من «اقرأ» إلى منصة الحفل.. كيف اختُزل مفهوم الثقافة في عالمنا الإسلامي؟

sn g OirGJo8DUdUM2CvTRLruG yxC7KkAxMdC25E hJnTxvvTH3ScUaFtym81mVbGhdCmHpjwk3jzpW6enK2kfhbpgomWIzRbVWMIbcNxVH2Bbg0sY6FEVFlk2ZwrLswyLuk vjZ49l79naUExnud318d4VPk Ry0gtBLhVKTNKE9gEtm9ynQ1dOvpcqMj7 scaled

حين تعلن مؤسسة رسمية اليوم عن «نشاط ثقافي»، يتبادر إلى الذهن في كثير من البلاد العربية مشهد مألوف: منصة، أضواء، مغنٍّ أو مغنية، جمهور، موسيقى، ثم صور تُنشر في وسائل الإعلام تحت عنوان «إحياء الحركة الثقافية».

وتتكرر الصورة حتى أصبح من الطبيعي أن يُقال: «موسم ثقافي» فيكون جلّه حفلات، أو «مهرجان ثقافي» فتكون واجهته نجوم الغناء، أو يُحتفى بعودة «الحياة الثقافية» إلى مدينة ما لأن فنانًا مشهورًا سيغني فيها.

في سوريا، مثلًا، برز هذا النقاش مجددًا مع عودة الحفلات الكبرى؛ فقد أعلنت وكالة «سانا» في أغسطس/آب 2026 عن حفلتين للمطربة أصالة نصري في دمشق برعاية وزارة الثقافة ونقابة الفنانين، ضمن «صيف سوريا 2026»، ووُصفت العودة بأنها جزء من تجدد النشاط الفني والثقافي في البلاد.

لكن السؤال هنا ليس عن مطرب بعينه، ولا عن الحكم الفقهي في الغناء والموسيقى، ولا حتى عن سوريا وحدها وإن كان لا يقل أهمية، إنما السؤال أعمق:

متى أصبح الغناء هو الصورة الأسرع حضورًا عندما نقول «ثقافة»؟

وكيف انتقلت أمة كان مفهومها الحضاري للثقافة يتوزع بين القرآن والعلم والأدب واللغة والتاريخ والفكر والعمران والحرفة والكتاب والأخلاق والفنون، إلى حالة تكاد تقيس فيها «الحياة الثقافية» بعدد الحفلات والمهرجانات والمنصات الراقصة؟

للإجابة، علينا العودة إلى البداية.

المسلمون الأوائل لم يعرفوا «وزارة ثقافة».. لكنهم صنعوا ثقافة

من الضروري قبل المقارنة أن ننتبه إلى حقيقة مهمة: كلمة «الثقافة» بمعناها الاصطلاحي الحديث ليست هي الكلمة التي كان المسلم في القرن الأول أو الثالث الهجري يستخدمها ليشير إلى مجموع الإنتاج الفكري والأدبي والفني والاجتماعي للأمة.

المعجم الحضاري الإسلامي كان موزعًا على ألفاظ أكثر دقة: العلم، والأدب، والحكمة، والتربية، والمعرفة، والأخبار، والسير، والصنائع، والفنون، والعمران.

أما «الثقافة» بوصفها مقابلاً حديثًا لمفهوم Culture، فقد تبلورت دلالتها المعاصرة في الفكر العربي الحديث، ولا سيما في سياق النهضة والاحتكاك بالمصطلحات الأوروبية. وقد درست أبحاث أكاديمية كيف أصبحت «الثقافة» في الفكر العربي الحديث مفهومًا مستقلاً ومحل نقاش لدى مفكرين مثل طه حسين وسلامة موسى في النصف الأول من القرن العشرين.

ولهذا سيكون من الخطأ أن نسأل: أين كانت «وزارة الثقافة» عند المسلمين الأوائل؟

الأصح أن نسأل: ما الذي كان يصنع الإنسان المسلم، ويشكّل عقله وذوقه وذاكرته وأخلاقه وتصوره للعالم؟

وهنا يتغير المشهد كله.

الثقافة في المدينة النبوية: صناعة الإنسان قبل صناعة الترفيه

بدأ المشروع الإسلامي بكلمة: ﴿اقْرَأْ﴾. وهذا وحده بالغ الدلالة.

فالمجتمع الذي بناه النبي ﷺ في المدينة لم يجعل المعرفة زينة تضاف إلى الحياة بعد استكمال الضروريات، وإنما جعلها جزءًا من صميم بناء الإنسان.

كان المسجد موضع صلاة، ولكنه كان أيضًا موضع تعليم، وتوجيه، وقضاء، ووفود، وحوار، وتكوين للوعي العام.

وكان القرآن نفسه يصنع ثقافة كاملة: عن الله والإنسان والحياة والموت والتاريخ والمال والأسرة والحرب والسلام والعدل والرحمة.

وكان الناس يتعلمون الحديث والقرآن واللغة والأحكام، وتنتقل إليهم أخبار الأمم السابقة، ويتكون لديهم تصور أخلاقي جديد عن الإنسان والعلاقات والمجتمع.

ولم يكن ذلك مجتمعًا معاديًا للجمال أو الشعر أو الترويح؛ فقد عُرف الشعر، وكان حسان بن ثابت رضي الله عنه ينافح عن الإسلام بشعره، وثبتت مشاهد الترويح المباح في السنة، ومنها مشاهدة لعب الحبشة بحرابهم في المسجد في يوم عيد. ومشاهد الفروسية والمسابقة التي تنبض قوة وعزة.

لكن الفرق عظيم: فالفن كان جزءًا من الحياة، ولم تكن الحياة الثقافية مختزلة في الفن.

والجمال كان حاضرًا، ولكنه لم يُفصل عن منظومة المعنى والأخلاق وتقدير البطولة.

في القرون الأولى.. اتسع العالم فاتسع معنى المعرفة

ومع امتداد الدولة الإسلامية، توسعت الدائرة. ففي العصرين الأموي والعباسي لم تعد الحياة الفكرية قاصرة على العلوم الشرعية، مع بقائها في مركز التكوين الإسلامي، بل نشأت أو ازدهرت حقول واسعة من اللغة والنحو والتاريخ والجغرافيا والطب والحساب والفلك والترجمة والفلسفة والأدب.

ظهرت البصرة والكوفة وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وقرطبة وبخارى وسمرقند وغيرها بوصفها شبكات لإنتاج المعرفة، لا مجرد أماكن لإقامة المناسبات.

كانت هناك المساجد والمدارس والمجالس والخزائن والمكتبات وحوانيت الوراقين والبيمارستانات، ثم تكاثرت المؤسسات الوقفية التي موّلت جانبًا مهمًا من التعليم والخدمة العامة.

وتشير دراسة حديثة عن البنية المعرفية للحضارة الإسلامية إلى أن المساجد والمدارس والمكتبات والمستشفيات والأسواق ومحال الكتب وبيوت العلماء والمؤسسات الوقفية صنعت معًا «نظامًا معرفيًا» امتد بين المدن والمناطق، وانتقل فيه العلماء والطلاب والكتب والمعارف عبر مسافات شاسعة.

أي أن ما نسميه اليوم «الثقافة» لم يكن قطاعًا هامشيًا. كان هو النسيج الذي تنتج به الحضارة نفسها.

ماذا كان يعني أن تكون «أديبًا»؟

وهنا تظهر كلمة شديدة الأهمية في تاريخ المسلمين: الأدب. واليوم عندما نقول «الأدب» يتبادر إلى الذهن الشعر والرواية والقصة. لكن دلالته القديمة كانت أوسع.

فالأدب جمع بين حسن السلوك، والتهذيب، والمعرفة، واللغة، والشعر، والأخبار، والتاريخ، والحكمة، والقدرة على الحديث والتصرف بما يليق.

وتوضح الدراسات المتخصصة أن مفهوم «الأدب» في الحضارة الإسلامية القديمة كان يتحرك على مستويات أخلاقية واجتماعية وفكرية، وأن «الأديب» كان الإنسان المصقول صاحب المعرفة والذوق وحسن السلوك، لا مجرد كاتب نصوص أدبية.

وهذه نقطة فارقة للغاية. فالثقافة هنا لا تعني أن تستهلك عرضًا بل أن تُصنع أنت نفسك.

أن تصبح أوسع معرفة، وأحسن لغة، وأقوم خلقًا، وأدق ذوقًا، وأكثر قدرة على فهم العالم.

وهذا قريب جدًا من أصل سؤالنا.

بغداد: عندما كانت الثقافة كتابًا ومستشفى ومرصدًا وسوقًا

لو دخل إنسان بغداد في ذروة العصر العباسي باحثًا عن «الحياة الثقافية»، فهل كان سيتجه إلى مغنّي القصر؟

بالطبع كانت هناك حياة لهو وغناء ومجالس طرب، بل عرف التاريخ الإسلامي أيضًا المجون والإسراف والانحراف، ولا معنى لرسم صورة مثالية زائفة عن الماضي.

لكن هذا لم يكن محور الثقافة، ولا معيار قوة الحضارة.

إلى جواره كان هناك المحدّث والفقيه والطبيب والمترجم والنحوي والفلكي والشاعر والورّاق والناسخ والجغرافي والمؤرخ.

وكان الكتاب صناعة، والترجمة مشروعًا، والمناظرة حدثًا، والمكتبة مؤسسة، والعلم طريقًا إلى المكانة الاجتماعية.

وهنا يقع الفارق بين مجتمع فيه ترفيه ومجتمع تحولت ثقافته إلى صناعة ترفيه.

الأول عرفه المسلمون عبر تاريخهم. أما الثاني فهو ظاهرة حديثة إلى حد بعيد.

قرطبة والقاهرة وفاس ودمشق وبخارى.. الثقافة كانت مدينة كاملة

والصورة نفسها تتكرر من حاضرة إلى أخرى. ففي قرطبة كان المسجد والعلم والكتاب والشعر والعمارة والصناعة جزءًا من وجه المدينة.

وفي القيروان وفاس والقاهرة ارتبطت الحواضر بمؤسسات علمية ظلت آثار بعضها قائمة إلى اليوم.

وفي بخارى وسمرقند ونيسابور ودمشق نشأت أجيال من المحدثين والفقهاء والأطباء والأدباء.

وفي العالم الإسلامي كان الوقف يستطيع أن يمول مدرسة أو مكتبة أو مستشفى أو سبيل ماء أو نسخ الكتب وتعليم الطلاب.

ومن هنا فإن «الإنتاج الثقافي» لم يكن حفلة يجتمع لها الناس ساعتين ثم ينصرفون. كان إنسانًا يتعلم، وكتابًا يُنسخ، وعالمًا يُموّل، ومدينة تُبنى، وحرفة تُتقن، ولغة تُصان، وذاكرةً تنتقل من جيل إلى جيل.

إذن أين وقع التحول؟

لم يحدث التحول في ليلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في عبارة «فسد الناس». فالمسألة أعمق بكثير.

مع نشوء الدولة العربية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، بدأت مجالات الحياة التي كانت متداخلة تاريخيًا تُقسَّم إلى أجهزة بيروقراطية منفصلة.

التعليم أصبح لوزارة التربية. والجامعة لوزارة التعليم العالي. والدين للأوقاف أو الشؤون الدينية. والبحث العلمي لمؤسساته. والآثار لهيئات متخصصة.

وبقي تحت عنوان «الثقافة» مزيج من الآداب والفنون والمسرح والسينما والموسيقى والتراث.

شيئًا فشيئًا حدث انزياح خطير: لم تعد الثقافة ذلك الإطار الشامل لتكوين الإنسان، بل أصبحت قطاعًا إداريًا. ثم لم يبق القطاع الإداري على اتساعه، بل بدأ هو الآخر ينجذب نحو أكثر الأنشطة قدرة على اجتذاب الجمهور والصورة والكاميرا. وهنا دخلت صناعة الترفيه.

من «المثقف» إلى «النجم»

شهد القرن العشرون كذلك تحوّلًا هائلًا في وسائل إنتاج الشهرة. كان الكتاب يحتاج أشهرًا أو سنوات لكي يصل إلى الناس. لكن الأغنية تصل في دقائق. والمحاضرة تحتاج قارئًا مستعدًا للتفكير. أما الحفل فيحتاج تذكرة ومنصة ومكبّرات صوت.

ثم جاءت السينما والتلفزيون، وبعدهما المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.

وفي اقتصاد الانتباه الحديث، يتفوق ما يمكن تصويره وتسويقه واختزاله في ثلاثين ثانية. وهكذا أخذ «النجم» مكان «العالم» و«الأديب» و«المفكر» في المخيال الجماهيري.

وذلك لأن منظومة كاملة بدأت تعامل الشهرة بوصفها قيمة ثقافية بحد ذاتها. فصرنا نعرف كم شخصًا حضر الحفلة، ولا نعرف كم شخصًا دخل المكتبة. نعرف تكلفة المهرجان، ولا نعرف ميزانية الترجمة. نعرف الفنان القادم من الخارج، ولا نعرف كم مخطوطًا جرى تحقيقه. نعرف عدد المشاهدات، ولا نعرف عدد الأطفال الذين تعلموا القراءة. نعرف كل معلومة تافهة ولا نعرف شيئا عن الحرف والمهارات النافعة! وهنا يبلغ الاختزال ذروته.

لماذا تحب الدولة «ثقافة الحفل»؟

لأن الحفل سهل القياس وأكثر جاذبية. عشرة آلاف شخص. صور. أضواء. تصفيق. رقص. ترند. تقرير تلفزيوني. ثم يستطيع المسؤول في اليوم التالي أن يقول: نجح النشاط الثقافي.

أما بناء عقل أمة فليس له هذا البريق. وإنشاء مكتبة جيدة يحتاج سنوات. وإحياء حركة ترجمة يحتاج مؤسسات. وتكوين جيل من الباحثين يحتاج صبرًا. وإعادة الناس إلى القراءة لا تعطي صورة جماهيرية سريعة.

رعاية الخط العربي أو الحرف التاريخية أو تحقيق المخطوطات أو كتابة تاريخ المدن لا تحقق «ترند» كل أسبوع. والعناية بالحرف التي تعكس ذوقًا وفنًا، ليس ذي جاذبية اليوم أمام ميادين الرقص والتفاهة!

وهنا يتشكل ما يمكن تسميته «ثقافة الحدث» بدل ثقافة البناء. تتحول الوزارة من مؤسسة تعمل على الإنسان خلال عشرين عامًا، إلى جهة تبحث عن برنامج يملأ مساء الخميس.

سوريا نموذجًا.. لكن المشكلة أوسع من سوريا

في الحالة السورية، من الإنصاف القول إن وزارة الثقافة نفسها لا تعرّف الثقافة رسميًا بأنها حفلات وغناء فقط. فموقع الوزارة الحالي يتحدث عن المعرفة وصون التراث المادي وغير المادي ودعم الإنتاج الفكري والفني وتوسيع المشاركة المجتمعية، ويضع ضمن أهدافه حماية الهوية الحضارية السورية.

كما شهد عام 2026 أنشطة لا علاقة لها بالحفلات الغنائية وحدها؛ من معرض الكتاب وورش الخط والرسم والنحت، إلى أنشطة التراث وبرامج الأطفال، بل إن «مهرجان صيف سوريا العائلي» ضم الكتب والعلوم والتعليم والحرف إلى جانب العروض الترفيهية.

لكن كل ذلك لا يلغي السؤال. لماذا تصبح الواجهة الأكثر بروزًا لاستعادة «الحياة الثقافية» هي عودة المطربين والحفلات الكبرى؟ مهما كانت مشاهدها منحطة ومنحلة؟

ولماذا يكون استقدام المغني خبرًا وطنيًا كبيرًا، بينما لا يحظى إطلاق مشروع ضخم للقراءة أو الترجمة أو التاريخ أو المكتبات أو الدراسات السورية أو الحرف التقليدية أو المهارات المميزة، بالوهج نفسه؟

المشكلة إذًا أن السلم الرمزي للثقافة قد اختل. والمشكلة أشد حين ينحدر الفن نفسه، ثم هناك مستوى آخر من الأزمة.

حتى لو قبلنا بأن الفن مكوّن أساسي من مكونات الثقافة، فإن هذا لا يعني أن كل ما يسمى «فنًا» يرتقي بالإنسان. فالثقافات دائمًا تملك معيارًا للجمال والقبح، والرقي والابتذال.

والحضارة الإسلامية عرفت الشعر، لكنها ميزت بين شعر الحكمة وشعر الفحش. وعرفت الأدب، ولم تكن تسوي بين الكلام الرفيع والساقط. وعرفت العمارة والزخرفة والخط والنشيد والشعر والمجالس والاحتفالات.

إذًا القضية ليست: ثقافة أم فن؟ بل: أي فن؟ وأي إنسان يصنعه هذا الفن؟

حين يصبح النشاط الممول أو المحتفى به رسميًا قائمًا على إثارة الغرائز، أو كلمات مبتذلة، أو تقديم الجسد بوصفه مادة استهلاك، ثم يُمنح اسم «الثقافة»، فنحن لسنا أمام توسيع لمفهوم الثقافة، بل أمام إفقاره أخلاقيًا ومعرفيًا.

الثقافة في المنظور الإسلامي ليست موعظة دينية فقط

وفي المقابل يجب الحذر من خطأ معاكس. استعادة المفهوم الإسلامي للثقافة لا تعني أن تتحول كل وزارة ثقافة إلى وزارة دروس وعظية. هذا أيضًا اختزال. فالحضارة الإسلامية لم تنتج كتب الفقه وحدها.

أنتجت الشعر والعمارة والخط والطب والجغرافيا واللغة والتاريخ والحساب والأدب والحرف والأسواق والمدن. والقضية ليست إخراج الفن من الثقافة. بل إعادة الفن إلى موضعه داخل الثقافة.

ولا إخراج المتعة من حياة الإنسان. بل منع المتعة من أن تصبح تعريف الإنسان وغاية النشاط العام بغض النظر عن نقائها وحسن تأثيرها وحدود فسادها.

ولا إغلاق المسرح، حتى المسارح يمكن أن تقدم مادة تُحترم ونشاطات تفيد الناس دون تعدي لحدود الله تعالى. ويمكن فتح المكتبة إلى جانبه.

وبدل تصدير المطربين والراقصية، لم لا يتم تصدير العالمَ والمؤرخَ والمترجمَ والمفكرَ والكاتبَ والحرفي وصاحب المهارة والفكرة الملهمة؟

ماذا ينبغي أن تعني «وزارة الثقافة» في بلد مسلم؟

لو أردنا استعادة المعنى الحضاري، فينبغي أن تصبح الوزارة معنية قبل كل شيء بصناعة الذاكرة والعقل والذوق والهوية.

أن تسأل نفسها كل عام: كم طفلًا جعلناه قارئًا؟ كم مكتبة أحيينا؟ كم كتابًا مهمًا ترجمنا؟ كم مخطوطًا حققنا ورقمنّا؟ كم حرفة تاريخية أنقذنا من الانقراض؟ كم كاتبًا وباحثًا شابًا صنعنا له طريقًا؟ كم قرية وصلت إليها مكتبة أو مسرحية تعليمية أو معرض؟ كم حلقة نقاش جادة أقمنا حول تاريخنا ومستقبلنا؟ كم من تاريخ مدننا وآثارها حفظناه؟ ماذا يعرف أبناؤنا عن دمشق وحلب وحمص وحماة والرقة وإدلب ودير الزور، لا جغرافيًا فقط، بل حضاريًا؟ بل وماذا يعرفون عن خريطة العالم الإسلام وأهم محطاته وحواضره؟

ماذا يعرفون عن علمائهم وكتّابهم وصنّاعهم وأوقافهم ومدارسهم ومخطوطاتهم وأسباب قوتهم وعوامل انبعاثهم؟

ثم بعد كل ذلك يأتي المسرح والسينما والشعر والفنون ضمن رؤية واسعة تعرف ماذا تريد من الإنسان. بتهذيبها بمقتضيات التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

عندها يصبح الفن تعبيرًا عن الثقافة، لا بديلًا عنها.

قبر للعبقرية

ومن أعمق آثار هذا الانحراف أنه لا يكتفي بإفساد الذائقة، بل يدفن العبقرية ويضيّق مساحة الإلهام. حين تُحاصر الثقافة في قوالب مستوردة ومستهلكة، ويتربى الجيل على أن الجمال لا يكون إلا فيما صاغه الآخرون، يفقد المسلم ثقته بقدرته على الابتكار، ويصبح همه تقليد الشكل لا صناعة المعنى. وهنا تقع المأساة: نملك من القيم والمعارف والتاريخ والقصص والرموز والتراث ما يكفي لإنتاج فنون عظيمة، وأفلام مؤثرة، وتصاميم مبهرة، ومتاحف حيّة، ومحتوى رقمي جذاب، وأساليب تعليمية تصل إلى القلب قبل العقل؛ لكن ضعف الخيال وضيق القالب يجعلان المعلومة البنّاءة تُقدَّم أحيانًا بصورة جافة منفّرة، بينما تُقدَّم التفاهة في أبهى صورة وأكثرها إغراءً. إن استعادة النهضة الثقافية تقتضي أن نحرر الإبداع من عقدة التقليد الانهزامي لأصحاب الرذيلة، وأن نعيد وصل القيمة بالجمال، والمعرفة بالإبهار، والرسالة بحسن العرض؛ فليست مشكلتنا أن المحتوى الهادف غير قادر على الجذب، بل أننا كثيرًا ما عجزنا عن ابتكار الأشكال التي تليق بعظمته.

الحضارة لا تُقاس بصوت المكبرات

المشكلة إذًا ليست مع مجرد حفلة بذاتها. لكن الأخطر أن وعي الأمة قد تغير حتى إذا قيل لها «ثقافة» لم تتصور إلا الحفل الراقص. وإذا قيل «مثقف» بحثت عن مطرب مشهور. وإذا قيل «فن» لم تتصور إلا التمايل على أنغام الطرب. وإذا قيل «نهضة ثقافية» عدّت المهرجانات الغنائية!

هنا نكون قد انتقلنا من أمة كانت تنظر إلى الثقافة بوصفها عملية بناء للإنسان إلى مجتمع يتعامل معها بوصفها منتجًا للاستهلاك وتهييج الشهوات.

لقد عرف المسلمون الغناء واللهو والفن، كما عرفت مجتمعاتهم التقصير والانحراف والمجون؛ ولا حاجة إلى تزييف التاريخ. لكن الذي بنى بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة والقيروان وفاس وبخارى وسمرقند لم يكن حفلاتها.

الذي بناها هو الإنسان الذي جعل للعلم مكانة، وللكتاب قيمة، وللمعلم منزلة، وللأدب معنى أخلاقيًا، وللجمال وظيفة، وللعمارة رسالة، وللمعرفة مؤسسة. وهنا يمكن فهم جوهر الأزمة الحديثة:

لم نُدخل الفن إلى الثقافة؛ فقد كان الفن فيها دائمًا. إنما أخرجنا أشياء كثيرة من الثقافة حتى كاد لا يبقى منها إلا الفن، ثم ضيّقنا الفن نفسه حتى كاد لا يبقى منه إلا الترفيه، ثم جعلنا الترفيه محصورا في الطرب والرقص والغناء!

وهذا هو الانحراف الحقيقي.

فالثقافة التي تستحق اسمها ليست ما يجعل الناس يرقصون لليلة، بل ما يجعل أمةً تعرف من هي، ومن أين جاءت، وبأي ميزان ترى العالم، وما الذي تريد أن تورثه لأبنائها.

وحين تعود «الثقافة» إلى هذا المعنى، لن يكون السؤال: من سيغني هذا الصيف؟ بل: أي إنسان نريد أن نصنع للجيل القادم؟

وهذه ليست أزمة بلدٍ بعينه، بل أزمة تمتد في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي؛ حيث تحوّل التقليد للغرب، في كثير من الأحيان، من الاستفادة الواعية إلى استنساخٍ فاقدٍ للثقة بالذات، حتى بدأنا نفقد جزءًا كبيرًا من هويتنا الحضارية وخصوصيتنا الثقافية وذائقتنا الجمالية، ونقيس «التقدم» بمدى قدرتنا على إعادة إنتاج ما يستهلكه الآخرون، لا بما نصنعه نحن من معرفةٍ ومعنى وقيمة.

ثم تُرفع شماعة «تلبية رغبات الجمهور» و«الانفتاح» و«الترفيه» لتبرير مشهد لا يبني ذائقة ولا عقلًا، بل يكرّس الاستهلاك ويضاعف السطحية، فيما تتراجع أمامه المشاريع التي يمكن أن تصنع نهضة حقيقية: الكتاب، والمكتبة، والترجمة، والبحث، والتعليم، والفن الرفيع، وحفظ التراث، وتكوين الإنسان وكل مشروع يعزز النهضة وقوة الأمة.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى تصحيح مفهوم الثقافة نفسه، وإعادة ترتيب سلم الأولويات الحضارية، وتطهير فضائنا العام من التلوث البصري والفكري واللغوي والأخلاقي الذي صار يُقدَّم أحيانًا باسم الحداثة أو الفن. فالنهضة لا تبدأ بإرضاء كل شهوة عابرة، ولا بمنح كل طلب جماهيري شرعيةً ثقافية، بل ببناء ذائقةٍ أرقى، وعقلٍ أعمق، وإنسانٍ يعرف هويته ويستطيع أن يبدع من داخلها لا أن يذوب خارجها. وما يفتح باب الانبعاث الحضاري ليس أن نصبح نسخةً باهتة من غيرنا تستهلك أموالنا وأوقاتنا فيما يضر ولا ينفع، بل أن نستعيد قدرتنا على أن نكون أمةً لها معنى، وذوق، وذاكرة، ورسالة.

فهل سيكون هناك من يدرك حقيقة خطورة الأزمة الفكرية والثقافية التي تعيشها الأمة اليوم ويصلح ما أفسد الانسلاخ العقدي والأخلاقي والتقليد الأعمى للغرب الكافر؟ ويصنع نموذج الاستعلاء بالإيمان والاعتزاز بحضارة الإسلام الراقية؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *