاش في المنطقة لمدة 15 عامًا، أو درس فيها سبع سنوات، أو عمل في بعض وظائف الحكومة المركزية.
وبحلول عامين فقط، أصدرت السلطات أكثر من 1.25 مليون شهادة إقامة، بينها نحو 83,742 شهادة لأشخاص لم يكونوا مؤهلين سابقًا للحصول على صفة المقيمين الدائمين في الولاية.
كما جرى تخفيف القيود على شراء الأراضي، وأصبحت شهادة الإقامة نفسها غير ضرورية لشراء معظم أنواع العقارات بعد تعديلات قوانين الأراضي.
وتقول السلطات إن شهادة الإقامة كانت مرتبطة أساسًا بالتقدم للوظائف، ولم تكن تمنح وحدها حقوقًا في الأراضي أو التصويت. لكن التغييرات القانونية المتعلقة بملكية الأراضي فتحت في المقابل المجال أمام غير المقيمين لشراء أنواع واسعة من الممتلكات.
ويعتبر منتقدون أن هذه التحولات أضعفت قدرة السكان الأصليين على حماية موقعهم الاقتصادي والديموغرافي، بينما ترى الحكومة أنها جزء من إصلاحات تستهدف الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال.
الأرض في قلب التحول
كان امتلاك الأراضي أحد أبرز المجالات التي حمتها القوانين القديمة في كشمير.
فالمادة 370، بالتعاون مع المادة 35A، سمحت بوجود قواعد خاصة لتنظيم ملكية الأراضي والوظائف وتحديد من يُعد من «المقيمين الدائمين»، كما فرضت قيودًا على قدرة غير الكشميريين على الاستقرار الدائم وامتلاك الأراضي.
أما بعد إلغاء الوضع الخاص، فقد شهدت قوانين الأراضي والزراعة والغابات سلسلة من التعديلات التي وسعت إمكانات الاستثمار والوصول إلى الأراضي.
وبحسب شهادات وردت في المادة، فإن بعض سكان المناطق الحرجية وجدوا أنفسهم في مواجهة إجراءات إخلاء بعد تصنيف الأراضي التي يشغلونها باعتبارها «تعديًا».
وفي الوقت نفسه، أثارت مشاريع البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة، مخاوف لدى بعض السكان بشأن تحويل الأراضي الزراعية والبساتين، وما إذا كانت هذه المشاريع تخدم التنمية المحلية أم ترتبط أيضًا بالاحتياجات العسكرية والأمنية للهند.
وقد وصفت إحدى الشخصيات التي تحدثت للمادة الوضع بأنه تحول يجعل سكان كشمير يشعرون بأنهم «يبتعدون عن أرضهم».
تحولات تراكمية لا قرارات منفصلة
يرى باحثون أن التغييرات التي بدأت عام 2019 لا ينبغي النظر إليها باعتبارها إجراءات منفصلة، بل كعملية تراكمية تعيد تنظيم السيطرة على الأرض والتمثيل السياسي وإدارة الإقليم.
وتقول عالمة الأنثروبولوجيا السياسية أثَر زيا إن هذه العملية يمكن فهمها ضمن إطار الاستعمار الاستيطاني، باعتبارها سلسلة من التغييرات القانونية والسياسات المتعلقة بالأرض والتركيبة السكانية والعسكرة ونظام الحكم، تتراكم بمرور الوقت وتعيد تشكيل الحياة اليومية.
وبحسب هذا التحليل، فإن القضية لا تتعلق فقط بمن يملك الأرض، وإنما أيضًا بمن يملك القدرة على التأثير في مستقبل الإقليم سياسيًا وديموغرافيًا.
وقد حذر خبراء أمميون في فبراير/شباط 2021 من أن قواعد الإقامة الجديدة أُدخلت دون استشارة السكان المحليين، وأن تسريع منح شهادات الإقامة لوافدين من خارج المنطقة قد يؤدي إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان للسكان الأصليين.
إعادة رسم الخريطة الانتخابية
لم تقتصر إعادة الهيكلة على قوانين الأرض والإقامة، بل وصلت إلى الخريطة الانتخابية.
فبعد غياب دام عقودًا، أعادت لجنة ترسيم الدوائر رسم الحدود الانتخابية، ورفعت عدد مقاعد الجمعية التشريعية من 83 إلى 90 مقعدًا.
لكن توزيع المقاعد الجديدة أثار جدلًا سياسيًا؛ إذ خُصصت خمسة من المقاعد الستة الإضافية لمنطقة جامو ذات الأغلبية الهندوسية، مقابل مقعد واحد فقط لوادي كشمير ذي الأغلبية المسلمة.
كما جرى دمج مناطق متباعدة جغرافيًا، تفصل بينها سلاسل جبلية، ضمن دوائر انتخابية واحدة، الأمر الذي يرى منتقدون أنه أعاد توزيع الوزن السياسي بصورة قد تخدم القوى المقربة من نيودلهي.
وعلى الرغم من إجراء انتخابات محلية وتشكيل حكومة منتخبة، فإن الإدارة الجديدة لا تزال تفتقر إلى الصلاحيات التي كانت تتمتع بها الولاية سابقًا، بينما تحتفظ الحكومة المركزية في نيودلهي بسلطات تشريعية وإدارية أساسية.
سبع سنوات ولم يتحقق الاستقرار الكامل
قدمت الحكومة الهندية إلغاء المادة 370 بوصفه خطوة ستقود إلى التنمية والاستثمار وإنهاء التمرد المسلح.
لكن الوضع الأمني لم يستقر بصورة كاملة.
في مايو/أيار 2025، أدى هجوم مسلح في وادي بايساران قرب باهالغام إلى مقتل 26 سائحًا، في واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال سنوات.
وفي يوليو/تموز 2026، قُتل شرطي أثناء أداء مهامه الأمنية في أنانتناغ، أعقب ذلك حملة أمنية أسفرت عن احتجاز أكثر من 3,500 شخص في أنحاء الإقليم.
وفي الوقت نفسه، لا تزال البطالة بين الشباب مشكلة بارزة؛ إذ يبلغ معدل البطالة في كشمير نحو 6.7 في المئة، بحسب المادة، أي ما يقارب ضعف المعدل في الهند.
كما تتحدث شهادات محلية عن اتساع الفوارق الاقتصادية، وعن استمرار الضغوط على الصحافة والنشاط المدني، إلى جانب تدخلات في المحتوى التعليمي والكتب المدرسية.
بين رواية الاندماج ومخاوف فقدان الهوية
بعد سبع سنوات، لا يزال هناك انقسام عميق حول معنى التحولات التي شهدتها كشمير.
فنيودلهي تقدم إلغاء المادة 370 بوصفه خطوة نحو الاندماج والتنمية والاستثمار وتحسين الإدارة، بينما يرى منتقدوها أن الإجراءات التي تلت ذلك أدت إلى تقليص قدرة الكشميريين على التحكم في أراضيهم وتمثيلهم السياسي ومستقبلهم الإداري.
ويذهب أستاذ جامعي وباحث في تاريخ كشمير، محمد جنيد، إلى أن التغييرات منذ 2019 تمثل استراتيجية تهدف إلى إضعاف القوة السياسية للكشميريين بصورة شاملة، بحيث ينتهي الأمر بالسكان إلى المطالبة باستعادة حقوق وصلاحيات كانت موجودة سابقًا، بدلًا من المطالبة بحقوقهم السياسية التاريخية الأوسع.
وبحسب هذا التصور، فإن إلغاء الحكم الذاتي لم يكن نهاية التحول، بل كان نقطة انطلاق لإعادة بناء النظام القانوني والسياسي والديموغرافي في الإقليم.
كشمير بعد 2019.. واقع جديد
تكشف السنوات السبع الماضية أن آثار قرار 2019 تجاوزت بكثير مسألة إلغاء مادة دستورية.
فقد تغيرت قواعد الإقامة، وملكية الأراضي، والاستثمار، وترسيم الدوائر الانتخابية، ونظام الإدارة، ومستوى سيطرة الحكومة المركزية على الإقليم.
وفي المقابل، لم تختفِ التوترات الأمنية، ولم تُحل قضايا البطالة والتفاوت الاقتصادي والتمثيل السياسي، بينما يشعر جزء من السكان بأن التحولات المتراكمة تهدد قدرتهم على الحفاظ على الأرض والهوية والنفوذ السياسي.
وبذلك أصبحت كشمير أمام واقع مختلف جذريًا عما كان قائمًا قبل أغسطس/آب 2019: حكم مركزي أقوى، قيود أقل على امتلاك الأراضي، قواعد إقامة جديدة، خريطة انتخابية معاد تشكيلها، ومساحة أضيق للحكم الذاتي المحلي.
ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التحولات ستقود بالفعل إلى الاندماج والاستقرار والتنمية التي تتحدث عنها الحكومة الهندية، أم أنها ستعمق الشعور بالتهميش وفقدان السيطرة لدى السكان المحليين، وتفتح فصلًا جديدًا في النزاع الطويل على مستقبل كشمير.





اترك تعليقاً